أخبار مسرحية

إصدارات مهرجان المسرح العربى.. قراءات نقدية فى الوعى والجماليات والهوية

شكلت إصدارات مهرجان المسرح العربى فى دورته السادسة عشرة، التى اختتمت فعالياتها الأسبوع الماضى، علامة فى المسار الثقافى والفكرى للمهرجان، إذ جاءت بوصفها امتدادًا لرؤيته الرامية إلى ترسيخ المعرفة المسرحية، وتوثيق التجارب الإبداعية العربية، وفتح آفاق جديدة للحوار النقدى والجمالى.
وتعد إصدارات المهرجان فى هذه الدورة، والتى تعرض «الدستور» عددًا من أهمها خلال السطور التالية، جسورًا تصل بين الأجيال المسرحية، ومرجعًا معرفيًا للباحثين والممارسين، وشاهدًا حيًا على حيوية المسرح العربى وقدرته الدائمة على التجدد والإسهام فى صياغة الوعى الثقافى للمجتمعات العربية.

«المسرحانية فى العرض التجريبى».. جماليات التجريب وتحولاته فى مصر

يقدم كتاب «المسرحانية فى العرض التجريبى المصرى (١٩٨٨-٢٠٠١)» قراءة فى جماليات المسرح التجريبى وتحولاته فى مصر خلال فترة مفصلية. 
وعن كتابه، تحدث الناقد والأكاديمى محمد سمير الخطيب، قائلًا: «انطلقتُ فى هذا الطرح من فكرة تتعلّق بإشكالية تصنيف الاتجاهات المسرحية، شخصيًا، قررتُ ألا أتعامل مع التجربة بوصفها (اتجاهًا) مسرحيًا، بل باعتبارها مفهومًا، فالمسرح، منذ نشأته الأولى عند إسخيلوس وسوفوكليس، كان مسرحًا تجريبيًا بالأساس، يقوم على تغيير قواعد اللعب المسرحى واختبار أشكال جديدة».
وأضاف «الخطيب»: «من هنا بدأتُ الاشتغال على مفهوم التجربة، ومحاولة استقصائه تاريخيًا وفكريًا، بما فى ذلك علاقته بنشأة المسرح العربى، فحتى البدايات الأولى، منذ مارون النقاش، كانت تجارب مسرحية تُعدّ فى لحظتها تجريبية، وإن لم تُسمَّ بهذا الاسم. لذلك عملت على تتبّع هذا المفهوم، وكيف تداخل مع مفاهيم أخرى، مثل التطوير والتحديث، إلى أن اختلطت هذه المفاهيم ببعضها البعض لفترة طويلة».
وأردف: «مع بداية الثمانينيات، بدأ مفهوم التجربة ينفصل تدريجيًا ليُعترف به كحالة مستقلة وقائمة بذاتها، وأصبحنا نعيد قراءة تجارب سابقة- مثل محاولات يوسف إدريس أو تجارب كرم مطاوع- مترددين بين توصيفها كتجديد أو كتجريب، وهو ما يكشف ارتباك المفاهيم فى تاريخنا المسرحى».
وتابع: «ضمن هذا السياق، حاولتُ تفكيك المفاهيم الحاكمة لفكرة التجريب، ولاحظتُ خصوصية الحالة المصرية، حيث بدأ منذ عام ١٩٨٨ دخول الدولة كلاعب أساسى فى ترسيخ مفهوم التجريب، من خلال مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى. هذا الحدث أسهم فى شيوع المصطلح وانتشاره عربيًا بشكل واسع، غير أن التجريب كان موجودًا بالفعل قبل ذلك، منذ ما بعد ١٩٦٧، فى تجارب مثل (مسرح المائة كرسى)، وأنشطة جامعات ومراكز ثقافية كالمركز الثقافى الروسى، و(مسرح القهوة)، وغيرها من النماذج التى حملت سمات تجريبية واضحة».
 

«المسرح الكوميدى».. من نهاية الحرب العالمية الأولى حتى النكسة

اعتبر الكاتب والأكاديمى، المخرج المسرحى نبيل بهجت، أن كتابه «المسرح الكوميدى فى مصر من ١٩١٨ إلى ١٩٦٧ (مسرح بديع خيرى)» يعد عملًا بحثيًا نقديًا موسّعًا، يعيد قراءة المسرح الكوميدى المصرى بوصفه أحد أهم مفاتيح فهم تشكّل العقل الجمعى والضمير الاجتماعى فى مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين وحتى هزيمة يونيو ١٩٦٧.

وقال «بهجت»: «الكتاب يتناول المسرح الكوميدى فى مصر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بوصفها لحظة مفصلية أعادت رسم خريطة العالم سياسيًا وفكريًا، وحتى هزيمة ١٩٦٧، باعتبارها لحظة كاشفة لاختلالات عميقة فى بنية الوعى العربى، وهى فترة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على المجال السياسى وحده، بل امتدت إلى أنماط التفكير، وتمثّلات السلطة، والعلاقة بين الفرد والمجتمع، وهى تحولات انعكست بوضوح على الفنون، وفى مقدمتها المسرح الكوميدى».

وأضاف أن الكتاب ينطلق من رؤية فكرية تعتبر أن مهمة الفن الأساسية ليست الترفيه أو نقل المعرفة، بل بناء وعى يقظ وضمير حى، موضحًا أن هذا الوعى لا يتحقق عبر تراكم المعلومات أو الغرق فى التعقيد النظرى، وإنما عبر التجربة والممارسة، والتدريب المستمر على التحليل والتفكيك وإعادة البناء، لأن الفن، فى هذا السياق، لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يعلّم الإنسان كيف يرى وكيف يفكّر وكيف يطرح السؤال قبل أن يسعى إلى الإجابة.

«الكتابة المغايرة».. «مانيفستو» للمسرح البديل

فى كتابها «الكتابة المغايرة وصناعة العرض البديل فى المسرح المصرى المعاصر»، فتحت المخرجة عبير على حزين بابًا للنقاش حول ضرورة تجاوز القوالب الجاهزة للمسرح.

وأوضحت المخرجة والكاتبة أنها فى الكتاب لا تهدف لمجرد توثيق عروض، بل لتقديم رؤية نقدية للمفاهيم السائدة، مؤكدة أن «المنتج الثقافى ينبع من بيئته الجغرافية وظروفها الاجتماعية وتاريخها».

واستعرضت خلال الكتاب كيف أعاد المسرح المصرى المغاير صياغة علاقته بالهوية، والمرأة، والمجتمع، مع تحليل الفرق المسرحية، ليس بوصفها كيانات، بل كنماذج لممارسات ثقافية تقاوم الهيمنة وتؤسس لهوية مصرية بديلة.

ويعد الكتاب أكثر من مجرد رصد تاريخى للمسرح، بل هو ما يمكن أن نطلق عليه «مانيفستو» نقدى وفكرى، يسعى لإعادة تعريف العملية المسرحية فى مصر خارج الأطر الرسمية والمركزية.

وانطلقت الكاتبة من نقد حاد للهيمنة الثقافية قائلة: «إن سيطرة المنتج الثقافى لهذه الشعوب المستعمرة، بوصفه المنتج الإبداعى الرسمى والمتحضر، أدى إلى تحويل تلك المنتجات الثقافية إما إلى سلع تراثية متحفية، أو إلى سلع سوقية غير راقية.. بالمقارنة بالتعريفات السائدة للمسرح».

«المسرح الغنائى فى مصر»..

توثيق وتحليل للموسيقى والأغانى حتى نهاية القرن العشرين

يعد كتاب «المسرح الغنائى فى مصر من البدايات حتى نهاية القرن العشرين»، للدكتورة ياسمين فراج، أستاذ النقد الموسيقى بالمعهد العالى للنقد الفنى بأكاديمية الفنون، توثيقًا وتحليلًا تاريخيًا وموسيقيًا للمسرح الغنائى فى مصر.

وينطلق الكتاب من خلال المنهج التاريخى متخذًا التحليل «سيسيوميوزيك Socio-music»، والذى تجمع فيه بين دراسة أوضاع المجتمع الذى أنتجت فيه العروض المسرحية الغنائية، وبين التحليل الموسيقى لشكل ومضمون الأغانى والألحان.

وبدأت الدكتورة ياسمين فراج كتابها بتساؤل منهجى عميق حول الفرق بين «موسيقى المسرح ومسرح الموسيقى»، مؤكدة أن هذا الالتباس كان الدافع وراء تقديم دراستها «المسرح الغنائى فى مصر»، ومن هذا المنطلق، لا يأتى الكتاب كتوثيق تاريخى فحسب، وإنما محاولة جادة لفك شفرات هذا الفن وربطه بتحولات المجتمع المصرى عبر قرن من الزمان.

وقالت: «موسيقى المسرح ومسرح الموسيقى مصطلحان ظل تفسيرهما يؤرقنى طوال سنوات دراستى ثم عملى فى مجال المسرح والنقد والتدريس الأكاديمى، ومن هنا ارتأيت أنه من الضرورى أن أقدم دراسة واسعة عن المسرح الموسيقى الذى نعرفه فى مصر والوطن العربى باسم المسرح الغنائى».

ورغم التعريج خلال الدراسة على الجذور التاريخية للموسيقى، بدءًا من الحضارة المصرية القديمة، إلا أن الكاتبة حددت الإطار الزمنى للدراسة وهو القرن العشرين «زمن التغيرات الكبرى فى مصر والوطن العربى» ما أعطى الدراسة رؤية تحليلية رصينة.

وقالت، فى هذا الصدد: «أما الحدود الزمانية فهو القرن العشرين؛ لأنه شهد تغيرات سياسية واجتماعية أثرت على شكل ومضمون المسرح الموسيقى فى مصر»، ما يعنى أن الكتاب لم يتعامل مع الفن المسرحى باعتباره ظاهرة معزولة عن المجتمع، بل كمرآة للمتغيرات الكبرى مثل ثورة ١٩١٩، وثورة ١٩٥٢، والانفتاح وغيرها من المتغيرات المجتمعية والسياسية فى مصر.

 

 

 

 

ياسمين عباس – الدستور المصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!