أسامة أبوطالب: أزمة المسرح ليست فى النص وحده بل فى غياب المشروع

قال الدكتور أسامة أبوطالب، الأكاديمى والمخرج وصاحب الإسهامات الكبيرة فى التوثيق والإدارة الثقافية والنقد، إن المسرح العربى يعانى من أزمة مركبة، سببها غياب المشروع المتكامل، إلى جانب مشكلات النصوص والجمهور، لافتًا إلى أن جيله كان يتعلم الفن بشكل متكامل، وتغيير ذلك أضر بالفعل الثقافى كثيرًا.
وشدد «أبوطالب»، الذى كرّمه مهرجان المسرح العربى فى دورته الـ١٦ لعام ٢٠٢٦، على ضرورة بناء منظومة مسرحية متكاملة تشمل البحث، والنقد، والإخراج، والتوثيق، بحيث تصبح كل مؤسسة مسرحية مركزًا علميًا وتدريبيًا فى آنٍ واحد، لافتًا إلى أن أهم درس تعلمه من تجربته العملية هو أن الإدارة الثقافية ليست مجرد منصب إدارى، بل هى مسئولية ثقافية وفنية، تتطلب فهمًا عميقًا للتاريخ والفن والنقد، وكذلك القدرة على تطوير الموارد البشرية.
■ بداية.. كيف بدأت مسيرتك المسرحية؟
– نشأت داخل بيت يمكن وصفه بأنه بيت أزهرى بالمعنى الثقافى العميق، لا بالمعنى الشكلى. والدى كان أزهريًا يتقن العربية، ويعمل فى مجال التعليم، وكانت اللغة حاضرة فى تفاصيل الحياة اليومية لا كمادة دراسية، بل كنَفَس يُعاش.
منذ الطفولة كنت أسمع القرآن الكريم، والمعلّقات، وأغنيات أم كلثوم، وقصائد معقدة لغويًا ودلاليًا، من دون شروح أو مطالب بالفهم. الجمال كان يصل أولًا، الإحساس قبل المعنى، والوجدان قبل التحليل، وهو درس ظلّ ملازمًا لى لاحقًا فى فهمى للفن والمسرح.
كان بيتنا مفتوحًا باستمرار للمثقفين والكتّاب. عفيفى مطر أقام لدينا فى الشرقية فترات طويلة، وكانت أمى ترسل الأتوبيس إلى القاهرة ليحضر الأبنودى وسيد حجاب وأمينة النقاش وفكرى النقاش ورضوى عاشور وغيرهم.
فى قلب الريف كنا نعيش ما يشبه مهرجانًا ثقافيًا حيًا، والمدهش أن أهل القرية كانوا يتفاعلون بصدق، يفهمون الأبنودى وسيد حجاب، لكنهم كانوا يتساءلون: لماذا تصفقون لعفيفى مطر؟ هذا السؤال كشف لى جوهر التلقى الفنى: الإحساس يسبق الفهم، تمامًا كما نستمع إلى القرآن أو أم كلثوم دون إدراك كل المعانى.
أتذكر أيضًا تجربة حاسمة حين استضافت عزبتنا فرقة «الشبان المسلمين» وقدّمت عرضًا مسرحيًا بوسائل بدائية. الجمهور ملأ المكان، النساء فوق الأسطح يزغردن ويتفاعلن.
كانت لحظة اكتشاف لمعنى المسرح كطقس اجتماعى حى، لا مجرد عرض. الأهم أن والدى، رغم خلفيته الأزهرية، لم يرَ فى التمثيل أو الغناء فعلًا مُدانًا، بل سمح لبناته بالمشاركة فى العروض، فى زمن كان ذلك مرفوضًا اجتماعيًا.
رغم هذه البيئة، لم أتجه إلى المسرح مباشرة، حلمت بدراسة الكيمياء، وافتتنت بفكرة حجر الفلاسفة، إلى درجة أننى تسببت فى حريق صغير فى أثناء تجاربى، والتحول الحقيقى جاء مع مسرح كلية التجارة بجامعة عين شمس، حيث وجدت نفسى لأول مرة فى فضاء يجمع اللغة والشعر والجدل والحرية.
الوقوف على الخشبة كشف لى عن أن المسرح لم يكن نزوة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التربية والتجربة، بدأ فى الريف، وبدأ فعليًا على خشبة المسرح.
■ كيف انعكست هذه البيئة على حياتك الدراسية وميلك للمسرح؟
– كانت هذه التجارب تغرس فىّ التفكير المنهجى والتحليل الدقيق، وهو ما ساعدنى لاحقًا فى بناء المنهج النقدى الذى أتبعه، وفى الوقت نفسه كنت أشارك فى حفلات وأحداث محلية، وأتفاعل مع عروض الفرق المسرحية الشبابية مثل فرقة «الشبان المسلمين».
تعلمت من هذه التجارب كيفية قراءة استقبال الجمهور للمسرح، وكيف تتحرك الطاقات الجماعية والوجدانية، وأدركت أن المسرح تجربة تفاعلية، وأن الحضور الجماهيرى جزء من الفعل المسرحى، وهذه الرؤية كانت أساسًا لتطوير عملى المسرحى والنقدى لاحقًا.
■ كيف تصف جيلك الأكاديمى والفنى مقارنة بما جاء بعده؟
– كنت أنتمى إلى دفعة استثنائية، تضم محمد صبحى ولينين الرملى ولطفى لبيب ونبيل الحلفاوى ونادية فهمى وهادى الجيار. كنا ندرس دون تقسيم مصطنع بين نقد وتمثيل وإخراج. كنا نتعلم الفن بوصفه كُلًا متكاملًا، وهو ما صنع أجيالًا حقيقية. ما حدث لاحقًا من تفتيت أضر بالفعل الثقافى كثيرًا.
■ متى بدأت أول تجربة إخراجية لك؟
– أول تجربة إخراجية حقيقية كانت فى أثناء دراستى الجامعية، إذ أتيحت لى فرصة إخراج عدة عروض، منها مسرحية «الأميرة تنتظر» على مسرح المركز الثقافى السوفيتى فى الإسكندرية، بالتعاون مع الدكتور نويل عثمانوف، مستشار سوفيتى ومستشرق مهتم بالمسرح.
ثم أخرجت «ضرر التبغ» بمشاركة أحمد زكى، و«المستأجر الجديد» مع زملائى فى قسم المسرح، وخلال هذه التجارب واجهتنا تحديات كبيرة، مثل إدارة الديكور والمعدات، والتعامل مع محدودية الإمكانات، وهذا دفعنى إلى ابتكار أساليب جديدة لتحريك الممثلين وتوظيفهم فى فضاء العرض بشكل فعّال، وهنا اكتشفت ما أصبح لاحقًا معرفتى بالبايوميكانيك.
اقترحت على الممثلين أن يتظاهروا بحمل الأمتعة بطريقة تعكس الثقل الواقعى، وأن تُظهر الحركة الجسدية الصراع النفسى للشخصيات، وكان هذا الاكتشاف العملى هو البداية لفهم البايوميكانيك قبل أن أتعلمه نظريًا لاحقًا.
■ لماذا أسست مهرجان «مسرح الكاتب المصرى»؟
– مهرجان «مسرح الكاتب المصرى» كان تجربة محورية فى حياتى؛ أسست هذا المهرجان لدعم الكتابة المسرحية المصرية، وإتاحة الفرصة للكتاب الشباب لتقديم نصوص جديدة، وكان هدفى أن يمتد المهرجان ليشمل المسرح العربى.
حصلت على دعم الفنان فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، لتحقيق هذا الهدف، وكانت رؤيتى أن يكون التحكيم عادلًا وشفافًا، ففضلت أن أكون رئيسًا للجان التحكيم بدلًا من الرئاسة العامة للمهرجان، لضمان نزاهة تقييم الأعمال. ومن خلال هذا المهرجان استطعت ربط النقد بالممارسة المسرحية، وأتاحت المنصة للكتاب والمخرجين الشباب تطوير مهاراتهم. ولعب المهرجان دورًا مهمًا فى وضع أسس مسرح الكاتب المصرى على المستوى الفنى والأكاديمى.
■ ما أبرز مؤلفاتك الأكاديمية فى مجال النقد المسرحى؟
– مسيرتى الأكاديمية اتسمت بمحاولة المزج بين النظرية والممارسة، وأول كتاب لى كان رسالة الماجستير التى تناولت المسرح الشعرى الحديث، وهو أول كتاب أكاديمى عربى يُعنى بهذا النوع المسرحى بالتحديد، وهدفى منه كان تقديم دراسة متكاملة تربط بين الشعر والدراما، وتحليل النصوص المسرحية وفق معايير دقيقة، بحيث يمكن للناقد والممارس المسرحى على حد سواء أن يقرأ النص ويحلله ويترجمه إلى حركة على المسرح.
ثم جاء كتاب «هيرمينيوتيكا المسرح» أو «التأويل المسرحى»، وهو مكتوب أصلًا باللغة الألمانية، وكان الغرض منه تقديم منهجية واضحة لفهم التأويل المسرحى على مستوى عالمى، إذ لم يسبق لأى ناقد فى العالم أن افتتح دراسة شاملة لمفهوم التأويل المسرحى على هذا النحو.
هذا الكتاب أصبح مرجعًا مهمًا للأكاديميين والممارسين فى أوروبا والعالم العربى، وفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين النص والعرض والممثل والجمهور.
■ وما الجديد الذى قدمته من خلال كتابك «نقد النقد»؟
– كتاب «نقد النقد» أو «مراجعة النقد» جاء استكمالًا لتجربتى الأكاديمية؛ إذ رأيت أن النقد نفسه يحتاج إلى مراجعة، فليس كل ما يُكتب عن المسرح صحيحًا أو شاملًا، وكان الهدف أن يصبح الناقد ليس مجرد قارئ للنصوص، بل مراجعًا للمنهجية النقدية نفسها، ليصبح هناك وعى بما يُكتب، وكيفية تأثيره على الممارسة المسرحية.
كما استهدف الكتاب أن يصبح الناقد قادرًا على تقييم العمل الفنى بشكل متكامل، ما بين النص والأداء والتقنيات المسرحية المختلفة، وهو ما أدى إلى تطوير آليات دقيقة للنقد المسرحى على المستوى العربى، وتقديم أدوات تحليلية متقدمة للجيل الجديد من الباحثين والنقاد.
■ ماذا يمثل لك كتاب «الجدلية والدرامية»؟
– كتاب «الجدلية والدرامية» كان خطوة جديدة تمامًا فى النقد المسرحى العربى، لأنه تناول العلاقة بين الصراع الجدلى والدراما على المسرح، وقدمت فيه منهجًا تحليلًا لفهم كيفية بناء الشخصيات والصراع الداخلى والخارجى، وكيفية توظيف النص والممثل والديكور والإضاءة لخلق تجربة متكاملة.
هذا الكتاب لم يسبق لأى ناقد أن تناول موضوعه بهذا العمق فى العالم العربى؛ إذ قدم رؤية مختلفة لمفهوم التفاعل المسرحى بين العناصر، وكان له صدى فى الدراسات العليا والأبحاث الأكاديمية، وأدى إلى تطوير أساليب تدريس النقد المسرحى فى الجامعات العربية.
■ كيف تعاملت مع التحديات التى واجهتك فى نشر هذه المؤلفات؟
– التحديات كانت كثيرة، فقد واجهت مقاومة من بعض النقاد الذين لم يكونوا مستعدين لتقبل منهجيات جديدة، أو إعادة تقييم النقد المسرحى نفسه، لكننى كنت دائمًا مؤمنًا بأن التجديد جزء أساسى من أى مسار ثقافى وفنى.
■ ما إسهاماتك فى مجال ترميم المتاحف والتوثيق المسرحى؟
– أحد أهم مشاريع حياتى الإدارية كان ترميم متحف أم كلثوم بقصر المانسترلى، ومسرح المتروبوليتان، إضافة إلى العمل على توثيق المسرح المصرى والعربى. هذه التجارب لم تكن مجرد صيانة أو تسجيل، بل كانت عملية معقدة تتطلب دمج البحث الأكاديمى مع الممارسة العملية.
حرصت على دراسة التاريخ المسرحى والمواد الأصلية، وإعادة تقديمها بطريقة تحافظ على روح العمل الفنى الأصلى مع استخدام التكنولوجيا الحديثة للحفظ والتوثيق، وكان الهدف ليس فقط الحفاظ على التراث، بل جعله متاحًا للأجيال القادمة بطريقة علمية ودقيقة.
التوثيق المسرحى شمل تسجيل العروض، وحفظ النصوص، وجمع صور ومخطوطات ومواد مرجعية مهمة، وهذا العمل أسهم فى بناء ذاكرة مسرحية متكاملة على مستوى مصر والعالم العربى، وجعل كل مشروع ترميم أو توثيق مدرسة عملية يمكن الاقتداء بها.
■ كيف ربطت الإدارة الثقافية بالمهرجانات المسرحية؟
– مشاركتى فى الإدارة الثقافية أعطتنى فرصة مباشرة للتأثير على المشهد المسرحى من خلال المهرجانات، وكان أبرزها مهرجان «مسرح الكاتب المصرى»، الذى أسسته لدعم الكتابة المسرحية المصرية، وتقديم نصوص جديدة للمبدعين الشباب، مع الحرص على أن يمتد ليشمل المسرح العربى لاحقًا.
■ كيف أسهمت خبراتك السابقة فى إنشاء بيئة مسرحية متكاملة داخل المهرجانات؟
– أسهمت خبراتى المتنوعة فى الإخراج والنقد والتوثيق والإدارة الأكاديمية فى بناء بيئة مسرحية متكاملة داخل المهرجانات، لا تقتصر على العروض، بل تشمل البحث والتدريب وربط الممارسة المسرحية بالمنهج الأكاديمى.
■ ما الدروس الأساسية التى خرجت بها من هذه التجارب الإدارية؟
– أهم درس تعلمته هو أن الإدارة الثقافية ليست مجرد منصب إدارى، بل هى مسئولية ثقافية وفنية، تتطلب فهمًا عميقًا للتاريخ والفن والنقد، وكذلك القدرة على تطوير الموارد البشرية، والحفاظ على التراث، وخلق بيئة إبداعية متكاملة.
كما أدركت أهمية العدالة فى التحكيم، والشفافية فى التقييم، وأهمية الدمج بين النظرية والتطبيق، وهو ما يجعل أى مشروع ثقافى ناجحًا ومستدامًا. هذه التجربة أكدت لى أيضًا أن المسرح والثقافة يمكن أن يكونا أداة حقيقية للتغيير الاجتماعى والفكرى، إذا تم التعامل معهما بمسئولية وعمق.
■ ما رؤيتك للمستقبل؟
– أتمنى بناء منظومة متكاملة تشمل البحث، والنقد، والإخراج، والتوثيق، بحيث تصبح كل مؤسسة مسرحية مركزًا علميًا وتدريبيًا فى آنٍ واحد.
كيف تنظر إلى واقع المسرح العربى اليوم؟
– نحن أمام أزمة مركبة، ليست فى النص وحده ولا فى الجمهور، بل فى غياب المشروع. المسرح يتحول أحيانًا إلى واجب إدارى، والمهرجانات إلى غاية فى ذاتها. ما يقلقنى هو غياب الدراماتورجيا كوعى مصاحب للعملية المسرحية، ومع ذلك، لست متشائمًا؛ فالأزمة علامة حياة، والخطر الحقيقى هو الرضا.
حسن عبدالهادي حسن – الدستور المصرية



