أخبار مسرحية

المسرح العربي.. جملة مفارقات

الكارثة أننا نعيش جملة مفارقات تحتاج إلى وسائل وطرق متمردة لنسفها أو تجاوزها، لأن الحديث عن الديمقراطية وحده يحتاج إلى وقفات وتأملات، إذ إن الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية حكواتية بالدرجة الأولى، ديمقراطية حكي، ظاهرة صوتية كما ذهب إلى ذلك المفكر السعودي الراحل عبدالله القصيمي، وليست ديمقراطية قائمة على تبادل الأدوار وتجديد الدماء في شرايين القنوات المجتمعية، ديمقراطية تدفع باتجاه دراما الأفق لا ميلودراما الصراخ والعويل، وإن كنت أحيانًا أبرر هذه الميلودراما ولا أسأم منها بحكم العسف التاريخي الطويل لحريات الإنسان المثقف والفنان في مجتمعاتنا العربية ومسخ صوته ونفسيته وكيانه، وتأسيس نماذج تحفظ الود لهذا العسف ولا تخنه، فمهما تغيرت الأزمان والأمكنة، فهي صالحة لكل زمان ومكان، وطالما هي كذلك ممتدة، فإن ميلودراما الصراخ ستستمر، ولكن إلى متى ستظل الاستجابة لهذه الميلودراما واردة ومبررة؟ 

هل فقدنا الوسيلة أو عدمناها حتى نكون بمنأى عما يسهم في تغييرنا وتغييره أو اللحاق به أو قول وجهة نظرنا فيه؟ وإلى متى ستظل الظاهرة الصوتية ملازمة لديمقراطيتنا المزعومة في الواقع والمسرح؟ أليس المسرح كما أسلفنا فعل حياة؟ أليس الصوت في المسرح إذا استثمر فنيًا يتحول إلى فعل؟ هل ننكر أننا لم نستثمر بعض رؤى وتقنيات التجارب المسرحية التجريبية خاصة، والتي هيأها لنا مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

وبالذات في دوراته الست الأولى؟ هل كنا فعلا على اطلاع وتعرف كاف بالتجارب الخلاقة في العالم قبل المهرجان التجريبي؟ ألم يهيء هذا المهرجان فرصة أخرى لبعض التجارب العربية المسرحية المميزة كي تشارك في مهرجانات عالمية أخرى تقام خارج دائرتها الضيقة؟

ألم تعرض في هذه المهرجانات عروضا مسرحية أمريكية مهمة تدين الجوانب المعتمة للعولمة وتناقش قضايا الفقر والهيمنة الأمريكية على خارطة الجنوب عامة؟ ألم يتلقَ بعض المسرحيين العرب دورات ورشية في مجال التقنية والتكنولوجيا بأمريكا؟ ألم تكن مسارح أوروبا حاضنة لتعددية خلاقة ولرؤى مستقلة منسجمة في إنسانيتها؟ أليست تجربة مسرحية عبور المحيط لبريخت وللمعدة والمخرجة الهولندية لوسيان فان أملسفورت أنموذجًا لما نذهب إليه ولما يخشاه بعض الأصوليين في مسرحنا العربي؟

هي مسرحية جمعت جنسيات متعددة لجأت إلى هولندا، من تركيا وإيران والعراق والمغرب والصومال وسورينام، طبعا إضافة إلى الهولنديين، وقدمت كل جنسية بلغة بلدها، مسرحية تناولت قضية مهمة وربما يصعب على هؤلاء الفنانين طرحها في مجتمعاتهم نظرا للتابوهات المفزعة فيها، قضيتهم هي الهجرة والأحلام المحبطة والبحث عن بلد آمن، بحث عن طريقة لهدم الحدود الجغرافية، أليست تلك القضية تعني كثرة من المهاجرين والمنفيين واللاجئين العرب وغير العرب؟ هل يمكن لشعوب كثيرة على هذه الأرض أن تعلم أو تتفاعل مع هكذا قضايا لولا ظاهرة المايكرو سوسيولوجي؟

أليست هذه الظاهرة مجدية والتي ترجمت لنا ماذا تعني دولة المواطنة في فسحها الديمقراطي الأوسع، وماذا يعني بالمقابل نقيضها في مجتمعاتنا حيث الاسم وبريقه يسبق المعنى والجدوى، ماذا يعني أن يكون المسرح في أوروبا مؤازرا بمؤسسات المجتمع المدني وبفعلها الاستنهاضي، وماذا يعني أن يكون المسرح بمعزل عن هذه المؤسسات وعن فعلها؟ البعض يخشى على المسرح في العالم العربي من أن يتحول إلى صورة مكررة ومجترة عن الصيغ الأمريكية والأوروبية وتعمم على العالم، ولكن إلى أي حد هذه الخشية صائبة في فحواها أو في نواياها؟ إذ أن الصيغة الأمريكية ليست واحدة وكذلك الأوروبية، كما أن مجال الرؤى المسرحية في أمريكا وأوروبا واسعا وغنيا بتنوعه، فكيف يكون المسرح هناك صيغة واحدة؟ وكيف نحجر على الم.

ثم هل يمكننا غض الطرف عن النصوص المترجمة وغير المترجمة والتي غذت وعينا ومكتبتنا المسرحية وتجربتنا المعملية في المسرح؟ ألم تسهم هذه النصوص التي نتلقاها لحظيا عبر المواقع الإلكترونية المتعددة وهي من فضائل العولمة طبعا، ألم تسهم في انفتاحنا على العالم وتجعلنا أكثر اقترابا من قضاياه؟

يوسف الحمدان – الأيام البحرينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!