ثقافة

التفاصيل العاديّة منظومة رمزية معقّدة في”حبل غسيل” فتحي الرحماني

قراءة في نظام الرموز وتمثيلات السّلطة واستعارة المجتمع المعلّق.

تبرز رواية “حبل غسيل” لفتحي الرحماني كنموذج إبداعي يكثف أسئلة الوجود والسلطة ضمن قالب الرواية القصيرة. وعبر استعارة يومية بسيطة، يشرح الكاتب أنساق القمع والفساد في مجتمع مغلق، محولاً “الحبل” من أداة منزلية إلى نظام سيميائي يعري المسافة بين المعلن والمضمر، ويجسد بلاغة “تجويع اللفظ وإشباع المعنى” في مواجهة الاستبداد.

شهدت العقود الأخيرة تطوّرا ملحوظا لأشكال السّرد، وعلى رأسها الرواية القصيرة، التي أصبحت تستأثر باهتمام النقّاد والقرّاء على حد سواء. ففي عصر يتّسم بتسارع وتيرة الحياة وغزارة المعلومات، يقدّم هذا الشكل الأدبي – بقدرته على التركيز واختزال العالم في لحظات دالّة – استجابة فنّية واعية لروح العصر، حيث يتعاضد اقتصاد اللّفظ مع غنى الدلالة.

في هذا السياق الإبداعي، تبرز رواية “حبل غسيل” الصادرة عن منشورات كناية عام 2024 للكاتب التونسي فتحي الرحماني، كنموذج لافت يجسّد فعالية هذا الشكل في تحويل التفاصيل العاديّة إلى منظومة رمزية معقّدة. تلتقط الرواية بذكاء مبدأ تأسيسيّا في البلاغة العربيّة تجسّده مقولة عبدالقاهر الجرجاني في “تجويع اللّفظ وإشباع المعنى”، لتصوغ من عنصر يومي (حبل الغسيل) نافذة نقديّة كاشفة لتشريح أنساق السّلطة والعلاقات في بلدة صغيرة مغلقة.

يهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الاستعارة المركزيّة عبر منهج تكاملي يجمع بين أدوات السيميائيّات لرصد تحوّلات الدلالة في بنية النص، والنقد الثقافي لربط هذه الدلالات بسياقها المجتمعي الأوسع، وكشف الأنساق المضمرة التي تشكّل وعي الأفراد وتتحكّم في مصائرهم.

نظام سيميائي مفتوح

◄ عمل يؤكد أنّ الرواية القصيرة، بقدرتها على التكثيف والتركيز، هي شكل أدبي بالغ الفعالية في تشريح تعقيدات الواقع

لا يقتصر دور حبل الغسيل في الرواية على كونه دالّا وظيفيا، بل يتحوّل إلى علامة سيميائيّة مركزيّة (Signe) تتمتّع بمرونة دلاليّة استثنائيّة، تجعل منها نصا داخل النص. يتجلّى هذا التحوّل في مسار تطوّر الدلالة، الذي يمكن تفكيكه على النحو التالي:

من الأرشيف المنزلي إلى سجل اللاوعي الجمعي: يبدأ الحبل كأداة للحياة اليوميّة، لكنّه سرعان ما يصبح أرشيفا بصريّا تسجّل عليه العلاقات الاجتماعيّة. إنّ المسافة الرمزية بين ملابس الزوج والزوجة، كما يرى عالم الاجتماع بيير بورديو في تحليله “للهابيتوس”، ليست فراغا عشوائيّا بل هي تجسيد مادي للهوّة العاطفية والطبقيّة بينهما. هذا التحويل للفاصل المنزلي إلى شيفرة اجتماعيّة هو تحقيق عملي لمبدأ “إشباع المعنى”.

يقول الجرجاني في أسرار البلاغة “وإنّما تكون البلاغة في استعمال اللّفظ في غير موضعه، مع صحّة السَبْك وجودة الوضع”. هنا، يوظّف الرحماني “اللفظ” (حبل الغسيل) في “غير موضعه” الوظيفي، لينقلنا إلى موضع دلالي أعمق هو تشريح العلاقات البشريّة.

من قناة اتصال سرّية إلى فضاء حوار الأصوات المقهورة: مع تدخّل الراوي، ينتقل الحبل من حالة السلبيّة إلى الفاعليّة، ليصبح قناة اتصال خطرة. إخفاء الرسالة في حمّالة الصدر يحوّل العلامة من دال على حميميّة مغلقة إلى حامل لخطاب مضاد.

هذا يذكرنا بمفهوم ميخائيل باختين عن “تعدّد الأصوات” في الرواية، حيث يصبح حبل الغسيل فضاء حواريّا تلتقي فيه أصوات كانت مُسكَتة: صوت الزوجة المكبوت، وصوت الصحفي المتطفّل الباحث عن الحقيقة، في مواجهة الصوت المهيمن للزوج. الحبل يصبح هنا لغة ثانية، أو ما يمكن تسميته بخطاب الهامش، الذي يقاوم خطاب المركز الفاسد.

من أداة حياة إلى أداة موت واستعارة للقمع الشمولي: تبلغ عمليّة التحوّل الدلالي ذروتها المأساويّة. الحبل الذي كان يمثّل دورة الحياة (الغسيل، النشر، الجفاف، العودة) يتحوّل إلى أداة للموت (المشنقة). هذه النقلة تذكّرنا بما كتبه الفيلسوف جورجيو أغامبين في كتابه “السلطة السياديّة والحياة العارية”، وهي الحياة التي يمكن قتلها دون أن تُعدّ جريمة. الجثث المعلّقة تجسد هذه الحياة العارية التي سحقتها السّلطة. ولكن الرواية تتجاوز ذلك، فقرار “حظر حبال الغسيل” يمثّل لحظة استيلاء السّلطة على الرّمز ذاته وتجريده من كلّ دلالة حميميّة أو مقاومة ممكنة. إنّه إعلان عن “موت العلامة” كحامل لمعنى فردي، وتحويلها إلى أداة صامتة في مشروع السّلطة الكلّي. كما يصف ميشيل فوكو آليات “السّلطة التأديبيّة”، فإنّ القمع هنا لا يطال الأفعال فقط، بل يطال الفضاء البصري للحياة اليوميّة ويروم تنظيمه وإفراغه من أي إمكانيّة للتعبير المستقل.

المجتمع “المعلق”

تعمل الرواية، عبر نظامها الرمزي المكثّف، على تشريح طبقات متعدّدة ومعقّدة من السّلطة التي تشكّل نسيج المجتمع الصغير وتجعل منه مجتمعا “معلّقا” في فراغ أخلاقي.

سلطة النفوذ والفساد: تشريح “رجال الصدفة” عبر اقتصاد العلامات: لا تحتاج الرواية إلى خطاب مباشر لفضح الفساد، بل تستخدم اقتصادا دلاليّا دقيقا. البدلة الأنيقة، السيارة الفخمة، الابتسامة الصفراء الباردة – كلّها علامات تشكّل كما يحلّل جان بودريار، “نظاما للقيمة الاستعراضيّة”. إنّها أدوات لإنتاج صورة وهميّة للسلطة والتفوّق. فساد الزوج ليس ماليّا فحسب، بل هو فساد أنطولوجي يمسّ جوهر العلاقات؛ فزيارته “لفتاة المغسلة” تكشف عن علاقة قائمة على الاستغلال المزدوج: استغلال الجسد واستغلال الطبقة. إنّه نموذج “البرجوازية الطفيليّة” التي ينتقدها عالم الاجتماع مصطفى حجازي والتي تثري من خلال العلاقات والامتيازات لا من خلال الإنتاج.


◄ الخاتمة المروّعة ليست بيانا عن اليأس المطلق، بل هي تشخيص جذري وجارح لطبيعة السّلطة التي تواجه الفرد

السّلطة الجندريّة والاغتراب في قلب الفضاء الخاص: العلاقة الزوجيّة ليست ملاذا بل هي مسرح مصغّر لعلاقات القوّة. حبل غسيل الزوجة هو سجل مأساوي لوجودها المغيّب. ملابسها “الأنيقة” قناع اجتماعي مُجبرة عليه، بينما حمّالات صدرها المُعادَة والمحدودة الألوان هي سيرة جسد مُستلب. رسالتها السرّية تمثّل، كما تقول سيمون دي بوفوار، محاولة للخروج من وضعية “الآخر” والتمرّد على التّمركز الذكوري للعالم. مقاومتها هنا تكون بلغة “الكتابة من الجسد”، مستخدمة أدوات القمع ذاتها (الملابس الداخليّة) لتخترق جدار الصمت.

وتتصاعد آليات القمع في الرواية بشكل متدرّج يفضح تواطؤ الأجهزة المختلفة. يبدأ من خلال “التلصص” كمراقبة اجتماعيّة غير رسميّة، يمارسها حتى البطل نفسه في البداية. ثم ينتقل إلى الضغط الاقتصادي عبر سحب الاشتراكات من الصحيفة، وهو ما يعكس سيطرة رأس المال الفاسد على وسائل الإعلام. الذروة تكون في العنف المادي المباشر: حرق الصحيفة (قمع المؤسّسة الناقدة) والقتل (إبادة الفرد). قرار حظر حبال الغسيل هو تتويج رمزي لهذه السّلطة الشموليّة؛ فهو يعلن، كما يشير إلياس خوري في تحليله لآليات القمع، عن رغبة النظام في “تنظيف الذاكرة البصرية” للمجتمع، ومصادرة أدوات الحياة اليوميّة، وتحويل الفضاء الخاص إلى امتداد خاضع ومراقَب للفضاء العام.

استعارة كلّية

لا يمكن قراءة النهاية المروّعة (الجثث المعلّقة، حريق الصحيفة، الحظر) كخاتمة دراميّة لصراع أفراد فحسب، بل يجب اعتبارها استعارة كبرى مكتملة الأركان تُجسّد المصير النهائي للحقيقة والجسد والكلمة في مواجهة آلة سلطويّة لا تترك مجالا للهامش.

هنا الجثث على الحبل هي الإعلان الدرامي عن تحوّل “حبل الحياة” إلى “حبل موت”. هذا التحوّل ليس مصادفة، بل هو النتيجة الحتميّة لصراع غير متكافئ. وهو يعكس، كما في تراجيديات سوفوكليس، كيف أنّ محاولة كشف الحقيقة (هنا تحقيق الصحفي) تقود حتما إلى الهلاك.

أما حريق الصحيفة فيرمز إلى إحراق الفضاء العمومي النقدي. إنّه تدمير متعمّد للمنبر الأخير، وكما يقول يورغن هابرماس “عندما ينهار الفضاء العام، تتحوّل السّلطة إلى أمر غير خاضع للمحاسبة”. الحريق هو محاولة رمزية لإحراق الحقيقة ذاتها.

وقرار حظر حبال الغسيل هي اللّمسة “الجينياسيّة” في بناء الاستعارة الكلّية. السّلطة لا تكتفي بالانتصار في المعركة، بل تسعى إلى تغيير قواعد اللّعبة ذاتها وإعادة كتابة السّرد من الصفر. إنّها تمارس ما يسمّيه الناقد عبد الفتاح كيليطو “سلطة المحو”، فهي تُمحي الرّمز (حبل الغسيل) من المشهد كي تمحو الذاكرة والدّلالة المرتبطة به. الصمت الذي كان مفروضا بالقهر يصبح الآن منظّما بقانون، مجسّدا في غياب حبال الغسيل عن السطوح. إنّه انتصار “اللاأمكنة” الفارغة، كما وصفها مارك أوجيه، على الأمكنة الحاملة للتاريخ والذاكرة.

تؤكّد رواية “حبل غسيل” للكاتب فتحي الرحماني أنّ الرواية القصيرة، بقدرتها الهائلة على التكثيف والتركيز، هي شكل أدبي بالغ الفعالية في تشريح تعقيدات الواقع المعاصر. لقد نجح النص، عبر التزامه الروحي بمبدأ “تجويع اللفظ وإشباع المعنى”، في تحويل استعارة يوميّة بسيطة إلى منظومة سيميائيّة ثقافيّة غنيّة وقادرة على تفكيك تمثيلات سلطويّة متداخلة: سلطة الفساد الاقتصادي الاجتماعي، وسلطة العلاقات الجندريّة المجحفة، وسلطة القمع المؤسّسي الشمولي.

والخاتمة المروّعة للرواية ليست بيانا عن اليأس المطلق، بل هي في جوهرها تشخيص جذري وجارح لطبيعة السّلطة التي تواجه الفرد. إنّها سلطة لا تهدّد حرّياته السياسيّة فحسب، بل تمتدّ لتطال أدوات وجوده اليومي ورمزية عالمه الخاص، ساعية إلى خلق إنسان منزوع الذاكرة، منزوع الحميميّة، ومعلّق في فراغ رمزي. وهكذا، تثبت رواية حبل غسيل أنّ الاستعارة الفنّية المكثّفة، كما تقدّمها الرواية القصيرة، يمكن أن تكون أداة نقديّة أشدّ إيلاما وصفاء، وأعمق أثرا، من الكثير من الخطابات التحليليّة المباشرة. إنّها رواية تعلّق المجتمع على حبل غسيله، وتتركه يتأرجح بين ذاكرة حميميّة مرغوبة، وصمت قسري مفروض.

حامد محضاوي – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!