الطموح المتزايد يقود إلى الهاوية في “سابع سما”
الفرقة الشبابية المصرية "أول ضوء" تختبر المسرح العصري

ملخص
استهل مسرح الشباب في مصر، مشروعه الجديد “أول ضوء” بالعرض المسرحي “سابع سما” الذي يقدمه المخرج محمد الحضري، على مسرح ملك، وسط القاهرة، تأليف عمر رضا، وهو عرض خلط مخرجه بين مناهج التمثيل، في محاولة لصناعة عرض يكسر النمط، ويعبر عن جيله، الذي يرفع راية التمرد.
يعد مسرح الشباب في مصر (البيت الفني للمسرح-وزارة الثقافة) حاضنة لشباب المسرحيين، أصحاب المواهب، إذ يهدف المسرح إلى تبني هؤلاء الشباب وصقل تجاربهم، وتقديمهم في عروض مسرحية يقومون على صناعة عناصرها كافة، لتعبر عن هذا الجيل الجديد من المسرحيين.
ولعل اللافت في مسرح الشباب أن أغلب من تولوا إدارته كانوا من المخرجين الموهوبين أصحاب التجارب المهمة في المسرح المصري، ومنهم خالد جلال، هشام عطوة، شادي سرور، عادل حسان، سامح بسيوني، وأحدثهم تامر كرم.
بدأ المخرج تامر كرم، مهمته في إدارة مسرح الشباب بتبني مشروع مهم، أطلق عليه “أول ضوء” والغرض من التسمية واضح، إذ يهدف إلى تقديم عدد من المخرجين الجدد، كل عام، لم يسبق لهم العمل بشكل احترافي من قبل، ليكون عملهم بمسرح الدولة هو الضوء الأول الذي يلقى عليهم كمخرجين محترفين، يعملون وفق ميزانية محدودة نسبيا (250 ألف جنيه) حوالى 4500 دولار.
مأساة آدم
تقدم إلى المشروع، في نسخته الأولى، 100 مخرج، وتم تشكيل لجنة ضمت كتاباً ونقاداً ومخرجين ومصممي ديكور، ناقشت المتقدمين، وقدمت لهم بعض المقترحات لتطوير مشروعاتهم، واختارت في النهاية 10 مخرجين فقط، وانطلق المشروع بعرض “سابع سما” الذي يقدم على مسرح ملك وسط القاهرة، تأليف عمر رضا، إخراج محمد الحضري، الذي سبق له تقديم تجارب لافتة في مسرح الهواة، والمسرح الجامعي.
عنوان النص الأصلي كان “مأساة آدم، لمحات من حياة رجل فعل كل شيء من أجل السلم” والمقصود بالسلم هنا المصعد، وربما جاء اختيار “سابع سما” كعنوان مجازي، أفضل من العنوان الأصلي الشارح، الذي لا يترك فرصة للتأويل وتعدد الدلالات، خصوصاً أن أجواء النص مجازية أصلاً وتميل إلى الفنتازيا، فضلاً عن أن النص ربما يكون أقرب إلى السيناريو منه إلى النص المسرحي التقليدي وما يتضمنه من مونولوغات وحوارات، وبناء أرسطي.
يقرر آدم (محمد سعيد) صاحب المأساة، ترك العمل لأنه لا يجد نفسه فيه، يشعر أنه غير مقدر ولم يحصل على الترقية التي يستحقها، لكنه في اللحظة نفسها يحظى بالترقية ليصعد درجة من درجات السلم، حتى يصل إلى أعلى الدرجات، ويصبح مديراً للعمل، فتنقلب حياته رأساً على عقب، يهمل زوجته (ياسمين قابيل) ويعنف العاملين تحت إدارته، ويفصل من يرتكب ولو خطأ صغيراً، غير عابئ بتوسلات العاملين المبعدين، ويقرب إليه من يشيدون بعبقريته وحسن إدارته للأمور، بل إنه يستجيب لإغواء سكرتيرته (أوليفيا إيميل) مما يؤدي في النهاية إلى هبوطه من جديد، وصعودها هي، بعد أن كان صعد إلى “سابع سما” وعندما يحاول العودة إلى زوجته يكون غيره (عبدالله محمد) قد حل محله.
تركيب البازل
لم يلتزم العرض هذا الترتيب الصارم للحكاية، فثمة مراوحات بين الهنا والهناك، بين الماضي والحاضر، بين البيت وبيئة العمل، كما لو كنا بصدد “بازل” نعيد تفكيكه وتركيبه لنصل إلى شكل ما، أو تصور ما، عما يجري أمامنا، بخاصة أن هناك مزجاً في أساليب التمثيل ما بين الكوميديا ديلارتي، والواقعي، والتعبيري، وغيرها، بحسب طبيعة المشهد، وهو ما منح العرض ثراء مضاعفاً، فأنت أمام مجموعة من المجربين الذين يختبرون أدواتهم، ليس بشكل عشوائي بالتأكيد، ولكن بشكل منظم ومحسوب بعناية.
ربما لا ترضي هذه الطريقة أنصار الالتزام بمنهج صارم، الذين يظنونها خلطاً في المفاهيم، يعبر عن ضعف في الأدوات أو غيامة في الرؤية، لكنها سمة غالبة على عروض الشباب عموماً، ومنهم دارسون كثيرون، سمة تشير إلى الرغبة في التمرد على الأشكال المألوفة، والسعي إلى التعبير عن ذواتهم بالطريقة التي تخصهم، ضاربين عرض الحائط بكل ما يمكنه وقف هذه الدفقات المغامرة.
يمكن النظر للعمل من زاوية اجتماعية، تتعلق بالطموح الزائد والأنانية، والرغبة في الصعود، حتى ولو على أجساد الآخرين، واعتبار ذلك، الهم الأكبر، بعيداً من أي اهتمامات إنسانية أخرى، مما يؤدي في النهاية إلى السقوط والندم.
ويمكن النظر إليه أيضاً من زاوية سياسية، تتعلق بأنظمة الحكم الاستبدادية، والصراعات التي تدور داخلها، وكيف أن المستبد عندما يصل إلى كرسي الحكم يعصف بغيره، حتى بأقرب الناس إليه، فضلاً عن أن مهمة هذه المؤسسة التي يقدمها العرض، هي بيع الضحك، وربما، الوهم للمواطنين.
انضباط واضح
تعامل المخرج مع النص بما يتوافق وطبيعته، بدءاً من الديكور (تصميم روماني جرجس)، الذي جاء عبارة عن مجموعة من المنصات المتحركة التي يمثل كل منها درجات السلم المراد صعودها، وتكفل الممثلون بتحريكها وتشكيلها بحسب طبيعة المشهد، مع وجود بعض المصاعد الخشبية المنفردة، التي جرى التشكيل بها هي الأخرى، وذلك كله في انضباط واضح، من دون أخطاء أو ارتباكات تفسد الصورة.
وبعيدا من المغزى، والبعد الفكري، فالعرض ممتع بصرياً، قدم صورة على قدر عال من الإبهار، سواء بتشكيل الديكور، أو بالإضاءة (تصميم أحمد طارق) التي شكلت معادلاً بصرياً يقرب الحالة أو المعنى، ويعكس التحولات الدراماتيكية لأبطال العرض، وكذلك الدراما الحركية (راحيل عماد) فضلاً عن الأزياء والماكياج (تصميم محمد شاكر)، التي لعبت دوراً واضحاً، سواء في الإيحاء بطبيعة الأنماط التي يتضمنها العرض، ومنها المهرج ولاعب السيرك ولاعب الكرة والمدير وغيرها، أو في صناعة صورة مبهجة فيها قدر من السخرية، خصوصاً أن الأقنعة (بسنت مصطفى) أكملت هذا الحس الساخر، فكنا أمام صورة أقرب إلى التكامل بين عناصر العرض، تشير إلى أن تعدد مناهج التمثيل كان مقصوداً وتم تنفيذه بوعي شديد.
قدم العرض مواهب تمثيلية لافتة، بخاصة أننا أمام أنماط لا شخصيات، منهم محمد السعدني، محمد حمدي، حسام إبراهيم، زياد كمال، دونا مجدي، عبدالشافي، يوسف طنطاوي، عبدالله محمد، فضلاً عن المخرج نفسه، الذي لعب دور رئيس القسم، ومجموعة المهرجين جابر أسامة، أحمد نعيم، جويس أسامة، معاز مجدي، محمد إيهاب.
لم يسلم العرض من مشاكل البدايات، ولعل أبرزها ذلك الإلحاح على توصيل معنى، أو كشف اللعبة المسرحية، أو الجمع بين الرمز والفعل الواقعي، في حين أن أحدهما يغني عن الآخر، مما أدى إلى قدر من الترهل، خصوصاً في مشاهد النهاية، التي طالت من دون داع.
“سابع سما” استهلال طيب لمشروع طموح “أول ضوء” يقدم مخرجاً موهوباً، وعناصر كثيرة موهوبة ومبشرة، ولا بأس، في مثل هذه التجارب المغامرة والمجربة والمتمردة، من بعض ارتعاشات، بخاصة أننا أمام رغبة في كسر النمط، وحفر مجرى يخص صناعه، فليرتعش الضوء قليلاً في بداياته، حتماً سيثبت بمرور الوقت.
يسري حسان – إندبندنت عربية



