المسـرح الصحراوي.. «أبو الفـنون» يحلّـق خارج الصـندوق
البادية منبت الفروسية والشهامة والنبل

في الشارقة، إمارة الثقافة والفنون والمسرح، أنت تقف أمام ظاهرة استثنائية في الإبداع، ظاهرة سجلت بصمة فارقة في التأسيس لشيء مختلف، وأنت بكل تأكيد أمام مدينة تؤمن بالفارق النوعي في كل أشكال الثقافة والإبداع، التي يرعاها ويدعمها بكل قوة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
في المسرح على وجه الخصوص، كان العام 2015، عاماً استثنائياً لكل الفنانين العرب، حين انطلقت وبتوجيهات صاحب السمو حاكم الشارقة فكرة جديدة لم تخطر في بال أحد، وهي انطلاق الدورة الأولى من مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، من تنظيم إدارة المسرح في دائرة الثقافة بالشارقة، كانت الفكرة مفاجئة بكل ما للكلمة من معنى، فالمسرح من وجهة نظر المثقفين العرب، أو لنقل من خلال المنظور الثقافي النخبوي، هو مسرح مديني، نشأ من خلال التجمعات البشرية، فكيف لعالم الصحراء أن ينتج مسرحاً وهو مجتمع يعيش على أطراف المدن وله طقوسه وعاداته واحتفالياته الخاصة؟

بدايات
حمل السؤال السابق، وهذه مفارقة ربما لم ينتبه إليها، مضمون الإجابة عن السؤال، حين تحدث عن العادات والطقوس والاحتفاليات، فالمسرح في بداياته، نشأ عن الاحتفالات والطقوس الدينية في الحضارات القديمة، ثم تطور ليصبح شكلاً فنياً مستقلاً، خاصة مع الحضارة الإغريقية واحتفالات الإله ديونيسوس، فما بالنا بالصحراء العربية التي تشكل نحو 900 ألف ميل مربع، وتشكل ثاني أكبر صحراء في العالم بعد الصحراء الكبرى، حيث تحتل معظم مساحة شبه الجزيرة العربية.
من هنا، كانت الفكرة جديدة، واستثنائية، وتنطلق من قناعة راسخة بما يوفره، أو يسمح به «أبو الفنون» وهو (التجريب) فالمسرح التجريبي بحسب الخبراء هو نوع من المسرح الذي يهدف إلى تجاوز الأساليب التقليدية، وتقديم عروض جديدة ومبتكرة، وهو تجريب يطول الشكل والمضمون معاً، ويسعى إلى طرح الأسئلة، وتوسيع آفاق التفكير النقدي لدى المتلقي.. وهذا –على الأقل- ما نظر له فاغنر (1813 1883) وهو مبدع محسوب على الموسيقى أكثر من كونه مسرحياً، كتب في المسرح، ونجح إلى حد كبير في تقديم أعمال تدمج بين الموسيقى والحس الدرامي، وهي أعمال أوبرالية مثل: (الهولندي الطائر، تانهويزر، لوهينغرين، تريستان وإيزولده، حلقة النيبلونج، وبارسيفال) كما كتب مقالات نظرية هامة حول الأوبرا والدراما والموسيقى، مثل «الفن والثورة» و«العمل الفني للمستقبل» و«الأوبرا والدراما»، هنا، يلتقي فاغنر مع الفيلسوف أرسطو الذي أصبح مسرحياً من خلال تحليله للدراما وتأثيرها، خاصةً في كتابه «فن الشعر»، كما حدد عناصر أساسية للدراما، مثل الحبكة والشخصيات والفكرة، وأكد أهمية المحاكاة والتطهير في تحقيق التأثير المسرحي.

مقترح جمالي
كل ذلك يشير إلى أهمية هذا المقترح الجمالي الذي انطلق من الشارقة، ونقل الصحراء العربية الشاسعة إلى فضاء المسرح، ليقدم أفقا فنيا، يحاكي هذه البيئة الصحراوية، وينقل مفرداتها وقيمها وعاداتها، إلى المشاهد العربي، وليؤسس لثقافة جديدة تنطلق من حرية التفكير والإبداع، المسرح الصحراوي، وقد اختبر حتى اليوم تسع دورات متعاقبة، شكل بحسب المتابعين والنقاد منصة إبداعية جديدة من خلال «أبو الفنون» في الساحة العربية، منصة خارجة عن مألوف المسرح الذي يقدم في المهرجانات المغلقة، ليتجاوز العلبة الإيطالية، مقترباً من الجمهور وفي فضاء مفتوح على الرمل والموسيقى والخيام المتناثرة هنا وهناك، وحيث تبرز قيم الصبر والقدرة على التكيف مع البيئة القاسية، عبر الكثبان الرملية الشاسعة، وأكثر من ذلك فهي -أي الصحراء- فضاء مفتوح على قيم وحكايات وقصص حب، تذكرنا بمثيلاتها في التراث العربي، تلك التي تتميز بقيمها الأصيلة، مثل قصة عنترة بن شداد وابنة عمه عبلة، وقصة قيس وليلى، حيث تجسد هذه القصص قيم الشجاعة، والوفاء، والصبر، والتضحية، والعفة، والحب العذري.
كما ينفتح المسرح الصحراوي على مفهوم البطولة والفروسية، حيث تبرز قيم الحكمة والصبر وتحمل المشاق في مواجهة التحديات والظروف القاسية في الصحراء، فضلاً عما تتمتع به هذه البيئات العربية المتناثرة في مغرب ومشرق الوطن العربي من أصالة، وتحفيز على ضرورات تأكيد قيم التعاون والمساعدة بين أفراد المجموعة في مواجهة المخاطر، وإظهار روح المبادرة والقيادة، والقدرة على الحفاظ على الأمل والإيجابية في ظل ظروف صعبة.

نجاحات
قدم مهرجان المسرح الصحراوي خلال دوراته التسع عديد العروض العربية، وقد حقق المهرجان الكثير من النجاحات في سياق ما طرحه من أفكار جديدة من عمق البيئات الصحراوية، كما استطاع أن يؤسس وكما وصف من قبل جمهور النقاد لأساليب وتقنيات وقيم جمالية، بوصفه شكل حاضنة تطل على ثقافات صحراوية شتى، وقد نجح المهرجان كذلك في التعريف بعدد من كبار المخرجين والكتاب والممثلين الذين كانوا على تماس مباشر مع هذه البيئات، وأكثر من ذلك، فقد قدم «الشارقة الصحراوي» مجموعة من النجوم الذين لم يسمع بهم جمهور المسرح الإماراتي والعربي، من قبل، وهؤلاء في الغالب من أبناء تلك الصحراء العربية الشاسعة، الذين استطاعوا أن يقدموا فرجة مسرحية لاقت استحسان المشاهدين بما خبروه من قيم وعادات الصحراء.
ومن الناحية الفنية الصرفة، فقد نجح المهرجان في تقديم مشهديات مسرحية مؤثثة بديكورات وسينوغرافيا ناجحة من حيث الإضاءة والأزياء والموسيقى، وأيضاً تلك الأشكال التعبيرية والأدائية التي تمزج بين الحادثة وما فيها أبعاد فلكلورية وأسطورية، سلطت الضوء على الهوية الصحراوية، من دون أن تفقد جماليات العرض المسرحي الذي يعبر عن هموم شريحة عريضة من أبناء الصحراء العربية، ولا يــــزال هــــذا المهرجــــان يتطور من دورة إلى أخرى، ويحدث أثراً إيجابياً بما يطرحـــه من رؤى إبداعية خاصة من خلال اللقاءات النقدية التي تعقب العروض، ويشارك فيها كتاب مسرحيون ومخرجون وممثلون عرب من الإمارات وسوريا ومصر والسودان والأردن والعراق وأقطار المغرب العربي كافة.
عثمان حسن – الخليج



