المسرح بين النخبة والجمهور: تأملات في أرستقراطية الفرجة
قراءة في الطقس المسرحي وتحولات العلاقة بين الفن والطبقة من خلال تجربة مسرحية أوروبية

لم يكن المسرح يوماً، في تحولاته وطبيعة غاياته، مجرد فضاء للعرض، ولم يكن ترفاً جمالياً عابراً يصلح لتزجية الوقت، بل هو من أكثر التعبيرات الإنسانية تعقيداً وعمقاً. إذ يقف المسرح عند تقاطع الفن بالفكر، والجمال بالاحتجاج، والذات بالجماعة. إنه مرآة مزدوجة تعكس، من جهة، تطلعات النخبة إلى التأمل الفلسفي والسمو الجمالي، ومن جهة أخرى تجسد صرخات المهمشين وأسئلتهم الحارقة. ومن هذا التوتر تحديداً، ينبثق السؤال القديم المتجدد:
هل المسرح فن أرستقراطي بطبيعته، أم فضاء شعبي في جوهره؟ أم أن حقيقته تكمن في قدرته على التوفيق بين هذين البعدين المتناقضين ظاهرياً؟
المسرح كفضاء مرتب اجتماعياً
في ديسمبر/كانون الأول 2013، وجدت نفسي داخل مسرح لا فينيس في مدينة البندقية. لم تكن الزيارة مجرد وقوف أمام معلم ثقافي، بل كانت دخولاً إلى تجربة حسية تكشف كيف يمكن للمسرح أن يكون بنية اجتماعية، مع احتفاظه بطبيعته بوصفه تعبيراً فنياً منشغلاً بالجمال.
في تلك القاعة المذهبة، حيث تتدرج الشرفات كطبقات صامتة، بدا المكان وكأنه يعيد ترتيب الحضور قبل أن يبدأ العرض. لم يكن الفرق فقط في زاوية الرؤية، بل في موقع الجسد داخل الفضاء: من الذي توفرت له الإطلالة من أعلى، ومن هو الذي يرى من مسافة محسوبة، ومن سيكتفي بالمشاهدة من بعيد. حينها أدركت أن المسرح لا يقدم العرض فحسب، بل يعيد إنتاج العلاقات بين من يشاهدونه أيضاً.
استمعت إلى الشرح التاريخي عبر السماعات، فاكتشفت كيف كانت طبقة النبلاء تختار مواقعها داخل الشرفات بعناية، بحيث تعكس المكانة الاجتماعية والرمزية للعائلة. لم يكن “البالكون” مجرد مقعد، بل هو موقع للظهور الطبقي، مثلما هو موقع للمشاهدة.
ولا تكمن خصوصية هذا المسرح في مجده الفني فقط، بل في ذاكرته مع الحرائق وإعادة البناء بعد كل حريق. فمنذ تأسيسه عام 1792، تعرض لحريق مدمر عام 1836، أُعيد بناؤه سريعاً قبل أن يلتهمه حريق آخر عام 1996، ليبعث من جديد ويُعاد افتتاحه عام 2003. هذا التاريخ المتكرر من الدمار والبعث هو ما جعل اسمه “لا فينيس”، أي طائر العنقاء، ليس مجرد تسمية، بل هوية حقيقية تجسد قدرته على النهوض في كل مرة من الرماد.
في هذا السياق الترتيبي للمقاعد، لا يعود السؤال: ما هو العرض؟ بل: من سيحضر؟ ومن أي زاوية سوف يرى؟
من التجربة إلى التاريخ: الأرستقراطية كإطار
ما تكشفه تجربة البندقية ليس استثناءً، بل امتداد لمسار تاريخي طويل. فقد ارتبط المسرح في نشأته الأولى بطبيعة احتفالية دينية واجتماعية، كما في المسرح الإغريقي مثلاً، إذ كانت العروض جزءاً من طقوس جماعية تُعنى بأسئلة الوجود والمصير. غير أن هذا الطابع الجمعي لم يخلُ من بنية طبقية ضمنية أيضاً، إذ ظل الوصول إلى هذا الحدث الثقافي مرتبطاً بفضاء المدينة والدولة ونخبها الفاعلة.
ومع عصر النهضة، تعزز هذا البعد الأرستقراطي بشكل أوضح، فقصور النبلاء احتضنت المسرح، وتحول إلى وسيلة لعرض القوة الرمزية والثقافية للطبقات الحاكمة. لم يعد مجرد فن، بل أصبح علامة على الامتياز الاجتماعي.
وعلى الرغم من التحولات الكبرى التي شهدها العالم، لا يزال المسرح، خاصة في أوروبا، يحمل آثار هذه البنية الطبقية، أو التراتبية الاجتماعية. فالمسارح الكبرى تعمل ضمن منظومات إنتاجية واقتصادية تجعل الوصول إليها مشروطاً بقدرة مادية معينة. أسعار التذاكر، وتراتبية المقاعد، وطبيعة الجمهور، كلها تعيد إنتاج شكل من أشكال الأرستقراطية الثقافية، حتى لو ظهرت هذه البنية بصيغ ذات طابع حداثي.
لكنني لا أختزل المسرح المعاصر في هذا البعد وحده. ففي العقود الأخيرة، سعى إلى توسيع قاعدته الجماهيرية عبر مبادرات متعددة: دعم الشباب، وتشجيع العروض البديلة، وتفعيل المسرح المجتمعي، والانفتاح على التعدد الثقافي، إلى جانب المهرجانات المحلية التي لم ينقطع حضورها، ولم يهدأ زخمها الثقافي المتجدد. كما اتجه المسرح بشكل متزايد نحو قضايا الهامش، ساعياً إلى إعادة ربط الفن بأسئلته الاجتماعية الأكثر إلحاحاً.
أما في العالم العربي، فتأخذ المسألة بعداً مختلفاً، حيث يعتمد المسرح إلى حد كبير على دعم الدولة والمؤسسات الثقافية. هذا الشكل من “الأرستقراطية المؤسسية” يطرح إشكالية مزدوجة: فهو يضمن استمرارية الإنتاج من جهة، لكنه يفرض من جهة أخرى شروطاً ضمنية قد تضع حدوداً لحرية التعبير. وهنا يصبح المسرح معلقاً بين الحاجة إلى الدعم، والرغبة في الاستقلال.
بين الضرورة والترف: إعادة التفكير
ربما يكمن الإشكال في صياغة السؤال نفسه. فاعتبار الأرستقراطية نقيضاً للشعبية قد يكون تبسيطاً مخلاً بطبيعة المسرح. إذ يمكن النظر إلى “الأرستقراطية” لا بوصفها امتيازاً طبقياً فحسب، بل كحاجة إلى رعاية فكرية وجمالية تحافظ على جودة الفن واستمراريته. لكن هذه الرعاية تصبح إشكالية حين تنفصل عن الجمهور، وتتحول إلى دائرة مغلقة. في المقابل، لا يمكن للمسرح أن يكون شعبياً بالكامل إذا فقد أدواته الجمالية والفكرية. من هنا، يبدو المسرح ككائن يعيش على توازن هش: هو بحاجة إلى من يدعمه، لكنه لا يزدهر إلا بمن يخاطبهم. فعل ثقافي ينتج داخل فضاءات النخبة، لكنه يكتسب معناه الحقيقي عندما يصل إلى الجمهور الأوسع.
المسرح كطقس وتجربة
الإشكال لا يكمن فقط في البعد الطبقي للمسرح، بل يمتد أيضا إلى ما يمكن تسميته بـ أرستقراطية الطقس المسرحي، أي تلك المنظومة الدقيقة من القواعد والتنظيمات التي تحيط بتجربة المشاهدة وتمنحها هيبتها الخاصة، وهذا ما أجده في غاية الأهمية وأنا ممن ينادي به ويدعو إليه. فالمسرح لا يبدأ عند رفع الستار، بل منذ لحظة دخول الجمهور أو المتفرجين، أي عند أول تماس بين الجسد والفضاء: من طريقة اقتناء التذاكر، إلى دقة تحديد المقاعد، إلى استقبال المتفرجين، وصولا إلى ذلك الإحساس التدريجي بالانتقال من العالم الخارجي إلى فضاء العرض. هذه التفاصيل ليست شكلية، لست مجرد عناصر لوجستية، بل جزء من البنية الجمالية للعمل نفسه لأنها تسهم في تهيئة المتلقي نفسياً وجمالياً للدخول في تجربة مسرحية متكاملة. لكن هذه الطقوس، وللأسف، تكاد تغيب في كثير من تجاربنا المسرحية العربية، حيث تتحول عملية الدخول إلى القاعة أحياناً إلى فوضى، ويترك اختيار المكان للصدفة أو العلاقات الشخصية، في مشهد يفقد العرض جزءاً مهما من هيبته. هذا الخلل لا يعكس فقط ضعف التنظيم، بل يكشف عن غياب وعي بدور الطقس المسرحي كجزء لا يتجزأ من العمل الفني نفسه. فالمسرح ليس فقط ما يعرض على الخشبة، بل أيضا كيف نصل إليه، وكيف نجلس أمامه، وكيف نتهيأ لتلقيه. لذلك، قد لا يكون السؤال:
هل المسرح أرستقراطي أم شعبي؟ بل: كيف يمكن له أن يظل وفيا لهذا التوتر الخلاق بين الاثنين، بين من يجلس في الشرفة ومن ينظر إليها؟ ويبقى المسرح في جوهره، منصة الأرستقراطي … وصوت الفقير.
حسن خيون – الهيئة العربية للمسرح



