البطل الشعبي يفقد سطوته في رمضان مصر
غابت الشخصية الشعبية التي تتحول إلى حديث الشارع في دراما رمضان ومعظم صناع الأعمال خلطوا بين الحارة والعنف والمشاهد العضلية

ملخص
على رغم وجود محاولات بعضها يحقق نجاحاً مقبولاً، لكن تكرار التيمات والموضوعات والشخصيات والصراعات أفقد أسطورة البطل الشعبي وهجها، وربما قد يتسبب في أفول تلك الأسطورة الدرامية. ومع استخدام الوصفة نفسها لأعوام من نفس النجوم والصناع، تحولت الحارة في كثير من الأعمال إلى ديكور جاهز، والبطل إلى قالب ثابت، مما أفقد الأمور اتزانها وروحها الأصلية.
الدراما الشعبية ليست مجرد “أكشن” أو مشاجرات، بل في جوهرها حكايات من قلب الشوارع والحارات والطبقات البسيطة الكادحة، صراعاتها، الخير والشر والفقر والسلطة والعدالة والهوية، وبقدر ما تحكي عن الناس وتقترب منهم تحقق بصمة خاصة، لذلك نجحت عبر الأعوام لأنها بدت صادقة، حتى عندما كانت مبالغاً فيها.
والحارة في الدراما الشعبية ليست مجرد مكان، بل عالم درامي كامل قائم على القيم والشرف و”الفتونة” والصراعات الطبقية، وقصص صعود من القاع إلى القمة، ولأن البطل الشعبي أيقونة هذا العالم، لأنه يمثل حلم القوة والعدالة والانتقام والنجاة استقرت الدراما الشعبية والبطل الشعبي على مدار عقود باعتبارهما الوقود الأساس لموسم رمضان، والوجبة الأكثر قدرة على اجتذاب الجمهور المصري والعربي على اختلاف طبقاته.
التكرار أزهق البطل الشعبي
وفي رمضان هذا العام وبعد مرور أسبوعه الأول امتلأت الخريطة المصرية بأعمال شعبية عديدة، بينما غاب النجاح المدوي وغابت الشخصية التي تتحول إلى ظاهرة جماهيرية أو حديث الشارع مثل الأعوام الماضية، على غرار “الأسطورة” و”جعفر العمدة” و”حسن أرابيسك” وغيرها.
واحتلت مسلسلات مثل “علي كلاي” بطولة أحمد العوضي، و”إفراج” بطولة عمرو سعد، و”درش” بطولة مصطفى شعبان، و”الكينج” بطولة محمد إمام السباق بطموحات ضخمة وإنتاجات كبيرة، لكن نتائج معظم هذه الأعمال جاءت أقل بكثير من التوقعات، وسط نقد حاد وانقسام جماهيري واضح.
شغف الجمهور المولع بالقصص الشعبية التي تتاجر في الأمل، وتمنح المهمشين متنفساً وسط الإحباطات الاجتماعية والاقتصادية فيرون شخصاً يشبههم ينتقم ويسيطر وينجح بأخلاق أولاد البلد ونزاهتهم، فيتبدل اليأس بالأمل وتبعث فيهم تلك الحكايات الروح من جديد، هذا الشغف يبدو أنه تعرض لحالة من الإزهاق، فلم يعد البطل الشعبي عبر مواسم درامية ورمضانية متتالية بنفس القوة والسطوة والنجاح الجماهيري.
وعلى رغم وجود محاولات بعضها يحقق نجاحاً مقبولاً، لكن تكرار التيمات والموضوعات والشخصيات والصراعات أفقد أسطورة البطل الشعبي وهجها، وربما قد يتسبب في أفول تلك الأسطورة الدرامية. ومع استخدام الوصفة نفسها لأعوام من نفس النجوم والصناع، تحولت الحارة في كثير من الأعمال إلى ديكور جاهز، والبطل إلى قالب ثابت، مما أفقد الأمور اتزانها وروحها الأصلية.
ملاكم مجهول النسب
في غياب محمد رمضان وخلو الساحة من البطل الأسمر مفتول العضلات، ظهر على مدار أربعة أعوام أحمد العوضي، مُحكماً قبضته على تلك المنطقة، ومحتكراً بصورة كبيرة المسلسل الشعبي الأكثر مشاهدة، وهذا العام قدم مسلسل “علي كلاي” باعتباره العمل الشعبي الأكثر انتظاراً.
يتعمد العوضي ومؤلف معظم أعماله محمود حمدان أن يضغط عاطفياً بكل المؤثرات الدرامية مثل معاني الرجولة والظلم والشرف والصراعات والنزاهة والانتماء في مسلسلاته، وقد تتغير التفاصيل والأسماء، لكنه يحب دائماً أن يكون العمل جامعاً لكل ما سبق بكل عمل، إضافة إلى إظهار مبالغ فيه للقوة الجسدية الغاشمة وفنون القتال الحديث، التي تضفي هالة خاصة يعشقها نجوم هذه الأعمال.
وتدور قصة “علي كلاي” حول شاب مجهول النسب تتبناه أسرة ثرية فيعاني بشدة كونه لقيطاً بسبب نظرة المجتمع، ويحاول إثبات نفسه من جهة، وفي الوقت نفسه يواجه كثيراً من الظلم والاضطهاد من أبناء تلك العائلة وأعداء آخرين.
وعلى جانب آخر، هناك قصص حب ونساء جميلات متعددات يقعن في حب رجولته وشجاعته ودماثته، فتتقاطع الصراعات بين الجميلات على قلب علي كلاي من ناحية، بينما هو مشغول بتصفية حسابات مع أعداء شديدي العنف والشر، وخلال الوقت نفسه هو بطل رياضي لا تكف الحلقات عن استعراض صولاته وجولاته، وهو نصف عار في حلبة الملاكمة يكيل للمنافسين كيلاً ويسحق كل من ينافسه.
وعلى رغم الانتقادات التي نالت المسلسل بسبب زيادة مشاهد العنف وتكرار نفس القصص والأبطال أيضاً، فإن العمل حظى بأكبر نسبة مشاهدة بين المسلسلات الشعبية الأخرى المنافسة، وبخاصة أن بناءه الدرامي صنع بصورة جاذبة ومتوافقة مع طريقة الحكي التقليدية والصراعات التي تحبها الجماهير على رغم نمطية بعضها، إذ تنتهي كل حلقة بمعركة شرسة بين الخصوم لتبدأ في الحلقة التالية صراعات أكثر سخونة تجذب المشاهد نحو هذا العالم، وتجعله في حالة متابعة على رغم التكرار وتوقع الأحداث ونهاية المشاحنات بين البطل والخصوم.
وربما مر مسلسل “علي كلاي” بنجاح مقبول حتى الآن بنفس النمطيات المعتادة ، على رغم أن هناك عبارات ساخرة أطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي كان في باطنها هجوم، إذ سألوا العوضي “أليس هذا مسلسل العام الماضي بحذافيره؟”، لكن بصورة منطقية قد لا يحتمل المشاهد خلال المرات القادمة أن يكرر العوضي نفس مسار الصراعات والمعارك والخصوم، والاعتماد على كليشيهات معروفة.
وعلى رغم النجاح المقبول للعمل جماهيرياً فإنه وقع في فخ بطء الإيقاع ضمن الحلقات الأولى، وتقليدية الشخصيات سواء شريرة أو طيبة وجنوحها نحو التطرف في الحالتين، كما فقد المسلسل بعض الصدقية بسبب المبالغة في استخدام العنف، والإفراط في حبك المعارك في الحارة بطريقة السينما الأميركية من حيث الاحترافية، فلا معارك بالحواري بين أشخاص عادية تجري بتكنيك أكشن يشبه نجوم السينما العالمية بهذه الدقة، مما أوضح أن العمل غير قريب من الناس في شجاراتهم العادية التي تعج بها مقاطع مصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كما في بعض الحلقات يوجد تركيز على الاستعراض البدني أكثر من البناء الدرامي.
دراما ثقيلة تبحث عن جمهور
راهن عمرو سعد بعد تجارب متعددة في الدراما الشعبية مثل مسلسل “ملوك الجدعنة” و”الأجهر” و”شارع عبدالعزيز” على مغازلة الجمهور بعمل دمج بين تيمة البطل الشعبي والحارة من جهة والدراما النفسية السوداوية من جهة أخرى، وذلك في مسلسل “إفراج” الذي يعرض منذ بداية رمضان.
المسلسل كما روج بطله يدور حول قصة حقيقية وقعت منذ أعوام، واستوحى منها عمرو الذي كتب المسلسل مع ورشة “قلم” التي يمتلكها شخصية عباس الريس من وحي شخصية رجل قتل زوجته وبناته، بعدما شك في سلوك الزوجة، وأنهى حياتها وهو تحت تأثير نوع من المخدرات الذي دفعه للجريمة.
يحكم بالسجن على عباس ويقضي مدة فقط لا تتعدى 12 عاماً على رغم أنه متلبس في جريمة القتل العمد، ويخرج من محبسه ليواجه المجتمع في الحارة الشعبية البسيطة، ويحاول كشف الحقيقة والدوافع التي وضعها بعضهم في طريقه لقتل زوجته وبناته.
وعلى رغم أن المسلسل قد يبدو معتمداً على تيمة المنتقم “كونت دي مونت كريستو” وهو الرجل الذي تعرض لخديعة وخرج من محبسه لينتقم ويصفي حساباته مع أعدائه، لكن المسلسل تخبط بين تلك المنطقة من ناحية وبين الصراعات النفسية للبطل وغياب الوضوح عن حقيقته النفسية، وهل هو ظالم أم مظلوم؟ لذلك فقد العمل بوصلته، وضعف الإحساس بالتعاطف مع البطل الذي لا يعرف هو نفسه إن كان مذنباً أم ضحية، إضافة إلى كون توحد المشاهد وانتمائه وتعاطفه مع البطل هو شرط التفاعل الأساس ومصدر قوة العمل، لكن في “إفراج” تاه التعاطف، وظهرت كل الرؤى ضبابية، والأشرار والمخادعين جاؤوا على نحو شديد التقليدية شكلا وأداءً.
لم ينس بطل العمل عمرو سعد أن يتخلل الحلقات مشاجرات ومشاهد أكشن في الحارة وبينه والخصوم، فينتصر على الرجال الأقوياء بقبضته حتى تكتمل توليفة البطل الشعبي التقليدية. وقد تبدو في العموم أن الفكرة إنسانية وعميقة، لكن التنفيذ اتسم بالبطء والحوار المطول وقلة الأحداث الكبرى، مما جعل المشاهد يشعر بالملل بدلاً من التعاطف.
كما أن تكرار تيمة الماضي يلاحق البطل، وتعدد مشاهد الفلاش باك أضعفت الحبكة، والمشاهد المطولة لحوارات البطل ونحيبه جعلت العمل أقرب إلى الدراما التأملية، وليست الجماهيرية المرتبطة بالصيغة الشعبية.
بطل شعبي نافذ
وكعادته الرمضانية قدم مصطفى شعبان هذا الموسم مسلسلاً يقترب من الدراما الشعبية المفضلة لديه وهو مسلسل “درش”، وذلك بعد سلسلة من الأعمال السابقة التي لاقت صدى مثل “أبو جبل” و”الزوجة الرابعة” و”المعلم” و”حكيم باشا”. حاول شعبان تقديم شخصية مختلفة، لكنه ظل أسير صورته السابقة كبطل نافذ داخل عالم شعبي، فقدم شخصية عطار فقير يفقد ذاكرته، ويكتشف أن له شخصيات متعددة وحيوات مختلفة، وتحوم به النساء من كل اتجاه.
وعلى رغم محاولة التجديد في الفكرة الرئيسة، لكن الأحداث تشابهت مع أدوار سابقة، وجاءت الحوارات بلا عمق كافٍ على رغم تعدد الخطوط الدرامية ووصولها إلى مرحلة من التشتت.
ويواصل محمد إمام بمسلسل “الكينج” اقتحام المنطقة الشعبية التي يتعمد المنافسة بها كواحد من الأبطال الشعبيين، إذ قدم من قبل مسلسلات في هذه المنطقة مثل “دلع بنات”، و”كوبرا”، و”النمر”، و”هوجان”.
لكن خلطة إمام هذه المرة لم تعتمد على الحكاية الشعبية بصورة كاملة مثل أعماله السابقة لكنه اكتفى في “الكينج” بتاريخ ينتمي إلى جذور شعبية للشخصية الرئيسة للعمل، وهو حمزة الدباح الشاب الفقير المنتمي إلى منطقة فقيرة الذي يعاني صراعات مع عصابات ويشتبك في شجارات خارج نطاق الحارة وحكاياتها. لذلك فقد العمل التوجه نحو الشعبي، واعتمد بصورة أكبر على السفر ومشاهد العنف والمعارك المحكمة بين الخصوم.
هكذا فقدت الدراما الشعبية هويتها
خلط معظم صناع الدراما بلا داع بين الدراما الشعبية والعنف والمشاهد العضلية، وكان أحد أبرز ملامح الأسبوع الأول من مسلسلات رمضان الشعبية الاعتماد المفرط على المعارك، والجرعات الكبيرة من المشاجرات، مما أثار جدلاً واسعاً، ووصل الأمر للسخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تصدر سؤال واحد بإلحاح وهو هل لا يوجد بطل شعبي يعيش حياة طبيعية دون خوض معركة يومية؟
في الأعمال الناجحة سابقاً، كان البطل الشعبي قوياً لكنه قابل للانكسار، مما يجعله قريباً من الجمهور. أما في كثير من أعمال هذا الموسم فقد بدا الأبطال بقوة غاشمة تنتصر دائماً مما أفقد الأعمال عنصر التوتر، لأن الجميع يعلم أن البطل سيضرب ويقهر وينتصر بلا هوادة.
أفقد مسلسلات الدراما الشعبية هذا الموسم كثير من وهجها ليس فقط تكرار القصص، إنما تصوير البيئة الشعبية نفسها، إذ ما زالت الحارة تقدم بوصفها عالماً غريباً مليئاً بالشخصيات الكاريكاتيرية المبالغ فيها من حيث الأسماء والسلوكات والملامح، بينما الواقع أكثر بساطة وتنوعاً.
قد تبدو دراما الحارة في خطر والبطل الشعبي في تراجع وربما أفول باستثناءات بسيطة، لكن هذا لا يعني أن الجمهور أعلن تخليه عن توليفته المفضلة وبطله الأسطوري، لكنه يريد بطلاً أكثر إنسانية وتعقيداً وواقعية، وقد يكون ما يحدث الآن من نقد لاذع وتراجع نسب المشاهدة هو مرحلة انتقالية تسبق موجة جديدة تعيد تعريف هذا النموذج، فزمن البطل الذي ينتصر بالقوة وحدها تراجع وحل محله جمهور يبحث عن العمق والصدق قبل الهيمنة.
نجلاء أبو النجا – إندبندنت عربية



