الصراع النفسي بطل عرضي «أيام الشارقة المسرحية»

تواصلت مساء أمس الأول «الأحد» فعاليات الدورة الـ35 لمهرجان «أيام الشارقة المسرحية»؛ وشهد «بيت الشعر»، في الشارقة عرض مسرحية «من غير يقين»، وهي العمل الفائز بجائزة مهرجان «كلباء للمسرحيات القصيرة» وهي مقتبسة عن نص «الأب» للكاتب السويدي أوغست ستريندبرغ، ومن إخراج فيصل موسى. أما العرض الثاني الذي احتضنه قصر الثقافة في الشارقة، فجاء بعنوان «هير قرموشه» لمسرح الشارقة الوطني، وهو من تأليف إسماعيل عبدالله وإخراج محمد العامري، وبمشاركة نخبة من الممثلين على رأسهم أحمد الجسمي وعبدالله مسعود.
العملان، رغم اختلافهما، يحتفظان بخيط يجمع بينهما، وهو التأكيد على أن الشكوك والظنون لها مردودها السلبي على الأفراد والمجتمعات؛ حيث تقود إلى لحظة انهيار وتفكك حتمية إن لم يبرز صوت الحكمة في الأفق. والملاحظ بروز صوت المرأة كمحرّض على الشك في العرض الأول، وعلى الانتقام في الثاني، لتكون المحصلة في العرضين جنوناً مطلقاً.
يتكئ العرض الأول «من غير يقين» على حكاية محتشدة بالصراع على النفوذ والسيطرة بين زوج وزوجته؛ يبدأ الخلاف بينهما حول المستقبل الدراسي لابنتهما، ثم يتصاعد السجال حين تعمد الزوجة إلى إثارة الشك في عقل زوجها عبر سؤاله عن مدى ثقته بأبوته للطفلة، فيفقد اليقين وينهار؛ إثر تعرضه لمؤامرة كبيرة من هذه المرأة القاسية التي لا تعرف حدوداً للصراع، حيث نسجت كل أشكال المكائد ضد رجل أعزل من أي سلاح يواجه به ذلك الحريق الذي اندلع في البيت، والذي تسلل إلى عقله ليخربه تماماً.
كانت النهاية في غاية المأساوية؛ حيث كان «قميص المجانين» هو الإعلان الرسمي عن فقدان الرجل لعقله. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل فقد الكثير من الأشياء؛ إذ كانت مربيته القديمة التي يحبها بشدة هي من طلبت منه ارتداء ذلك القميص، فكان مشهداً مؤثراً يشير إلى فقدان الثقة حتى بالأحباب. لم يتحمل الرجل كل ذلك الجنون، الذي لم يكن جنونه وحده، بل هو جنون العالم الذي انهارت قيمه وتبدلت أخلاقه؛ فلم يحتمل كل تلك القسوة ليموت في النهاية إثر سكتة دماغية وهو محطم نفسياً وجسدياً، ليتحقق الانتصار للزوجة. وأيُّ نصرٍ هذا الذي تُذبح فيه المبادئ، وتُوْءَدُ فيه الأخلاق، وتغترب فيه الإنسانية.
أبعاد فلسفية
احتشد العمل بالكثير من الرؤى والأبعاد الفلسفية والنفسية، فضلاً عن التصورات العميقة حول العلاقات الإنسانية التي ولّدت سيلاً من الأسئلة؛ إذ صوّر العرض العلاقة الزوجية المضطربة كأنها حرب ضروس يسعى فيها كل طرف إلى فرض هيمنته وإرادته مهما كانت النتائج. ومع غياب صوت الحكمة والعقل، وبدلاً من الوصول إلى صيغة تجعل التعايش ممكناً، أو الاختلاف والفراق مقبولاً، قام الطرفان المتصارعان بهدم المعبد «البيت والحياة الزوجية». كما ركز العمل على ثنائية صِيغت بصورة جدلية بديعة، تقوم على فكرة أن الأبوة «ظن» بينما الأمومة «يقين»؛ وهو المفتاح الذي استخدمته الزوجة لتدمير زوجها تماماً.
صنع المخرج فيصل موسى مقاربة مميزة؛ حيث ركز بشكل أساسي على تكثيف الصراع النفسي بين الزوج والزوجة ليتوافق مع قالب «المسرحيات القصيرة»، وعمل على صياغة بصرية مبدعة لحرب «الإرادات»، وبناء التوتر الدرامي عبر بث الشك بين الطرفين. كان المخرج وفياً للنص الأصلي حتى في العنوان «من غير يقين»؛ إذ تلاعب بثيمة الصراع الزوجي بما يعكس الجوهر الفلسفي لنص ستريندبرغ. كما جاء توظيف السينوغرافيا ليعمق حالة الصراع والخراب الروحي، خاصة في استخدامات الإضاءة، ونجح الممثلون في نقل الصراع الذهني والجسدي المعقد للشخصيات بكفاءة عالية.
ملحمة
أما العرض الثاني، فقد كان موعداً للجمهور مع المتعة النصية والبصرية عبر تلك الثنائية المبدعة بين إسماعيل عبدالله ومحمد العامري؛ حيث جاء النص فخيماً يجمع بين التوجه نحو التراث والتناول المبدع له من خلال حكاية جميلة جرت في زمن مضى، تتحدث عن مجموعة من البحارة «النواخذة» الذين يتنافسون على صيد اللؤلؤ من البقاع البحرية التي تعج بـ«الهير»؛ أي «المغاصة»، وهو مكان الغوص في الأعماق؛ حيث تتجمع اللآلئ النفيسة. وكان كل واحدٍ من هؤلاء النواخذة في تلك المنطقة التي جرت فيها الأحداث، يمتلك مجموعة من الغواصين المدربين بشكل جيد، وتبقى المعضلة دائماً في اكتشاف مكان اللؤلؤ «الهير».
وراجت في المنطقة شائعة قوية بأن هناك شاباً يمتلك خريطة لـ«هير» في مكان خفي من البحر، فحاولوا إغراءه بالمال وبكل عزيز من أجل منحهم الخريطة من دون فائدة، إذ لم تكن موجودة في الأصل، وهو ما حاول إقناعهم به ذلك الشاب الذي عذبوه وهددوه بقتل أخته من دون جدوى، إلى أن مات على أيديهم بسبب التعذيب. وبعد مدة من الزمن، تظهر ثريا «أخت الشاب الراحل» باسم جديد هو «قرموشه» لتطلب الانتقام؛ حيث خاطبت أطماع النواخذة بوعدهم بمنحهم الخريطة إن هم استجابوا لطلباتها، لتصبح مسيطرة على المكان وتزرع الفتن والشكوك بينهم، وصولاً إلى قتلهم جميعاً.
تحمل المسرحية رسالة مهمة، وهي الضرر الناجم عن الانتقام على المجتمع؛ إذ إنه يتعدى مسببي الأذى ليشمل الجميع، الذين يصبحون ضحايا لهذا الانتقام الأعمى الذي لا يفرق بين أحد. ويعمق العمل تلك الفكرة من خلال ظهور شخصية خال «قرموشه» الذي حاول ثنيها عن فكرتها، محذراً من أن شرارة الكره ستطال أهل المنطقة كافة، وسيتحول المكان إلى ساحة صراع بين التجار المتنافسين، ليكون البسطاء والفقراء هم الضحايا الأوائل. لكن الدمار وقع على كل حال؛ لأن غياب العقل هو الذي قاد إلى تلك النهاية المأساوية.
صنع المخرج محمد العامري معالجات ومقاربات حوّلت العمل إلى ملحمة حقيقية بكل أبعادها؛ من تصعيد للصراع، إلى توظيف الحوارات القوية واللغة الشعرية والأهازيج والأغاني المستمدة من البيئة البحرية، ليصنع مشهدية عالية وصورة بصرية بديعة. وقد استخدم المجاميع و«الجوقة» والأداء التمثيلي المذهل الذي وصل إلى مرحلة الصدق الفني، خاصة الممثلة سارة السعدي التي جسدت شخصية «قرموشه»، وكذلك شخصيات «النواخذة» كأطراف متصارعة، والتي جسدها أحمد الجسمي وعبدالله مسعود ومحمد بن يعروف.
قدّم العرض العديد من الأبعاد النفسية والفكرية، واشتغل على مناطق القيم؛ حيث برزت شخصية «قرموشه» كمحرّك انتقامي يكشف عورات النفس البشرية وأطماع النواخذة. وهذا هو الخيط الدرامي للعمل الذي تحرك في مساحة ثنائية الانتقام والجشع؛ إذ نجح العامري في إضافة بعدٍ تراجيديٍ إنسانيٍ عميق ومأساةٍ عمل على تبريرها عبر الكوميديا الراقية.
واستعان العامري، كعادته، بالكتل الكبيرة في تأثيث الفضاء؛ بديكور متحرك يتم تفكيكه وجمعه وتحريكه بحسب مقتضيات الحالة الدرامية. إن قيام الممثلين بتدوير وتفكيك الكتل الضخمة يعكس حالة التيه والصراع التي يعيشها «النواخذة»»؛ فالحركة اليدوية للديكور تعزز هذا المفهوم. كما قدم العامري سينوغرافيا تعتمد على «الوحدة العضوية»، حيث لا ينفصل الضوء عن المادة أو عن جسد الممثل؛ إذ استُخدمت زوايا متعددة لصناعة أشكال ودرجات من الإضاءة. وبفضل تحريك الكتل الضخمة، كان العامري يعيد تشكيل الفضاء باستمرار، بما يعكس الحالات النفسية والشعورية والفكرية في كل مشهد؛ ونجح بهذه الأدوات في تحويل الخشبة إلى كائن حي يضيق ويتسع مع تصاعد الحدث.
كسر الجدار الرابع
كانت الملاحظة اللافتة هي اشتغال المخرج على الثلث الأمامي من خشبة المسرح؛ ولعل ذلك الفعل لم يكن عشوائياً، بل هو خيارا ذكيا يخدم أهدافاً فنية وفلسفية عدة، بحيث يتم تعزيز الحميمية بين الممثلين والجمهور. كما أن هذا الضيق المكاني يجسد حالة الحصار والطمع والانتقام التي تعيشها الشخصيات؛ ومن خلال هذا الخيار، عمل العامري على كسر «الجدار الرابع» مع الجمهور، ليصبح المتلقي شريكاً في الأحداث. وتبرز ضخامة الكتل حين يتحرك الممثلون في الثلث الأمامي، ما يجبر المتلقي على التركيز في جسد الممثل وحركته، بما يخدم رؤية المخرج في الدفع بالتعبير الجسدي العالي؛ فضلاً عن أن ذلك يوفر عمقاً بصرياً يترك المساحة الخلفية للظلال.
إن «هير قرموشه» ليست مجرد حكاية عن الغوص والصراع، بل هي محاكمة أخلاقية للقيم الإنسانية حين تصطدم بالمادة. لقد نجح فريق العمل في تقديم عرض يتجاوز المحلية، رغم استناده إلى حكاية تراثية بلغة من صميم البيئة الإماراتية؛ فرسالة العمل هي أن «اللؤلؤ الحقيقي» ليس في قاع البحر، بل في نقاء الذات التي تنجو من فخاخ الطمع والانتقام وشرور النفوس.
علاء الدين محمود – الخليج



