أحمد بن محمد القاسمي.. العلامة والمعنى

عادة ما تكون ذاكرة المسرحي مرتبطة بالتاريخ، تحديداً، التاريخ الثقافي ورجالاته المؤسّسين الذين يضعون العلامات الأولى على الدرب، ومن خلال هذه العلامات تبدأ الرحلة، أو تبدأ الحكاية، بل الحكايات، ومن أجملها رحلة الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، وتصادف اليوم الثالث من إبريل نيسان 2026 ذكرى رحيله الماثلة في ذاكرة الصف الأول من المسرحيين الإماراتيين المؤسسين لثقافة أبي الفنون في الدولة، وكان الشيخ أحمد على رأس هذا التأسيس موجّهاً وقائداً لدفّة السفينة في رحلتها منذ ثمانينات القرن العشرين، الرجل الذي أنشأ عائلة مسرحية إماراتية تقوم على الصداقة والشراكة الثقافية في وقت يحتاج فعلاً إلى قيادي ثقافي من هذا النوع النبيل.
قبل يومين، انتهت فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية بحضور إماراتي وعربي حميم، وسط ظاهرة ثقافية مسرحية هي الأكثر تجذّراً في ذاكرة المسرحيين الإماراتيين والعرب، وفي الثالث من إبريل/ نيسان 2018، كان المسرحيون الإماراتيون والعرب يفقدون رمزاً مؤثراً في حركة الثقافة الإماراتية، لكنه الفقدان الذي يتحوّل إلى حضور روحي وإنساني في ذاكرة أجيال من المسرحيين الواثقين بنبل مشروع الشارقة الثقافي. والمسرح واحد من أعمدة هذا المشروع الجدير بالاحترام الدولي، الذي ينبع من قيمة الفن الذي يدعو إلى السلام والجمال.
الشيخ أحمد كان يعمل بيديه وقلبه وسط هذا المشروع، ولم تغب قيم الجمال عن أخلاقياته، ذلك أن الجمال هو واحد من التعريفات للمسرح.
الجمال يعني التواضع، وكان الشيخ أحمد مثالاً لهذه القيمة التي تضفي على حاملها معنى القوّة الإنسانية الحاضرة دوماً في القلب، والجمال يعني الصدق، وهو كان مثالاً آخر لهذه القيمة التي تضفي على حاملها معنى الثقة والمرونة والصفاء، والجمال يعني أن تحب الناس، وتحب مَن حولك، وتحب فريقك، ومعنى ذلك أنك تحب بلادك وتعمل من أجلها بهدوئك وصمتك.
هذا النموذج المسرحي، والثقافي والأخلاقي الذي كرّسه الشيخ أحمد ينبع أصلاً من بيئته أولاً وأخيراً، وهي بيئة الشارقة، بيئة الثقافة، والكتب والقراءة والشعر قبل أكثر من مئة عام.
إنه خلاصة أسرة مثقفة على رأسها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، نموذج المثقف المسرحي الريادي، النموذج الذي يُحتذى وَيُبْحث عنه، وَيُتَعَلّم منه، وَيُرجع إليه، ويُؤخذ من علمه وثقافته وخبرته، وكان الشيخ أحمد حاملاً أميناً جميلاً لنموذج سلطان، فاستحق أن يكون علامة راسخة في الذاكرة المسرحية والثقافية الإماراتية، المضيئة على الدرب منذ الأمس، وإلى اليوم.
يوسف أبو لوز – الخليج



