دراما وفنون

السينما الإماراتية.. معركة الوجود في ممر الخيال الضيق

بينما تلمع الأضواء في صالات العرض، وتضج الشاشات بحكايات مستوردة، تقف السينما الإماراتية اليوم في ممر ضيق تتقاذفه رياح العولمة والحداثة. ليست المسألة مجرد عدسة وكادر، بل هي معركة وجود يخوضها صانع الأفلام الإماراتي لإثبات أن الحكاية المحلية قادرة على عبور الحدود، شريطة أن تتحرر من فجوة التلقي التاريخية التي جعلت المشاهد المحلي يرى في الإنتاج المحلي مادة للتندر أحياناً، أو تجربة لم تنضج بعد.
وخلف الكواليس، ثمة غصة تسكن حناجر المبدعين؛ فالمهرجانات الكبرى التي كانت يوماً ما رئات يتنفس منها «الفن السابع» في الدولة باتت قليلة. وفي ظل «تابوهات» اجتماعية وتفاصيل قد تُزهق روح العمل قبل ولادته، يجد المخرج نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانزواء في الظل، أو القفز نحو العالمية.
في هذا التحقيق، نفتتح ملف «الفن السابع» في الإمارات؛ لتبحث مع صناعه عن المسار المستدام الذي لا يتوقف عند الفيلم الأول، مستطلعة أسباب غياب آليات الدعم الواضحة، وتفاصيل سطوة منصات البث الرقمي التدفقي التي أزاحت شباك التذاكر عن عرشه، ومستكشفة رؤى العقل الإماراتي المبدع الذي يحلم بسينما لا تستجدي الضحك، بل تلامس الوجدان الإنساني في أبهى صوره.
فجوة التلقي
وأوضحت المخرجة الإماراتية نجوم الغانم أن التحديات التي تواجه السينما المستقلة تختلف كلياً عن تلك التي تواجه السينما التجارية المدعومة، مشيرة إلى أن السينما التجارية تحظى بالدعم والترويج الواسع أكثر، بينما تعاني السينما المستقلة لأنها تخرج عن إطار السائد والموضوعات التقليدية التي تتبناها دور العرض.
وأكدت الغانم أن السينما في الإمارات وصلت متأخرة مقارنة بفنون أخرى، ما يجعلها تفتقر إلى التراكم البصري التاريخي لدى الجمهور، مبينة أن هذا التأخر خلق فجوة في التلقي، بحيث لا يضع الجمهور المحلي السينما ضمن قائمة أولوياته، كما أن هناك صعوبة في جذب المشاهد نحو سينما خارج السياق، وهي السينما التي تطرح موضوعات جادة وعميقة ولا تستجدي الضحك.
وتطرقت نجوم الغانم في حديثها إلى إشكالية الطرح، مؤكدة أن السينمائي الإماراتي في بعض الأحيان لا يتناول القضايا الإنسانية والمجتمعية الصعبة، وأن الإجراءات الطويلة قد تُزهق روح العمل قبل أن يرى النور.
وعن طموح الوصول إلى العالمية، ذكرت الغانم أن المهرجانات الدولية تبحث دائماً عن موضوعات قوية وجريئة تعكس ثقافة الأرض القادمة منها، وأنه في ظل القيود الاجتماعية يجد المخرج نفسه مضطراً إلى العمل في إطار المسموح به، ما يضعف قدرته على المنافسة دولياً.
وقالت: «في ظل التابوهات الاجتماعية لا يمكننا تقديم أعمال قادرة على المنافسة في المهرجانات السينمائية الكبرى، وسنظل دائماً في المقاعد الخلفية»، مشددة على أن التوقعات المجتمعية، التي تفرض على الفنان أن يكون مراعياً لحدود معينة في الطرح، تتنافى جوهرياً مع روح الفن.
ودعت إلى ضرورة التحلي بالتسامح ومنح صناع السينما مساحة للتعبير، موضحة أن السينما الحقيقية أعمق من مجرد محاولات إفزاع الجمهور بأساليب نمطية، أو التنمر على فئات معينة تحت اسم «الكوميديا».
مسار مستدام
وفي قراءة تحليلية لواقع المشهد السينمائي المحلي، حددت المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة ملامح التحديات والفرص التي تواجه صناع الأفلام في الإمارات، مؤكدة أن المسألة لم تعد تتعلق بمجرد البدايات، بل القدرة على خلق مسار مهني مستدام يضمن بقاء المبدع الإماراتي في الساحة.
ورأت الخاجة أن المعضلة الحقيقية التي تواجه السينما الإماراتية اليوم لا تكمن في نقص الموهبة أو ضعف الإمكانيات، بل في الاستمرارية، موضحة في حديثها أن التحدي الأكبر هو بناء مسار مهني متصاعد لصنَّاع الأفلام، يتجاوز إنتاج العمل الأول ليشمل رحلة مهنية متكاملة.
وعلى الرغم من اعترافها بوجود بنية تحتية قوية ومواهب واعدة، شددت الخاجة على ضرورة وجود منظومة متكاملة تبدأ من مرحلة التطوير وتصل إلى التوزيع النهائي، وأهمية توفير دعم تراكمي يسمح للمخرجين والمنتجين ببناء أعمال متتالية دون الحاجة إلى البدء من نقطة الصفر مع كل مشروع جديد، إضافة إلى حلول تمويلية تواجه محدودية التمويل طويل الأمد، وإيجاد نماذج واضحة لاسترداد الاستثمار المحلي.
وفي إجابة عن سؤال المنافسة مع السينما العربية والعالمية، وضعت الخاجة الصدق والجرأة شرطين أساسيين للنجاح، مشيرة إلى أن الجمهور المعاصر يتمتع بذكاء عالٍ وانفتاح عالمي، ما يجعله يبحث عن القصص الإنسانية الحقيقية التي تلامس وجدانه، بغض النظر عن هوية صانعها.
ولخصت خريطة الطريق للوصول بالفيلم الإماراتي إلى منصات التتويج والمنافسة العالمية عبر ثلاث ركائز: الإتقان الفني بتقديم عمل سينمائي يتمتع بمعايير احترافية عالية، والعمق العاطفي من خلال القدرة على مخاطبة قضايا مستمدة من تفاصيل الحياة اليومية، إلى جانب التوازن الثقافي، الذي رأته «المفتاح» الذي يجمع بين الخصوصية الثقافية المحلية واللغة السينمائية العالمية التي يفهمها الجميع.
من جانبه، قدَّم المخرج الإماراتي طلال محمود قراءة نقدية لواقع «الفن السابع» في الإمارات، عبر تحديد مجموعة من العوائق البنيوية والاجتماعية التي تحول دون ازدهار الحراك السينمائي بالشكل المأمول، واضعاً في الوقت ذاته خريطة طريق لصنَّاع الأفلام لتجاوز عقدة الجمهور المحلي والوصول إلى العالمية.
وأشار محمود إلى أن صناعة السينما الإماراتية تواجه حالياً حالة من عدم الوضوح في آليات الدعم المقدمة، مؤكداً أن غياب القاعدة المشتركة التي تجمع بين صناع الأفلام والمؤسسات يعوق وضع خطط استراتيجية وميزانيات واضحة تتماشى مع تطلعات السينمائيين.
وعن العائق الاجتماعي، أوضح أن الجمهور المحلي يشكّل تحدياً كبيراً، لافتاً إلى تعامل البعض مع التجارب السينمائية المحلية بشيء من التقليل، بغض النظر عن جودتها أو نوعها، بل تحويلها أحياناً إلى مادة للسخرية، ما يؤثر سلباً في بيئة الإبداع.
وحول كيفية المنافسة مع الإنتاجات العربية والعالمية الضخمة، رأى طلال أن الصانع الحقيقي لا ينبغي أن يحصر تفكيره في إرضاء الجمهور المحلي الذي قد لا يكون داعماً في كثير من الأحيان، داعياً المخرجين إلى التركيز على معايير الحكاية المحلية وتقديمها بقالب إنساني يخاطب الجمهور العالمي والجاليات المقيمة بمختلف جنسياتها، والالتزام بتقديم القصة بجودة فنية عالية وعبر ممثلين متمكنين، مع ضرورة ترسيخ مبدأ أن صناعة الفيلم تهدف في المقام الأول إلى المتعة والفرجة وتقديم محتوى بصري وسردي رصين.
مرحلة انتقالية
وأكدت بثينة كاظم، مؤسِّسة «سينما عقيل»، أن قطاع صناعة الأفلام يمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب إعادة نظر شاملة في منظومة الدعم والتمويل، موضحة أن المشهد السينمائي تأثر بشكل ملموس بندرة المهرجانات الكبرى التي كانت تشكّل ركيزة أساسية للإبداع والتعاون الإقليمي.
وأشارت كاظم إلى أن قلة المهرجانات السينمائية في الدولة، أدى إلى انخفاض وتيرة الإنتاج المشترك والتعاون مع المخرجين والمنتجين العرب، لافتة إلى أن التحدي الأكبر يكمن في تمويل «الأفلام البديلة» ذات الطابع الفني التي لا تُصنَّف بوصفها أفلاماً تجارية بحتة، مؤكدة أن هذا النوع من الفن يحتاج إلى منظومة داعمة تمكنه من الاستمرار والوصول إلى الجمهور.
وعن التحولات العالمية، قالت كاظم: «نشهد نقلة تاريخية؛ فشباك التذاكر لم يعد المحرك الوحيد للنجاح التجاري»، مؤكدة أن منصات البث الرقمي التدفقي باتت اليوم المحرك الأساسي للإنتاج الإقليمي، ما يفرض واقعاً جديداً يتطلب مواءمة السياسات الإبداعية لتواكب هذا التغيير الجذري في طرق التوزيع والاستهلاك. واقترحت مؤسِّسة «سينما عقيل» مجموعة من الحلول العملية التي يمكن تنفيذها على المديين القريب والبعيد، أبرزها ضرورة إدراج السينما كـ«لغة تمكينية» في المناهج الدراسية والجامعية، لتعزيز النقد السينمائي والاحتفاء بالهوية العربية والإنتاج المحلي، إضافة إلى الفصل بين المحتوى والسينما، مطالبة بضرورة التفريق في السياسات والمنصات بين «صناعة السينما» بوصفها فناً، وبين «المحتوى الرقمي» العام الذي يستحوذ على الحيز الأكبر من الاهتمام حالياً.
ودعت بثينة إلى ضرورة تحفيز صالات العرض عبر تفعيل سياسات وبرامج تشجع صالات السينما على برمجة وعرض الأفلام المحلية، مشددة على أن وجود صناديق دعم متخصصة هو «المنفذ الأساسي» لتحفيز الإنتاج، مستشهدة بالنموذج الفرنسي الذي يدعم السينما في كل مراحلها، من الكتابة والإنتاج إلى التوزيع والترويج.
واختتمت كاظم حديثها بالتأكيد أن السينما جزء لا يتجزأ من الثقافة والهوية الوطنية، وأن تمكين الكتَّاب والمخرجين وتوفير فرص العمل والتمويل، كل ذلك سيضمن خروج إنتاجات إماراتية وروائية طويلة قادرة على المنافسة عالمياً، واستعادة مكانة الدولة في الخطاب السينمائي الإقليمي.
السيد رمضان – البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!