الكويتي عبدالعزيز السريع أسس المسرح الجديد بقضاياه السجالية
رائد التجربة المسرحية الخليجية الحديثة رحل عن 87 عاما

ملخص
كان الكاتب عبدالعزيز السريع (1939 – 2026)، أحد رواد المسرح الكويتي والخليجي، يرقد في المستشفى، في حال من الغيبوبة التامة (الكوما) عندما صدر قرار رسمي بسحب الجنسية منه، ولم تمضِ أيام حتى توفي، جاهلاً هذا القرار. ولعله نجا في موته هذا، من صدمة كانت لتكون قوية جداً، بفعلها ورد فعلها عليه.
عبدالعزيز السريع هو أحد الرواد الذين أسسوا المسرح الكويتي الجديد الذي تخطى الفن الشعبي الهادف إلى تحقيق مجرد نشاط، وجعلوا من الخشبة منبراً للوعي الاجتماعي والفكري والنقد. ومن هؤلاء الرواد الذين أسهموا في إحداث التغيير في المفاهيم المسرحية وقدموا أعمالاً تنتمي إلى الحداثة من غير أن تتخلى عن الإرث الفني، أسماء مهمة من أمثال: سعد الفرج، وصقر الرشود، وسعاد عبدالله، وحياة الفهد، وعبدالله الحبيل، وسليمان الياسين، وعايشة إبراهيم، ومحمد المنصور، وخالد النفيسي، وسواهم.
برزت تجربة عبدالعزيز السريع ورفاقه في مرحلة تحولية من تاريخ الكويت، بحيث تزامنت بداياتهم مع التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع الكويتي في النصف الثاني من القرن الـ20، لا سيما بعد اكتشاف النفط وتشكل الدولة الحديثة. هذه التحولات خلقت صراعاً ثقافياً بين القيم التقليدية والأنماط الحديثة للحياة، وهو ما انعكس بوضوح في مسرح السريع.
أصبح المسرح أداة تساعد على فهم التحولات الاجتماعية السريعة، ومنبراً لطرح الأسئلة المرتبطة بالهوية والذات والجماعة والحرية. ولكن السريع باشر في كتابة نصوص مسرحية تسعى إلى أداء دور “توعوي” وتنويري، ومعالجة قضايا الإنسان والمجتمع.
ثقافة مسرحية
لم يأتِ عبدالعزيز السريع من فراغ مسرحي، خصوصاً في النص أو الكتابة، فهو تأثر بالتجارب المسرحية العربية والعالمية، واطلع على المدارس الواقعية والرمزية والملحمية. وقد قرأ نصوص توفيق الحكيم والفرد فرج وموليير وشكسبير وبريخت، مستفيداً من حركة ترجمة المسرحيات العالمية التي كانت تصدر عن المجلس الوطني الكويتي، لكن التأثر هنا لم يكن تقليداً أو محاكاة، بل أعاد السريع صوغ المؤثرات كي تتناسب مع الثقافة الخليجية. ونجح السريع في الجمع بين الوعي الاجتماعي الواقعي، والالتزام والترميز والجماليات، واعتمد السخرية بوصفها أداة نقدية.
ولعل ثقافته وموهبته الفريدة والتكوين الذي تميز به ساعدته كلها في كتابة نصوص درامية ودراماتورجية، تجمع بين البساطة الظاهرة والعمق الفكري والمضمون الاجتماعي، وتطرح القضايا الإنسانية، عبر حوارات يومية تتبادلها شخصيات اليفة وحقيقية وكأنها من لحم ودم. وقد تميزت لغة عبدالعزيز السريع بالوضوح والتكثيف، واستخدم العربية الفصحى القريبة من اللهجة المحلية التي كانت تزداد حيناً وتقل حيناً آخر. وقد أسهم هذا الأسلوب، القائم على المفارقة والسخرية، في تقريب النص من الجمهور، من دون التضحية بالمضمون والأفكار.
كان على نصوصه المسرحية أن تتوقف عند التحولات القيمية التي أحدثها الإيقاع التحديثي السريع، ومنها تصادم الأجيال، وتفكك البنى التقليدية، وارتباك الفرد بين ماضٍ مألوف وحاضر متغير. وكشف السريع عن التناقض بين الخطاب الأخلاقي والسلوك الواقعي، مستخدماً السخرية والتهكم لفضح ازدواجية القيم، عطفاً على واقع المرأة والسلطة الذكورية والأبوية والاجتماعية التي تتحكم بمصير الفرد.
وفي مواجهة الواقع السياسي لجأ السريع إلى الترميز متجاوزاً المباشرة، جاعلاً من الحكايات والاستعارات وسيلة كي يمرر مواقفه النقدية. وهذا الترميز جعل نصوصه مفتوحة على التأويل، تسمح بتعدد القراءات، وتمنح المتلقي دوراً فاعلاً في إنتاج المعنى.
ونظراً إلى أصالة تجربة السريع وحداثتها وانغرازها في البيئة الكويتية والخليجية، فهي غدت مرجعاً أساساً للأجيال اللاحقة من المسرحيين في الكويت والخليج. فهو أسهم في ترسيخ تقاليد الكتابة المسرحية الجادة، وفي ربط المسرح بالأسئلة الفكرية الكبرى، ونقل المسرح الخليجي من المحلية إلى الأفق العربي الأوسع. ومن مسرحياته الشهيرة: “باي باي لندن” (تناول فيها صدمة المثقف العربي أمام الغرب، ونقد الاغتراب والانبهار الزائف بالآخر)، “الدروازة” (مسرحية اجتماعية رمزية تناقش التحولات في المجتمع الكويتي)، “حفلة على الخازوق” (نص سياسي رمزي جريء، يعالج القمع والسلطة بأسلوب ساخر مرير)، “المقامات” (نص يستلهم التراث العربي بصيغة معاصرة، تجمع بين الرمز والواقع)، “سكانه مرته” (نص ينتقد العلاقات الاجتماعية والسلطة الذكورية). كانت مسرحيات السريع تلقى رواجاً شعبياً وترحاباً نقدياً وإعلامياً، عندما تشارك في المهرجانات العربية. وكان هو بمثابة النجم الحاضر دوماً والمكرم في مثل هذه المهرجانات.”الدرجة الرابعة”
“الدرجة الرابعة” مسرحية نموذجية
لعل مسرحية “الدرجة الرابعة” التي شاء عبدالعزيز السريع أن يصدرها في كتاب عام 2003 بعد نحو 32 عاماً على تقديمها بين دمشق والقاهرة والكويت في صيغة إخراجية وقعها المخرج الكويتي الكبير صقر الرشود، تعد من أعماله البارزة وتمثل إحدى ذرى تجربته الدرامية. وعندما أصدرها في كتاب لم يدخل عليها أي تغيير، ما خلا تفسير بعض المفردات والعبارات العامية والمحلية التي لن يتمكن القارئ العربي من فهمها. تمثلت جرأة السريع في عدم نقله النص المكتوب باللهجة الكويتية إلى العربية الفصحى، حرصاً منه على روح النص المسرحي وعلى إيقاعه الحواري وأصالته الشعبية، كنص يهدف إلى الغوص في الحياة اليومية الحافلة بالهموم والقضايا الشائكة.
وينم اختياره أصلاً اللغة العامية كلغة تعبير عن رؤية حديثة إلى مفهوم النص والمسرح والجمهور وإلى العلاقة المتبادلة بين عناصر هذا “المثلث” الذي يمثل حقيقة التجربة المسرحية. شاء السريع أن يكتب نصه بالفصحى بهدف الالتصاق أكثر فأكثر بالواقع السلبي الذي سعى إلى “فضحه”، وهو واقع يعاني الناس أزماته الكثيرة والمتفاقمة. شاء السريع أن يكون قريباً من لغة الناس ومن تعبيرهم عن همومهم ومن “خطابهم” البسيط والواضح والبعيد كل البعد من ديباجة اللغة الفصحى وبلاغتها.
نص “الدرجة الرابعة” نص حقيقي وحي، يختزن الكثير من المعاناة والألم ويتوجه مباشرة إلى المشكلة لا ليقترح لها خاتمة ما، بل ليجعل المعنيين بها في حال من المواجهة معها، ملقياً ضوءاً على خلفيتها وعلى تجليها اجتماعياً وأخلاقياً.
عندما قدمت مسرحية “الدرجة الرابعة” بين دمشق والقاهرة والكويت خلال عامين 1971 و1972 اعتبرت “بداية لمسرح جاد” و”نقطة تحول في عمر المسرح الكويتي” و”مرحلة انعطاف نحو العمق”، كما عبرت الصحافة حينذاك، وقد نشرت مقتطفات منها مع النص. وبدا لقاء عبدالعزيز السريع كاتباً وصقر الرشود مخرجاً، إضافة إلى الحضور القوي لممثلين قديرين من أمثال سعاد عبدالله ومنصور المنصور وسليمان ياسين، وسواهم، أشبه بـ”الورشة” التي تهدف إلى تأسيس مسرح جديد يرتبط في آنٍ واحدٍ، بالذاكرة الجماعية والوجدان العام والمعاناة التي ينوء المجتمع الحديث تحت وطأتها. وبدت المسرحية حصيلة اختبار عميق يبدأ بالنص والإخراج والتمثيل وينتهي لدى الجمهور أو المتلقي عبر علاقة مضمرة قائمة بين الكاتب والمخرج والممثلين من جهة، وبين هؤلاء والجمهور من جهة أخرى.
الكاتب السباق
في تقديم المسرحية يشير خالد عبداللطيف رمضان إلى أن عبدالعزيز السريع كان له “فضل السبق في تأسيس المسرح الاجتماعي في بعده الإنساني ونضجه الفني”. ويعتبر أن المرحلة التي ظهر فيها السريع “تعد علامة فارقة في تاريخ المسرح الكويتي، ونخص هنا المسرح الاجتماعي الذي يشرح أهم القضايا التي يعانيها المجتمع من خلال شخصيات حية تعيش في وجدان المشاهد”. ويرى أن مسرحية “الدرجة الرابعة” هي “نموذج للمسرحية الاجتماعية في قالبها الجديد”.
“الدرجة الرابعة” مسرحية واقعية، ولكن مشرعة على الصراع الداخلي الذي يحياه الزوج والزوجة (وليد وثريا) وعلى الأزمة التي يعيشانها. وقد تفجرت هذه العلاقة الشائكة عبر حوار حقيقي، كأنه فعلاً حوار كل يوم، بين الزوج والزوجة. الواقعية هنا صفة ذات دلالات عدة، وليست محصورة ضمن رؤية معينة، سياسية أو أيديولوجية، اجتماعية أو تاريخية. إنها الواقعية التي تعني الواقع الحي أو الحياة القائمة في تناقضاتها، الحياة اليومية والحياة الخاصة، الحياة المشتركة والحياة الفردية…
هذا ما تفصح عنه مسرحية “الدرجة الرابعة”، وهي لا تحكي فقط قصة الثنائي، الزوج والزوجة، بل ترسم صورة قاتمة للعلاقة بينهما، والتي ستنتهي بصمت وبعيداً من أي نزعة ميلودرامية أو أي وعظ اجتماعي. إنها قصة وليد وثريا وقصة مجتمع يعيش أزمته بين ماضٍ وحاضر، وتنعكس هذه الأزمة على العلاقة الزوجية، الإنسانية والاجتماعية، والتي من المفترض أن تكون أحد الأواصر التي تصنع الوجود الإنساني. ثريا الزوجة الشابة الطامحة ببيت وحياة مرفهة وبالابتعاد عن عائلة زوجها (هو ابن عمها) والاستقلال عن المحيط القديم، تجرفها “أمواج” المجتمع البورجوازي الصغير والجديد نسبياً.
أما زوجها المحافظ والمتحرر في آنٍ واحدٍ، فيجد نفسه في صراع داخلي مرير، فهو الذي يصغي إلى وصية عمه ووالد زوجته بالسيطرة على الزوجة بصفتها امرأة (‘كل الحريم سوا’، يقول له) لم يستطع إلا أن يحقق الحلم الأول لزوجته، وهو البيت المستقل على رغم الضائقة المالية التي يحياها، لكن البيت المستقل سيجر عليه وعلى العائلة الكثير من الهموم، فالزوجة التي أصابتها عدوى البورجوازية الجديدة ستحاول تقليد صديقاتها البورجوازيات، في سلوكها وحياتها. وهذا ما لن يتحمله الزوج الذي يقع تحت طائلة الديون، والحال هذه ستنتهي إلى الأسوأ: بينما يظن الزوج (في اللوحة الأخيرة) أنه استطاع أن يقنع زوجته بالعودة إلى حياتها الزوجية البسيطة والهانئة، تجد الزوجة نفسها حائرة بين البقاء في البيت أو الالتحاق بصديقتها التي كلمتها هاتفياً لتوها. تختار الزوجة الخروج من البيت تاركة زوجها جالساً على الدرج حائراً ومضطرباً. فخروجها سيعني الطلاق حتماً.
لم يشأ الكاتب أن ينهي المسرحية نهاية تقليدية، بل جعل نهايتها “مفتوحة” على رغم سلبيتها، صامتة وصاخبة في الحين نفسه، صامتة عبر صمت الزوج وصاخبة بالأحاسيس التي تعتمل في روحه، بعدما قطعت الزوجة الخيط الأخير بينها وبينه! طبعاً ضمت المسرحية شخصيات أخرى، بعضها رئيس (سامي شقيق الزوجة، وأحمد صديق الزوج، وشيخة شقيقة الزوج…)، وبعضها ثانوي، ولكن ذو أهمية درامية (الصبي الخادم، وعبدالله، وزميل وليد في العمل، والأب أو العم…). وبدت كل هذه الشخصيات كأنها تصب في “صورة” هذا الثنائي (الزوج والزوجة)، أو كأنها ترسم الأفق الإنساني أو الاجتماعي لهذا الثنائي الذي سينفصل، والذي سيسقط عبر انفصاله رمز الحياة الزوجية أمام رياح التحول أو التغير التي عصفت بالمجتمع.
عبده وازن – إندبندنت عربية



