
تواصلت مساء أمس الأول الاثنين بمنطقة الكهيف في الشارقة فعاليات وعروض «مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي»، وسط حضور جماهيري كبير تقدمه عبدالله العويس رئيس دائرة الثقافة في الشارقة، وأحمد بورحيمة مدير إدارة المسرح في الدائرة، حيث شهد الجميع تفاصيل وأحداث العرض الليبي المميز «الكنز»، لفرقة زوايا للمسرح والفنون، تأليف ميلاد منصور الحصادي، وإخراج محمد الصادق.
كانت المتعة هي العنوان العريض لهذا العرض المسكون بكل تفاصيل الجمال منذ الحكاية وحتى الرؤى الإخراجية والأداء التمثيلي، وهو الأمر الذي جعل جمهور المهرجان يتفاعل كثيراً مع هذا العمل الذي سيرسخ طويلاً في ذاكرة المتفرجين، لما حمل من أفكار تنفتح على العلاقات الإنسانية، خاصة في العصر الراهن الذي يسوده التفكك والتشظي، وكادت الفردية أن تطغى على الروح الجماعية، والأطماع أن تهدر القيم النبيلة مما جعل الإنسان في حالة من الاغتراب عن جوهره الإنساني والروحي، ولعل ذلك الجانب هو ما عمل على تعميقه العمل من خلال حكاية جرت في الصحراء العربية الليبية في زمن مضى من أجل إسقاطها على الحاضر، فهو دعوة صريحة للعيش في ظل القيم والأخلاق النبيلة، وسيادة الحب والخير والجمال بدلاً عن الصراعات والأطماع، فالعمل هو مقترح إبداعي جمالي يسعى لتوطيد دعائم المحبة والسلام في عالم يمور بالصراعات والاضطرابات.
قال الراوي
حكاية العرض عبارة عن قصة صحراوية، تحكي عن الصداقة، فمنذ اللحظة الافتتاحية يبرز الراوي ليعمق فكرة العمل وثيمته من خلال الحديث عن أهمية الصداقة بوصفها كنز لا يفنى وتبيان من هو الصديق الحقيقي مستدعياً أبياتاً شعرية شهيرة تنسب للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، تقول:
صديقي من يرد الشر عني
ويرمي بالعداوة من رماني،
ويصفو لي إذا ما غبت عنه
وأرجوه لنائبة الزمان.
وهي الأبيات التي تقال في حالة الصداقة القوية التي تصمد في امتحان تقلبات الزمان والقلوب ومتغيرات الحياة، ولعل الأبيات هي خير تمهيد لتفاصيل الحكاية التي جرت بين صديقين جمعتهما المحبة وروح الصداقة وفرقتهما الأطماع.
ينفتح العرض على حكاية بركة وصديقه مأمون، اللذين قطنا في مكان بعيد في الصحراء الممتدة بقرب عين تمدهم بالماء وأسباب الحياة لهما ولأبنائهما وزوجاتهما، لكن البئر تجف، فيفكرا في سبيل آخر للحياة، فكان أن سافرا من أجل البحث عن مكان أفضل وتركا أولادهما من خلفهما، وفي الطريق يجدان كنزاً، وهنا تتباين المواقف بين الرجلين وتكشف عن جوهر كل واحد منهما عندما أصر مأمون على أخذ الكنز بينما تعفف بركة الذي رأى أنه لا بد من صاحب لهذا الذهب وحتماً سيعود إليه، لكن مأمون أصر على حمل الكنز فاصطرعا فكان أن قتل مأمون بركة وحمل الذهب وأسس حياة جديدة قوامها الثراء والدعة، حيث عاد ليأخذ زوجته وأولاده وعرض على غزالة زوجة صديقه القتيل أن يصحبها معهم لكنها رفضت وتمسكت بالانتظار لعل بركة الغائب يعود.
وتستمر تفاصيل الحكاية ما بين عيش غزالة في ذلك المكان القفر الموحش القاسي، وبين الأمل الذي ما غاب عنها بعودة طال انتظارها، إلى أن قررت أن تشد الرحال إلى مكان آخر بعد أن ضاق العيش وشح المأكل والمشرب وكادت أن تقتلها الوحشة هي وصغيرها مهدي، فاستجارت بقوم في الصحراء أجاروها وأكرموها حيث استقبلها فارس قبيلة يدعى أنغار، لكن الغيرة تملكت قلب زوجة ذلك الرجل الشهم الكريم وخيرته بين رعاية المرأة وابنها وفراقها، فكان ذلك الأمر سبباً في طلاق تلك المرأة من أنغار، وتمر الأيام فيغشى مضارب تلك القبيلة مأمون مع رهط من قومه وقد بانت عليه مظاهر النعمة، لتتكشف الحقائق، حيث كان مأمون يرتدي قلادة ذهبية كان يمتلكها المقتول بركة، فتعرفت غزالة إلى القلادة وبان السر الدفين، ونفذ حكم الله تعالى على مأمون.
عتبة نصية
وربما يذهب ذهن المشاهد إلى أن المقصود بعنوان العمل هو ذلك الكنز الذي وجده أبطال الحكاية مدفوناً في قلب الصحراء، غير أن المعنى الخفي الذي يريد صناع العرض من المتلقي أن يكتشفه هو أن الصداقة هي الكنز الحقيقي الذي لا يفنى، حيث عمل مخرج العمل على تعميق تلك الفكرة عبر توظيف القصائد والأشعار والأغاني والحواريات التي تعلي من قيمة العلاقات الإنسانية والمحبة بين الناس، فالقصة تنتمي إلى روح البداوة والصحراء وما تحتضنه من كنوز النبل والقيم والأخلاق العربية التي هي بمثابة قانون يسري بين قاطني تلك الفلوات لا يخرج عنه إلا من كان شقي الحال كصاحبنا مأمون الذي فارق أخلاق قومه وعاداتهم وتقاليدهم فتجرد من المروءة والشجاعة حيث ضعفت نفسه وأقبلت على حياة الطمع.
مقاربات
عمل مخرج العمل على التصدي للحكاية وتفاصيلها الممتعة بجمل من الحلول الإخراجية التي انعكست بشكل مباشر على جماليات العرض الذي لقي قبولاً كبيراً، فلئن كانت النص هو في ذاته حالة مكتملة من الألق والجمال، فإن تمثل الحكاية من قبل المخرج كان في غاية الروعة، إذ استطاع أن يصنع تفاصيل وصوراً ومشهديات حية من خلال استغلال فضاء المكان حيث الصحراء الممتدة بشكل متميز من خلال تقسيم ذلك الفضاء بصورة تمنح حركة الممثلين الكثير من الحيوية والراحة وكذلك مشهد الجمال والخيول وهي تتجول بكل أريحية لتكسب العين متعة بصرية.
وتكمن براعة المخرج في الاستفادة من فضاء المكان ليمزج بين التقنيات والطبيعة بصورة مبتكرة، وبين اللغة الفصحى والبدوية الليبية، وكذلك توظيف الموسيقى والأزياء المميزة للصحراء الليبية، الذي أتاح فرصة جيدة لاشتغالات عناصر السينوغرافيا، وتجلت الروعة بشكل أكبر في ذلك الأداء التمثيلي المميز الذي اتسم بالخفة والحركة المنضبطة وفق إيقاع رفع من مستوى العمل مع براعة في النطق السليم ووضوح في مخارج الحروف، الأمر الذي خلق تواصلاً جيداً مع الجمهور، حيث كان تفاعل الممثلين مع الحكاية وتمثلهم لمعانيها من أسباب نجاح العرض.
مسامرات فكرية
شهدت فعاليات المهرجان الصحراوي في الكهيف أنشطة عديدة بحضور أحمد بورحيمة مدير إدارة المسرح مدير المهرجان، منها: جلسات المسامرة الفكرية التي تضمنت مداخلة بعنوان «المسرح الصحراوي وجماليات السير الشعبية العربية». بمشاركة الكاتب والمخرج عمر غباش (الإمارات)، ود. عادل اضريسي (المغرب)، وجاءت المداخلة الثانية بعنوان «المسرح الصحراوي والسير الشعبية.. رؤية ثقافية» قدمتها د. فوزية لبيض (المغرب)، وجاءت المداخلة الثالثة والأخيرة، بعنوان «المسرح الصحراوي.. نحو مشهدية بديلة» وقدمها المخرج حمادي المزي (تونس)، وفي ختام الجلسات كرم أحمد بورحيمة النقاد والمخرجين المسرحيين المشاركين في «الشارقة الصحراوي».
علاء الدين محمود – الخليج



