أخبار مسرحية

«المهرجان العربى» دورة قاهرية ملهمة.. و«الهاربات» ينتصرن لبوح الجسد

انتهى مهرجان المسرح العربى فى دورته السادسة عشرة بنجاح تنظيمى كبير وانضباط لافت فى كافة مفاصل الدورة رغم زخم فعالياتها وتنوعها بين العروض والمؤتمرات الفكرية والصحفية والندوات التطبيقية والتغطية الإعلامية عبر استوديو 16. احتفى الجميع بالمسرح وبقت الدورة علامة مضيئة على نجاح وزارة الثقافة المصرية فى إدارتها باقتدار، واحتفظت الهيئة العربية للمسرح كعادتها بنهجها المهنى الرصين ورؤيتها الداعمة لتكريس قيم الجودة والتنوع فى المشهد المسرحى العربى والانحياز لدور المهرجان كمساحة عربية جامعة للحوار والاختلاف البناء.

المكسب الأكبر هو حصول العرض التونسى «الهاربات» تأليف وإخراج وفاء طبوبي، على جائزة الشيخ د.سلطان القاسمى لأفضل عرض متكامل، وهى الجائزة الأكبر عربيا ماديا وأدبيا.

العرض إنتاج المسرح الوطنى التونسى ويعكس قيمة التعاون الجاد والمثمر بين وزارة الثقافة التونسية ومؤسسات المجتمع المدنى باعتباره بالأساس مشروعا لإحدى الفرق الخاصة، وقدمت الوزارة الدعم اللازم له لكى يخرج إلى النور.

تكمن جاذبية العرض أولا فى موضوعه المتعلق بتيمة الانتظار، ثم طرحه لهذه الفكرة بهذا المنظور الإنسانى المؤلم والآسر فى آن واحد، وإذا كان صامويل بيكيت قد تناول تيمة الانتظار العبثى فى مسرحيته الشهيرة «فى انتظار جودو» بكثير من الحوارات العدمية، بينما طرح ألبير كامو أسطورة سيزيف فى إطار بحث الإنسان عن المعنى مقابل صمت عالمى قاتل من خلال عقوبة فرضت على سيزيف تقضى بدفع صخرة ضخمة إلى قمة جبل شديد الانحدار، لتعود الصخرة فتتدحرج فى كل مرة لتصبح فعلا تكراريا بلا معنى، فإن تيمة الانتظار فى «هاربات» وفاء طبوبى قد انتصرت إلى فعل البوح بالجسد من خلال التقاطع مع مساحات السرد الكاشفة لمعاناة الشخصيات الستة.

خمس سيدات ورجل وحيد، خادمة عجوز، نائبة، عاملة فى أحد المعامل، محامية ناشطة، وجامعة نفايات البلاستيك لبيعها لكسب قوت يومها أو ما يطلقون عليه فى اللهجة التونسية «البرباشة». وعامل بسيط مطلق وله أولاد يسعى لتربيتهم. تركيبة مجتمعية متنوعة كاشفة عن أرض مشتركة وهى الانتظار قسرا.

لذلك فالمكان هو فضاء رحب فى إحدى محطات وسائل النقل، لاديكور، لامناظر، فقط جدار أسود ولافتات إرشادية، وأجساد تدور فى العدم، تتقاطع آلامهــم فقرا ووحدة وقطيعة وأحلاما مؤجلة، تتداخل الحكايات مع حركة مسرحية تتنوع بين الحدة والدائرية المفضية إلى اللاشىء.

هنا تبرز براعة أبطالنا فاطمة بن سعيدان المخضرمة لافتة الخفة والحضور والتأثير، منيرة زكراوى صاحبة أفضل تعبيرات لوجهها وجسدها، لبنى النعمان، صابرين عمر، أميمة البحرى واسامة الحنانى، لكل منهم بصمة خاصة وحضورا طاغ وأداء بالغ السخونة والثراء.

تباين يبرز تنوع الأزمات وأحادية الألم، وهو ما رسمته المخرجة بعذوبة تجمع بين سرعة الإيقاع والتعبير الحركى الدقيق على أنغام هانى بلحمادي، وإضاءة فيصل صالح التى خاطبت الوجوه والأجساد فأبرزت المواجع والإحباطات، بينما اختارت مصممة الملابس مروة المنصورى «بالتة» ألوان قاتمة لأزيائها، أصفر غامق، بنى، نبيتى، رمادى، بيج، زيتى، تداخلت جميعها فى طبقات متعددة على أجساد الممثلين لتعكس تراكم الأحلام المؤجلـــة حتى صارت كطبقات من الانكسار والوجع. عرض جرىء ولافت نال فوزا مستحقا وإن كانت محلية اللهجة التونسية قد شكلت حاجزا مؤقتا بينه وبين الجمهور خاصة فى مساحات السرد الطويلة، فكان الملاذ فى الأداء الجسدى المفعم بالحيوية والطاقة والدلالات.

باسم صادق – الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!