أخبار مسرحية

“أداجيو” عرض مسرحي رثائي في وداع عازفة بيانو

رواية إبراهيم عبدالمجيد تتجاوز قصة الحب إلى تجسيد انهيار المجتمع

ملخص

يقدم المخرج المصري السعيد منسي، على مسرح الغد في القاهرة، العرض المسرحي “أداجيو” المأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للكاتب إبراهيم عبدالمجيد. في العرض لا تنهار البطلة وحدها نتيجة خطأ في تشخيص مرضها، بل إن المجتمع ينهار معها أيضاً، ربما للسبب نفسه.

عمل المخرج المسرحي المصري، السعيد منسي، منذ بداياته في مسرح الهواة والمسرح الجامعي، وصولاً إلى المسرح الاحترافي، على مسرحة الرواية، وقدم، من إعداده، مجموعة من المسرحيات، مأخوذة عن روايات عالمية، ومنها روايتان للبرتغالي خوسيه ساراماغو (العمى، وليلة سقوط لشبونة) وواحدة للكولومبي غابريل غارسيا ماركيز (الحب في زمن الكوليرا) وسواهما من الروائيين العالميين.

وتعامل السعيد منسي مع روايات مصرية لكل من بهاء طاهر (نقطة النور، والحب في المنفى) وعبدالحكيم قاسم (أيام الإنسان السبعة).

هذه المرة، يواصل السعيد منسي ولعه بمسرحة الرواية، ويقدم عرضه الجديد “أداجيو” على مسرح الغد في القاهرة (البيت الفني للمسرح- وزارة الثقافة) من إعداده عن رواية للكاتب المصري إبراهيم عبدالمجيد.

لا يشير عنوان الرواية إلى لحن “أداجيو” المنسوب إلى الإيطالي توماسو ألبينوني، الذي عاش في فينسيا خلال القرن الـ18، واستوحاه كاتب سيرته الذاتية ريمو جيازوتو في مقطوعة معاصرة، فحسب، بل يشير إلى أجواء الرواية كلها، التي تعد بمثابة لحن وداع أخير وحزين للبطلة، عازفة البيانو الشهيرة، وإن كان زملاؤها من العازفين قد شيعوا جثمانها على أنغام لحن ألبينوني نفسه، كما جاء في الرواية الأصلية.

روح الرواية

في نص العرض، استبعد المخرج كثيراً من تفاصيل النص الأصلي، محافظاً على روح الرواية، وبخاصة تلك العلامات التي بدت مخفية في ثنايا النص، والتي تفتح باباً واسعاً للتأويل، فالحكاية ليست مجرد قصة حب استثنائية بين رجل وزوجته، على براعة وإحكام صياغتها، فثمة إشارات إلى مجتمع ينهار بكامله، وما انهيار البطلة هنا، نتيجة التشخيص الخاطئ لمرضها، إلا معادلاً لانهيار المجتمع، ذلك الانهيار الذي يفجع الزوج ويجعله، بعد وفاة زوجته، يصفي تجارته ويغادر مصر إلى غير رجعة.

يلتقي سامر، رجل الأعمال (رامي الطمباري) عازفة البيانو ريم (هبة عبدالغني) وتنشأ بينهما قصة حب استثنائية، يتزوجان وينجبان نور (جنا عطوة)، لكن الزوجة تصاب بسرطان المخ، يتم اكتشافه في مراحله الأخيرة، نتيجة خطأ في التشخيص.

يفعل الزوج كل ما في وسعه لإسعاد زوجته، التي تأكد من رحيلها بسبب مرضها، بحيث أجمع أطباء الداخل والخارج على استحالة الشفاء منه، ويستجيب لطلبها وينقلها من المستشفى، الذي تقيم به، إلى فيلا يملكها في منطقة نائية بالإسكندرية، حيث تريد أن تموت بهدوء، بعيداً من أعين الناس، ويشرف على تمريضها بنفسه، حتى ترحل عن الحياة، وخلال تلك الرحلة يستعيد الزوج ذكرياته معها، ورحلاتهما حول العالم.

سوء الأوضاع

وحدهما في منطقة خلت من مرتاديها، نظراً إلى حلول الشتاء، وتصدع معظم مبانيها متأثرة بالمياه الجوفية، يحاول الزوج التخفيف عن زوجته، وفي الوقت نفسه يسعى جاهداً إلى إنقاذ الفيلا التي أغرقت المياه طابقها السفلي، وأدت إلى تصدعها، لكن من دون جدوى، فحالتا الزوجة والفيلا تسوءان بمرور الوقت، وفي الخارج انتشرت الكلاب الضالة، وعصابات خطف الأطفال لبيع أعضائهم، فضلاً عن عصابات السرقة وتجارة المخدرات، وانتحرت فتاة غرقاً للهرب من زيجة تجبرها أسرتها عليها، كل شيء ينهار وتسوء أوضاعه.

لقد أمضت الزوجة وقتاً طويلاً تتعامل مع مرضها باعتباره صرعاً، لا ورماً خبيثاً في المخ، إنه التشخيص الخاطئ، وهو نفسه التشخيص، أو التخطيط الخاطئ، ربما، الذي أوصل المجتمع إلى الحال التي صار عليها، من فوضى وتوحش وفساد، ولعل اختيار “المخ” تحديداً، هو ما يحيل إلى هذا التفسير.

العرض تم تقديمه في قاعة، لا مسرح علبة إيطالي، وهو ما تطلب صياغة بصرية، يلعب صناعها في هذه المساحة المحدودة نسبياً، لتوظيفها في تعدد الأماكن، والانتقال من مشهد إلى آخر من دون اللجوء إلى الإعتام، فالديكور (تصميم أحمد الألفي) منظر واحد ثابت عبارة عن بهو فيلا، في العمق بانوه يتم تحريكه ليفضي إلى منزل الطاهية (أميمة محسن) وعن اليمين، وعلى مستوى أعلى قليلاً حجرة نوم البطلة، وهناك مستوى آخر على ارتفاع نحو مترين يتم استخدامه في مشهد البحر وغيره، وهناك بيانو يتصدر البهو، وبعض لوحات فنية منتشرة هنا وهناك، وبواسطة موتيف بسيط يتم تجسيد بعض المشاهد الخارجية للابنة وغيرها، وهكذا تتم الانتقالات من هنا إلى هناك، من دون إخلال بإيقاع العرض أو تدفق أحداثه، الآنية أو المستدعاة، مع توظيف الإضاءة (أبو بكر الشريف) لتخبرنا أين نحن ومتى، وتعكس طبيعة المشهد وأجواءه، في شاعرية لافتة، وتوزيع متقن لمناطق الضوء وألوانه، يناسب حال الأسى التي تغلف العرض، وكلها حلول بسيطة وعملية، تم تنفيذها بدقة.

ربما الملاحظة الوحيدة على الديكور، بخاصة أننا بصدد ديكور أقرب إلى الواقعية، أن المصمم اهتم بالجمالي أكثر، من دون الاهتمام بتفصيلة مهمة تتعلق بكون المكان مهجوراً وآيلاً للسقوط، كل شيء لامع ومبهج، فهل كان من الأفضل إضافة بعض اللمسات التي توحي بذلك؟

تفاصيل دقيقة

الممثلون في العرض كانوا واعين إلى طبيعة القاعة، وطبيعة الشخصيات التي يؤدونها، بخاصة رامي الطمباري، الذي لعب دور الزوج العاشق والمكلوم في زوجته، بإحساس بالغ الرهافة، مهتماً بأدق التفاصيل، في استخدام الجسد وطبقة الصوت، وحتى تعبيرات الوجه، فهو يدرك أنه يمثل في قاعة يقترب فيها من الجمهور تماماً، وهو ما يتطلب طبيعة أداء تختلف عنها في مسرح العلبة، الأمر الذي وعت إليه أيضاً هبة عبدالغني في دور الزوجة المريضة، في تحولاتها الجسدية من الصحة إلى المرض، من الانطلاق والمرح إلى الهشاشة والأسى.

 وفي العرض برزت موهبتان لافتتان، جنا عطوة، التي لعبت دور الابنة، وهي تتطور من عرض إلى آخر، على رغم محدودية مساحتها، وكذلك جورج أشرف، الذي يعد خامة كوميدية جيدة وواعدة، فضلاً عن بسمة شوقي ومحمد دياب وأحمد هشام وأميمة محسن.

تخلل العرض بعض الأغاني (أشعار حامد السحرتي، موسيقى رفيق جمال) وحسناً أن كانت بصوت البطلين (رامي الطمباري وهبة عبدالغني) لتضفي صدقية أكثر على الحال. لم تغلف الأغاني العرض بأجواء رومانسية فحسب، بل كانت جزءاً أساساً في البنية الدرامية، ربما من دونها تختل الدراما، فكانت أن اختزلت كثيراً من الحوارات والأحداث.

استخدم المخرج عنواناً فرعياً لعرضه هو “اللحن الأخير” قدم لحناً أسيانا، يتجاوز كونه لحناً في رثاء عازفة بيانو مشهورة، إلى لحن يرثي مجتمعاً، ينهار هو الآخر، ليس ببطء، كما انهارت البطلة، ولكن بسرعة شديدة، وإن ظل السبب في الحالتين هو التشخيص الخاطئ.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!