أخبار مسرحية

المسرح ورهانات البناء المؤسساتي: الواقع والإكراهات

سأنطلق للحديث في هذا الموضوع المهم والحيوي، (المسرح ورهانات البناء المؤسساتي: الواقع والإكراهات) من حصيلة تجربة شخصية في إطار جمعية “دوز تمسرح” بمراكش كمدير فني، منذ تأسيسها في 2015 وإلى غاية الموسم الحالي 2025، أي ما يناهز العشر سنوات من التجربة في التعامل مع المؤسسة المسرحية أو منظومة بنيات المسرح… ومن تجارب أخرى أيضا، بمعية جمعيات وفرق مسرحية عديدة… وخلاصات هذه الورقة المدرجة في النهاية تمثل جزءً من هذه الحصيلة.

وسيكون الخيط الناظم لما سيأتي في الورقة، هوالسؤال التالي:

– هل استطعنا بالفعل، الانتقال من المبادرات الفردية والجهود الموسمية إلى تأسيس هياكل قادرة على الاستمرار، الإنتاج والتأثير…؟

وقبل ذلك سأعتمد كتمهيد سردا تاريخيا مقتضبا، يتطرق لبعض أدوار المؤسسات الحكومية التي عنيت في المغرب، بالنشاط الثقافي عامة والمسرحي على وجه الخصوص، بدءً من (أقسام الأنشطة الثقافية) التي أنشأتها إدارة الحماية الفرنسية وإلى غاية تبلور وزارة للشؤون الثقافية لأول مرة في المغرب عام 1975.

الملاحظ أن المسرح في المغرب لم يعمل أبدا في استمرارية مبرمجة في إطار سياسة مسرحية أو سياسة ثقافية عامة. لذا ظلت حركتنا المسرحية تراوح مكانها وتعيش انتعاشا عابرا حينا وإخفاقات متتالية أحيانا – وإذا ما عدنا إلى بدايات المسرح المغربي سنجد – ولأنه كان شكلا من أشكال المقاومة الوطنية – أنه لم يستفد من بنيات أو مؤسسات خاصة. وطبعا لم يمارس كمهنة. وإذا ما أردنا أن نلقي نظرة سريعة على مسار المسرح في علاقته بالمؤسسة، سنجد: بأن الأنشطة الثقافية أو بالأحرى السياسة الثقافية، كانت تهتم بها (أقسام الأنشطة الثقافية) التي أنشأتها إدارة الحماية داخل مصالح الشبيبة والرياضة.. (السينما الموسيقى الرسم والمسرح) وكانت تعتمد الدور الترفيهي.. فيما بعد سيتم انشاء ما سمي وقتها بـ: مكتب الأنشطة الثقافية والتربية الشعبية.. حيث سيجمع كاتب الدولة احمد بن سودة مصالح الشبيبة والرياضة التي أصبحت كتابة للدولة، مختلف تشعبات الأنشطة الثقافية تحت اسم (مكتب الأنشطة الثقافية والتربية الشعبية) الذي كان مسؤولا عنه جون لو فوكل jean le veugle، (من 1955 إلى 1962)، ثم في فترة لاحقة، ستعود كتابة الدولة مجرد مصلحة داخل وزارة الشبيبة والرياضة، وسيطلق على (مكتب الأنشطة الثقافية والتربية الشعبية) اسم: (مكتب التربية الشعبية).

بعد لو فوكل / le veugle سيتولى إدارة (مكتب التربية الشعبية) الطاهر واعزيز. وسيتوفر هذا المكتب على خمسة أقسام أساسية، منها – وهو ما يهمنا في هذا المضمار: قسم التعليم الفني: مسرح الهواة، الرسم، الموسيقى والفولكلور، وبيداغوجية السينما / قسم المؤسسات الوطنية: مركز الفن المسرحي، فرقة المسرح الشعبي بالرباط / وقسم المؤسسات الثقافية: جمعيات الثقافة الشعبية، مراكز ثقافية.

كان (مكتب التربية الشعبية) يشرف على كل الأنشطة الثقافية وقد أنشأ مركزا للفن المسرحي دشن في منتصف يناير 1959 من طرف عبد الكريم بن جلون، وزير التربية الوطنية والشبيبة والرياضة. وكان (مكتب التربية الشعبية) يعنى بفرقة المسرح المغربي أو فرقة المعمورة، وبسبب اهتمام (هذا المكتب) بها حملت لفترة معينة اسم (الفرقة الوطنية للتربية الشعبية). (ومن أجل المقارنة فقط مع عدد العروض التي تقدمها الفرق المسرحية المغربية اليوم (نجد بأن هذه الفرقة قدمت عام 1959، أربع عروض مسرحية (مريض خاطرو) عن موليير (عمايل جحا) عن موليير (حادة) لأحمد طيب لعلج، وعرض للدمى. فكان عدد العروض 108 عرض مسرحي قدمت أمام 60.245 متفرج.

كان بفرقة المعمورة موظفون وفنانون عاملون بعقود، فتم حل هذه الفرقة في 1974، من طرف مسؤولي الوزارة، وألحق الفنانون بالمسرح الوطني محمد الخامس في أفق تكوين فرقة وطنية، ولم يطبق هذا الأمر بتاتا.

مع حكومة عبد الله إبراهيم سينشئ (مركز الفن المسرحي) في الرباط  الذي ضم: – مدرسة للمسرح – قسم الدراسات والبحث في الريبرتوار – فرقة محترفة يشرف عليها الطيب لعلج وفريد بن مبارك – وقسم لتنظيم الجولات المسرحية.

وفي عام 1975، وبعد أن جرت مياه عديدة من التردد والتفكير وتجريب العديد من التصورات والأفكار، سيسجل تاريخ المغرب الحديث إنشاء وزارة خاصة بالشؤون الثقافية فقط.. وسيتولى مهامها الوزير محمد با حنيني.

فقبله كان الوزير محمد المكي الناصري (1972/1974) وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة. ومن قبلهما وبالتحديد في التعديل الوزاري لـ 8 ماي 1968، سيصبح السيد محمد الفاسي وزيرَ دولة مكلفا بالشؤون الثقافية والتعليم الأصيل.

مع السيد محمد الفاسي وزيرَ دولة مكلف بالشؤون الثقافية والتعليم الأصيل (1968/1971)، سيتم تنظيم (الوزارة) من خلال هياكل إدارية تتمثل في عدة مصالح (سبعة مصالح)، والمصلحة التي تهمنا في هذا السياق.

مصلحة المسرح والموسيقى والفولكلور، التي تلخصت مهامها في:

الاهتمام بفن المسرح وتشجيع ممارسيه من مؤلفين ومخرجين وممثلين / الإشراف على تسيير المعهد الوطني لفن المسرح (كان مجرد مشروع) / تسيير مسرح محمد الخامس ومتابعة نشاط المسارح البلدية / والمحافظة على التراث الموسيقي الكلاسيكي والشعبي…الخ

السهر على التعليم الموسيقي وتسيير المعاهد التابعة للوزارة – والمحافظة على أصالة الفنون الشعبية وتنظيم المهرجانات الفولكلورية.

في هذه الفترة (1968/1971)، مع الوزير محمد الفاسي سيتم تهيء القوانين التشريعية لتكوين (الفرقة الوطنية للمسرح) – وفيها أيضا ستنكب الوزارة على دراسة إنشاء (المعهد الوطني لفن المسرح) – 1968 و1971 – بغية تكوين الكفاءات والأطر الفنية في قطاع المسرح، والاهتمام بالدراسة والأبحاث المتصلة بالمجال المسرحي.

وسيتم التفكير في إنشاء فرق إقليمية أو جهوية، ولم ينفذ أي مشروع من المشاريع التي اقترحها الوزير.

وزارة خاصة بالشؤون الثقافية

سترى النور بالضبط في شهر أبريل عام 1974، وسيتولاها امحمد با حنيني، في هذه الفترة كان مشروع المرسوم المتعلق باختصاصات الوزارة يحدد مهمتين فقط هما: المحافظة على التراث الثقافي الوطني، وضمان سير المؤسسات التابعة لها. وما هي المؤسسات التابعة لها؟ – المعاهد الجهوية ومدرسة الفنون التشكيلية في تطوان.

وكان المرسوم ينص آنذاك على فتح مراكز ومركبات ثقافية غير أن الوزارة لم تعمل على ذلك…

كما أن الوزارة ستهتم بمشروع الوزير محمد الفاسي في إنشاء مدرسة عليا للفن المسرحي ومعها أيضا مدرسة للتراث، لم يتمكن با حنيني من تحقيق هذين المشروعين طيلة فترة ولايته.

في فترة الوزير سعيد بلبشير بوزارة الشؤون الثقافية (1981 – 1985) سيتحول قسما الوزارة إلى مديريتين: مديرية العمل الثقافي والتعليم الفني ومديرية المتاحف والمواقع والحفريات والآثار التاريخية.

وسيعقد اجتماع للمجلس الإداري للمسرح الوطني محمد الخامس لأول مرة في تاريخ هذا المسرح. وسينظم مهرجان كبير للمسرح العربي عام 1984، وستطبق سياسة شراء عروض مسرحية محدودة جدا في بعض المناسبات الرسمية أوالفنية.

وسيتم أيضا العمل على تنفيذ مشروع محمد الفاسي، الذي اقترح على الحكومة إنشاء مدرسة عليا للمسرح والتنشيط الثقافي، ومدرسة عليا أخرى للآثار والتراث. سيوقع الوزير سعيد بلبشير القانونين المؤسسين للمعهدين، لكنهما لن يخرجا إلى حيز التنفيذ إلا مع الوزير اللاحق السيد محمد بنعيسيى.

سيعمل إذن الوزير محمد بنعيسى (1985 – 1992) على فتح (معهد المسرح ومعهد التراث) اللذين وقع على قانونيهما المؤسسين سعيد بلبشير.

وهكذا تعاون أربع وزراء على إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، منذ 1968 وإلى غاية 1985، (محمد الفاسي – محمد با حنيني – سعيد بلبشير – محمد بن عيسى)..

كيف تجاوز بنعيسى الجمود والتماطل وكل ما من شانه تأخير فتح المعهد؟ فتح بنعيسى (المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي) بإعطاء تعليمات لمصلحة المسرح بالوزارة، تتمثل في وجوب انطلاق الدروس في المعهد شهر أكتوبر 1986، كان المسؤول عن مصلحة المسرح في الوزارة آنداك هو المسرحي المغربي محمد مسكين – فنُشر في الصحافة الوطنية إعلان عن مباراة ولوج معهدٍ للتكوين المسرحي والتنشيط الثقافي، رغم أته لم يكن له أي وجود مادي. وفي سبتمبر 1986 تم اختيار الطلبة، ولن يتم تعيين مدير المعهد إلا في نونبر 1986 وهو د. أحمد البدري الذي اشتغل في وزارة الشؤون الثقافية وفي مسرح محمد الخامس وبوزارة الشبيبة والرياضة..

 ثم سيتم توفير مقر مؤقت آنداك بالطابق الرابع في بناية مسرح محمد الخامس وفيما بعد سيتم إحداث أقسام بفضاء لوداية الأثري بالرباط… ثم بدأ البحث عن الأساتذة والطاقم الإداري …الخ، هكذا، إذن، خرج المعهد إلى الوجود بالتقسيط…

لم يمتلك المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بناية في ملكه خاصة به إلا عام 2024، وعدم توفر فضاء خاص بالمعهد وتخصيص ميزانية ضعيفة جدا منذ ذلك الزمن، يجعل استمراره نضالا مسرحيا حقيقيا، وقد استطاع، رغم ذلك، أن يضخ دماء جديدة في المشهد المسرحي المغربي من ممثلين ومخرجين وسينوغرافيين وكتاب..الخ، وظف أفراد دفعاته الأولى في وزارة الثقافة (حيث تم توظيف الدفعات السبعة الأولى)، تم بدأ التوظيف يأخذ شكل مباراة يوظف عبرها أربع أو ثلاث أو اثنين كل سنة أو سنتين.. والباقون يبحثون عن أفق للاشتغال الفني والمسرحي.. ومن المنافذ التي يطل منها هؤلاء الخريجون على جمهور المسرح في المغرب، منفذ الدعم المسرحي الذي أحدثته وزارة الثقافة في 1998 إبان بداية فترة حكومة التناوب، في عهد الوزير محمد الأشعري، لن أدخل في سرد مسار الدعم المسرحي هنا، فحيز الورقة لا يسمح بذلك. فقط سأشير إلى أن تطبيق دفتر تحملات الدعم تعتريه العديد من الأعطاب، منها:

  • تأخر فتح باب الترشح للاستفادة من دعم الإنتاج والجولات (لماذا لا يتم الإعلان بمناسبة اختتام المهرجان الوطني للمسرح على فتح باب الترشح للاستفادة من دعم الإنتاج ونمنح الفرق أربع او خمس شهور لتجهيز عروضها).

  • تأخر فتح باب الترشح يسبب تأخر الإعلان عن نتائج الدعم المسرحي

  • مثلا تم الإعلان عن نتائج الدعم في 8 غشت 2024، في حين أن آخر أجل لتقديم العرض أمام لجنة الدعم 12 نونبر 2024. هل يكفي هذا الزمن الضئيل إبداعيا لإنجاز العروض وتقديمها.

  • مما يدفع بعض الفرق إلى إنجاز عروضها في وقت قياسي (قد يصل أحيانا إلى 10 أيام بل إلى أسبوع فقط)

  • في جانب آخر، نلاحظ أن بعض الفرق بناء على ذلك كأنها تمارس الدعم ولا تمارس المسرح، أي أن الدعم الذي هو وسيلة للإنجاز المسرحي يصير هو غاية في ذاته والمسرح وسيلة لحيازته.

  • الدعم المسرحي لا يقدم للمسرحيين تحديدا، الدعم المسرحي تقدمه الدولة (كما هو في العالم أجمع) للمواطنين، والمسرحيون والفنانون هم “الوسيط الفني والثقافي” الذي يقدم هذه الفرجة أو المادة الفنية الثقافية المدعومة من طرف الوزارة للمواطنين.

  • على الجمهور أن يدفع واجب التذاكر، فالدعم لا يعني المجانية بقدرما يعني تخفيض ثمن التذكرة، وفي دفتر التحملات فيما يخص مجال دعم توطين الفرق في المركبات الثقافية، مطلوب من الفرق توفير مدخول من التذاكر بما يعادل على الأقل 10 في المائة من مبلغ الدعم المقدم للفرقة، لكن جل الفرق المسرحية لا توفر هذه النسبة.

  • عدم احترام فترات الدفوعات المالية للفرق الممنوحة المنصوص عليها في دفتر التحملات، أي: (بعد 15 يوم دفعة أولى – شهر بعد تقديم العرض الأول تقدم الدفعة الثانية… وهكذا. هذا الأمر لا يحترم بتاتا..

  • وتبقى الأسئلة المعلقة بخصوص برنامج الدعم المسرحي:

هل الهدف تنشيط القطاع المسرحي في جانبه الاحترافي؟ هل الهدف دعم وتشجيع فرق مسرحية لتصير فيما بعد مستقلة وتستمر في الإنتاج والترويج لمشاريعها الفنية والمسرحية؟ أم هو مجرد تقديم مساعدات تكتسي طابعا اجتماعيا؟ ما المعايير الحقيقية التي يجب أن تتوفر في الفرق المسرحية وفي أعمالها المسرحية؟ كيف يتم اختيار أعضاء لجان الدعم المسرحي وما المعايير التي تتحكم في هذا الاختيار؟ هل للوزارة الوصية الإمكانيات التقنية والبشرية للإحصاء والمراقبة والتطوير؟

من المؤسسات المؤطرة للفعل المسرحي في المغرب: المسرح الوطني محمد الخامس

دشن في 14 مارس 1962 من طرف جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، نحن أمام أول بناية مسرحية بعد استقال المغرب. كان وراء تشييد بناية المسرح الوطني محمد الخامس: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكان الهدف بناء قاعة سينمائية، وتتوفر أيضا على خشبة مسرح، ولكن بعدما شيدت البناية تبين للمسؤولين بأن مدينة الرباط في حاجة إلى مسرح، فقرروا تحويلها إلى مسرح، ولكن التعديلات لم تكن موفقة، لهذا القاعة كبيرة (2000 مقعد) والمشاهدة صعبة من البلكونات العالية لأنها مخصصة للسينما، وصفوف الكراسي في مقدمة الصالة بعيدة عن الخشبة..

لم يتم وضع نص قانوني يحدد وضعية هذا المسرح، في 1964 تم تعيين المدير عزيز السغروشني الذي خلف الإداري الفرنسي Célerier، وتم تعيين الطيب الصديقي مديرا فنيا. لكن بعد تعيين الصديقي مديرا للمسرح البلدي بالبيضاء، سيترك منصب المدير الفني بمسرح محمد الخامس، ولم يعوض بمدير فني آخر.. وألغي هذا المنصب. النص القانوني الذي سيحدد الوضع المسرحي لمسرح محمد الخامس لن يظهر إلا بعد 11 عاما من تدشينه. وهو الظهير الصادر في 1973، والذي جعل من المسرح مؤسسة عمومية، وحدد أهدافها في:

  • تشجيع البحث والإبداع المسرحيين

  • المساهمة في التكوين الفني

  • المشاركة في التظاهرات المسرحية في الخارج

  • إنشاء مركز للتوثيق المسرحي

  • تنسيق برامج العروض بتعاون مع المسارح البلدية، والجمعيات والمؤسسات الوطنية والدولية

اليوم أي دور لمسرح محمد الخامس في الحياة المسرحية في المغرب؟ ما التصورات والرؤى التي تحكم برنامجه وأنشطته المسرحية والفنية عامة؟ هل من إنتاج وتشجيع للاشتغال على الريبرتوار المسرحي المغربي؟ هل من إنتاج لأعمال فنية تجريبية؟ أي مساهمة يقدمها مسرح محمد الخامس في التكوين الفني؟ أي تشجيع للبحث والإبداع المسرحي؟ أي مركز للتوثيق أنشأه المسرح؟

من أهم ما طالب ويطالب به المسرحيون المغاربة للنهوض بالقطاع المسرحي، في مناسبات ومحطات عديدة منها المناظرات الوطنية والندوات والتظاهرات، وفي ديباجات التوصيات والبلاغات:

تنظيم العلاقة بين مسرح محمد الخامس كمؤسسة وطنية والساحة المسرحية.. فأي علاقة لمسرح محمد الخامس والساحة المسرحية غير شراء بعض العروض بين الحين والحين؟

ومن مطالب الحركة المسرحية في المغرب بخصوص البناء المؤسساتي:

إنشاء فرقة وطنية للمسرح – تأسيس فرق جهوية – تنزيل مقتضيات القانون المنظم للمهن المسرحية (قانون الفنان والمهن الفنية)، تطوير المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي وتأسيس معاهد عليا أخرى في جنوب وشمال المملكة أو على الأقل كمرحلة أولية، بعد ما يناهز 40 سنة من انطلاقه، تأسيس معاهد جهوية تابعة له.

خلاصات:

رغم أن المشهد المسرحي المغربي عرف بداية التسعينات من القرن العشرين تحولات، بعثت إشارات أمل لتطور يلوح في الأفق. فالملاحظ أن المسرح لم يعمل أبدا في استمرارية مبرمجة بدقة في إطار سياسة مسرحية أو سياسة ثقافية عامة. لذا ظلت حركتنا المسرحية تراوح مكانها وتعيش انتعاشا عابرا حينا وإخفاقات متتالية أحيانا – مما يجعلنا نتساءل مع د. عز الدين بونيت في كتابه (المسرح والدولة) عن مشروع مجتمعي واضح ومتكامل يجد فيه المسرح موقعه كأداة لبناء صورة الذات في الوعي، وكوسيلة للتعبير عن الهواجس والتطلعات الحقيقية للمجتمع المغربي؟

فعدم الحفاظ على المكتسبات وعدم الاستمرارية في تطوير المنجزات، وتناسل التراجعات والإخفاقات، يجعل أي منجز عرضة للتلاشي والتبخر وبالتالي العودة إلى مربعات البدايات أو التحرك بإيقاع السلحفاة.

مؤسسة الدعم المسرحي:

التطور البطيء جدا لهياكل وتنظيم الوزارة الوصية على قطاع المسرح ومحدودية إرهاصات سياساتها المسرحية يحول دون تفعيل الإجراءات الإدارية اللازمة لتطوير منظومة الدعم المسرحي وبالتالي القطاع المسرحي.

تحتاج سياسة الدعم المسرحي في المغرب، إلى مراجعة كبيرة، وربما من أهمها الدخول في منطق إنتاج مشاريع مسرحية والدخول في شراكة مع الفرق والمؤسسات الخاصة بدل برنامج الدعم بصيغته الحالية.

مؤسسة الفرق المسرحية:

ولا فرقة مسرحية تتوفر على مقر، ولا فضاء مسرحي يتوفر على فرقة تابعة له. كل الفرق جمعيات مؤسسة بمقتضى ظهير 1958 المنظم للحريات العامة، لا تهدف إلى الكسب المادي؟؟

ولا وجود مادي لها، وجودها قانوني على ورقة تسمى (وصل إيداع). وقوانينها الأساسية تتشابه جميعها تقريبا، وليست هناك أي وسيلة قانونية أو إدارية ناجعة يمكن من خلالها تحديد هل هذه الفرقة محترفة أم لا.. الممارسة وحدها تجعل العارفين بالمجال تحديد الإطار الاحترافي أم لا لجمعية أو لأخرى. الوضع ملتبس.

مؤسسة القاعات المسرحية:

باستثناء مسرح محمد الخامس وبعض المسارح المعدودة، أغلب المراكز الثقافية لا تتوفر على تجهيزات تقنية، وطبعا لا تتوفر على برامج شهرية.. العروض تقدم بشكل اعتباطي حيث يتم الاتصال بالمسؤول عن القاعة ويتم الاتفاق على تاريخ معين هكذا لتقديم العرض (عرض مهرب) كما يسميه د. عبد الواحد عوزري، عرض مسرحي يقدم وكفى هكذا دون أي برمجة مفكر فيها من طرف المؤسسة المبرمجة.. جل القاعات لا تتوفر على مبرمج للأنشطة الثقافية وللعروض الفنية، كما لا تتوفر القاعة على استراتيجية لجلب الجمهور وتعبئته أو ضمان حضوره بشكل منتظم

مؤسسة النقد المسرحي:

في العقد الأخير وربما قبله بكثير أو قليل هناك غياب صارخ للنقد المسرحي، حيث نجد مقالات أكاديمية وأخرى فنية وصحفية معدودة على رؤوس الأصابع

والأمر طبيعي ربما، لأن المسرح المغربي لا يعتمد على الجمهور وبالتالي الرأي النقدي يمكن الاستغناء عنه، والمبدع يبدو مكتفيا بذاته ويدافع عن مشروعه ولديه مضادات حيوية ضد أي نقد أو تساؤل حول أعماله.

هناك غياب لمجلات مسرحية متخصصة / مجلات معدودة على رؤوس الأصابع والأمر طبيعي مرة أخرى، على ما يبدو فالمبدع مكتف بصفحات التواصل الاجتماعي وما يكال فيها من مدح ولايكات وقبل حمراء، وبعض النقاد صاروا يشعرون بالحرج – كما صرح لي بعض الأصدقاء منهم – في إبداء آرائهم، مع هذا الزخم من كيل المديح واللايكات وقلوب الإعجاب والمحاباة.

مؤسسة الجمهور:

لا حضور لمعيار الجمهور في أي من مراحل العمل الإبداعي المسرحي، في ظل غياب برمجة قارة ومواعيد ثابتة، الجمهور ليس مؤشرا على نجاح العرض أو عدم نجاحه، حضر بكثرة أو بقلة أو لم يحضر حتى.. فالمسرحية تأخذ الدعم والجهة الرسمية لا تطلب إلا إشهادا بتقديم العرض وليس إشهادا بحضور الجمهور.. لا وجود لأبحاث ميدانية حول الجمهور المغربي، لا وجود لاستمارات نعرف من خلالها ميولات هذا الجمهور ولا آرائه ولا حساسياته.

لا يؤخذ عدد العروض المقدمة أمام الجمهور بعين الاعتبار فيما يخص العروض التي ستشارك في المهرجانات أو المسابقات، وعلى رأسها المهرجان الوطني للمسرح.

في الختام أوجه التحية للمسرحيين والباحثين والنقاد المغاربة ولكل عاشقي هذا الفن الذي رغم أنه فن عابر ما ينفك ينصب تذكارا لهذا العبور ويترك أثره في أعماق النفس ويمنحنا من المتعة والمعرفة ما يجعلنا نستمر ونواصل.

_______________________

(*) ألقيت هذه الورقة في 18 نونبر 2026، كمداخلة في ندوة “المسرح ورهانات البناء المؤسساتي: الواقع والإكراهات”، ضمن فعاليات الدورة 25 للمهرجان الوطني للمسرح بتطوان.

(**) اعتمدت كمرجع لبعض المسرودات التاريخية، كتابين أساسيين: “المسرح والدولة” تأليف د. عز الدين بونيت / “المسرح المغربي.. بنيات وتجليات” تأليف د. عبد الواحد عوزري.

بقلم: عبد الجبار خمران 

مخرج مسرحي ومدير فني لفرقة “دوز تمسرح” بمراكش

 

 

 

 

 

بيان اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!