أسماء هوري وطاقم شاب يحيون نص زريقة في عرض مسرحي مميز بمكناس

في إطار جولتها الوطنية، حلت فرقة مسرح «أنفاس» بمدينة مكناس لتقدّم عرضها المسرحي الجديد «هم»، عن نص للشاعر عبد الله زريقة، دراماتورجيا وإخراج الفنانة أسماء هوري. وشارك في تشخيص هذا العمل ثلة من خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وهم على التوالي: زينب علجي، هاجر الشوكي، محمد شهير، وعبد الرحيم التميمي، فيما تولى الفنان رشيد برومي تأليف الموسيقى المسرحية، مضيفا إلى العرض بعدا سمعيا وجدانيا عزز من قوة لحظاته الدرامية وكثافتها التعبيرية.
العرض، الذي احتضنته دار الثقافة محمد المنوني مساء يوم الأحد فاتح مارس الجاري، عرف حضورا لافتا لجمهور مكناسي مشهود له بشغفه بالمسرح ووفائه لأبي الفنون، ما أضفى على الأمسية حرارة خاصة وتفاعلا نوعيا عكس تعطش المدينة إلى عروض جادة تراهن على التجديد والجمالية.
مسرحية «هم» تمثل منعطفا جديدا في ريبرتوار فرقة مسرح «أنفاس»، التي راكمت حضورا مميزا بأعمال حصدت جوائز وطنية ودولية، مؤكدة مكانتها ضمن المشهد المسرحي المغربي. في هذا العمل، استطاعت المخرجة أسماء هوري أن تجعل من تجربتها أفقا إبداعيا منفتحا على المدرسة التجريبية بأسلوب جمالي يضع المسرح المغربي في منعطف جديد يتسم بالاحترافية إبداعيا.
وقد نجحت هذه التجربة في إبراز طاقات شابة واعدة، ضخت دماء فنية جديدة في الساحة المسرحية الوطنية، وقدمت أداء متماسكا يجمع بين الحس الاحترافي والجرأة التعبيرية، بما يعكس دينامية جيل جديد من المبدعين خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي.
وعقب انتهاء العرض، كان لقاء مع مخرجة العمل الفنانة أسماء هوري، للوقوف عند خلفيات هذا المشروع الفني، ورهاناته الجمالية والفكرية، واستجلاء خصوصية هذه التجربة الجديدة ضمن مسار فرقة مسرح أنفاس».
لماذا عبد الله زريقة؟
لأنه شاعر مغربي له مكانة خاصة في الشعر المغربي المعاصر، وتستَنطق كتابته الإحساس والمعنى والعمق.
النص قوي بأسلوبه البسيط والحاد في الآن ذاته؛ فهو معبّر بسلاسته، ومستفزّ بكثافة معانيه وتوترها.
كتب عبد الله زريقة عن تجربة الكتابة بوصفها تجربة حسية وجسدية، وعن علاقتها بالذات وبالعالم الذي نعيش فيه بما يحمله من أحداث وانكسارات. تيمة النص آنية ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بواقعنا الراهن، وهي تتفرع إلى تيمات أخرى ذات أبعاد وجودية وفلسفية وإنسانية، كالبحث عن الذات، ومعنى الوجود، والاختيارات الفردية والجماعية.
النص يزخر بالصور المجازية والدلالية، وبفيض من المشاعر والأفكار، كما أن بنيته المفتوحة جعلت إعادة بنائه دراميًا ممكنة ومشروعة.
لغة زريقة تنبض إحساسًا وتشكيلًا تعبيريًا، وتتوفر على إمكانات تقنية وأدائية واسعة. وأراه نصًا خُلق ليُقدَّم على خشبة المسرح؛ فهو نص يصرخ حتى في صمته، يكشف ويبوح، ويفعّل كل ميكانيزمات الفعل والصراع الدرامي.
– لاحظت أن نص المسرحية عبارة عن رواية. فهل يعني ذلك أن المسرح قادر على تجاوز المفهوم الكلاسيكي للكتابة المسرحية والانفتاح على أشكال سردية أخرى؟
النص مكتوب على شكل مقاطع تمزج بين الشعر والنثر، ببنية أدبية لا تدقق في تحديد الزمان والمكان. وهو مكتوب بصيغة الأنا، كما لو أنه مونولوغ وجداني مشحون بالمعاناة والتأمل والبحث المحموم عن الذات.
أما العرض، بكل مشاهده، فهو نتاج كتابة ركحية ثانية للنص الأول. إذ كُتب نص الركح بشكل كورالي، غنائي، حركي، يعتمد تقنية الجوقة وتعدد الأصوات في مختلف تجلياتها. الكتابة الركحية هنا استنطقت المنظومة اللغوية واستثمرتها لتكثيف المعنى والإحساس والحكاية، عبر أداء الممثلين وعبر موسيقي درامية ألّفها رشيد برومي خصيصًا لهذا العمل. فالموسيقى والغناء والتعبير الجسدي عناصر حضرت بقوة طيلة العرض.
وفقًا لهذا الاختيار الفني، استعنا بالجوقة كنموذج للممثل الواحد والصوت الواحد، عبر أربعة مؤدين، لتفجير أحداث المسرحية ومنحها شحنة درامية مكثفة.
وعمومًا، في نظري، يمكن أن يسكن المسرح أي نص يحمل قصة وعمقًا يهزّ البدن والعقل. وكما قالت سارة كين في مسرحيتها 4.48 Psychose: يكفي أن تكون هناك كلمة واحدة ليكون هناك مسرح.
– لقد أبان الممثلون في هذا العرض عن مستوى فني رفيع وحضور أدائي لافت؛ فكيف تتم عملية اختيار الممثلين في أعمالك المسرحية، وما هي المعايير التي تعتمدها في ذلك؟
الممثلون في هذا العمل يبذلون مجهودًا كبيرًا، وانغماسهم في أدوارهم انغماس كلي، وهو أمر ليس بالهيّن. لقد أثمرت التداريب المكثفة والاشتغال باحترافية عالية نتائج ملموسة على الركح.
وأخص بالذكر: هاجر الشركي، زينب عالجي، محمد شهير، وعبد الرحيم تميمي. قد تبدو شهادتي مجروحة في حقهم، لكن الحقيقة أنهم يمتلكون قدرات وطاقات تعبيرية وجسدية وأدائية هائلة، مكنتهم من خوض مغامرة التجريب عبر تدريب مكثف ومتواصل دام لأشهر.
كان رهاننا خلق تشخيص جماعي نطمح من خلاله إلى بلوغ أقصى حدود الممكن إبداعيًا، عبر الجسد والصوت والمعنى
– كيف ترين واقع المسرح المغربي الآن؟
يصعب الحديث عن واقع المسرح المغربي في بضعة أسطر بالنظر لتعدد المداخل التي قد يستوجبه هذا الحديث. فمن جهة هنالك واقع الفرق المسرحية المحترفة ثم شكل أو أشكال الدعم العمومي والخصوصي للمسرح ثم طبيعة وبنية الجمهور المسرحي بالإضافة للجسم المهني وقوانينه وأخيرا البنية التحتية والمؤهلات البشرية التقنية في هذا الميدان.
ولكن عموما واستنادًا لتجربتي الميدانية من خلال العديد من الجولات في عدد من المدن المغربية فالإمكانيات التقنية في بعض القاعات محدودة، وأحيانًا شبه منعدمة، مما يؤثر بشكل واضح على جودة العروض وخاصة فيما يتعلق بالتجهيزات التقنية الضرورية لمتطلبات العمل بالإضافة إلى قلة أو، في بعض الأحيان، غياب تقنيين مساعدين ذوي تكوين فعّال في مجالي الإضاءة وتقنيات الصوت. هناك أيضا حاجة ملحة لعمليات الترميم والتجهيز وتحسين شروط النظافة والصيانة في عدد من المسارح. كما أن أغلب القاعات لا تتوفر على مرافق أساسية، مثل أماكن الاستحمام، خصوصًا بعد عروض تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا.
أخيرا وهذا هو الأهم، ضرورة تقنين المهنة بشكل احترافي سليم، بما يضمن تكافؤ الفرص بين مهنيي المسرح وتحسين ظروف مزاولتهم للمهنة بشكل مهني مسؤول ثم إعادة النظر في مسلسل الدعم المسرحي في اتجاه تجويده والبحث عن أشكال جديدة لتنفيذه بهدف تحقيق نتائج أفضل مما هي عليه الآن. إنما على الرغم كل هذه التحديات الذي ذكرت، فللمسرح المغربي اليوم ، داخل و خارج المغرب، سمعة جد حسنة وأتبثت فرقه في الكثير من المهرجانات العربية و الدولية عن غنى تجاربها المختلفة وعن قدر كبير من المهنية و الابداع.
يوسف بلحوجي – الإتحاد الإشتراكي



