الناقد أبوالحسن سلام: المسرح بدأ فى مصر قبل اليونان بـ2000 عام

ومن مؤلفاته العلمية والأكاديمية على سبيل المثال «المسرح العربى والتراث»، و«معمار النص ومعمار العرض المسرحى»، و«حيرة النص بين الترجمة والإعداد والاقتباس والتأليف»، و«مصادر الثقافة المسرحية»، و«مقدمة فى نظرية مسرح الطفل»، و«المسرح المدرسى ومشكلة النص».
■ بداية.. كيف أسهمت تجربتك الشخصية مع المسرح – مشاهدةً ومتابعةً- فى تشكيل رؤيتك الفكرية؟
– بدأت تجربتى مع المسرح بتمثيل أدوار مسرحية فى المرحلة الإعدادية، يسبقها تمهيد منذ المرحلة الابتدائية؛ إذ كنت أمر صباح كل يوم أحد، فى طريقى إلى المدرسة، من أمام كنيسة الأنبا فام بمدينة طما بمحافظة سوهاج، حيث كانت ترانيم المصلين تجذبنى فأدخل إلى الكنيسة وأجلس ساكنًا على دكة فى الخلفية.
كما اجتذبتنى أمسيات المديح النبوى، وسهرات الغناء القصصى الشعبى لسيرتَى «الزير سالم» و«شفيقة ومتولى»، وهى السهرات التى كانت تُقام ترحيبًا بعودة أحد الحجاج أو وفاءً بنذر.
الاندماج مع فنون تلك السهرات كان له تأثير كبير، وكذلك الزيارة الموسمية لسيرك الحلو.. كنا أطفالًا نتسلل إلى داخل سور خشبى يحيط بحلقة اللعب ومدرج مقاعد المتفرجين، عبر حفرة نحفرها لمشاهدة العرض خِلسة.
وقد أسهمت هذه الممارسات فى تشكيل ذائقتى، وجذبتنى إحساسًا وكيانًا إلى مباهج الفرجة، فضلًا عن عشقى لأغانى فريد الأطرش وغنائى لبعضها على مسامع الأصدقاء.
أما اشتغالى المسرحى النقدى فقد بدأ مؤخرًا، بعد ممارسة إخراج نحو أربعين نصًا مسرحيًا، من بينها: «الملك معروف» عام ١٩٦٤، ومسرحية «ملحمة شعب» لعمال شركة النحاس عقب رحيل الرئيس جمال عبدالناصر، و«دائرة الطباشير القوقازية» عام ١٩٦٨ لفرقة المسرح السياسى، و«سعد اليتيم» لفرقة مسرح الفلاحين بالثقافة الجماهيرية.
كما عملتُ مساعدًا للمخرج حسن عبدالسلام فى عرض «مأساة الحلاج»، وشاركت فى «ملحمة الفتى حمدان»، وأخرجتُ «سعد اليتيم» لفرقة السامر بقصر ثقافة الأنفوشى، وذلك فى أثناء رئاسة الفنان فاروق حسنى للقصر، فضلًا عن إخراج «برلمان النساء» و«يوليوس قيصر».
وألفت ٢١ نصًا مسرحيًا، من بينها نص «حلم ليلة صيد»، وجرى إخراجه على مسرح محكى قلعة قايتباى بالإسكندرية. كما أسستُ عددًا من الفرق المسرحية، منها: «المسرح السياسى» عام ١٩٦٤، وفرقة «السامر» عام ١٩٦٩، وفرقة «سيد درويش» عام ١٩٧٣، وجمعية الدراما عام ١٩٧٥. وجرى تعيينى بقسم المسرح مع بدء إنشائه، بوصفه أول قسم للمسرح فى الجامعات المصرية والعربية.
وصاحب هذا النشاط، منذ الثمانينيات، نشاط قراءة ودود وعاشق لكل ما صدر منذ عام ١٩٦٤، مع بداية صدور مجلة المسرح، إلى جانب متابعة البرنامج الثانى الإذاعى «الثقافى»، وما كان يقدمه من نفائس تجارب العلماء والفنانين الرواد، والباحثين، والمحللين، والنقاد.
ومن هنا أستطيع القول إن بداية علاقتى بمسيرة النقد المسرحى كانت مسبوقة باعتمادى، فى إخراج العرض المسرحى، على وضع رؤية إخراجية، وهو ما كان يلزمنى بقراءات متعددة للنص موضوع الإخراج، تتخللها عمليات تحليل متكررة، وصولًا إلى تصور أو رؤية.
■ هل كان لمسيرتك الأكاديمية والتدريسية دور أساسى فى توجهك نحو التأليف والبحث المنهجى؟
– نعم، كان لمسيرتى الأكاديمية دور مهم فى توجيهى منهجيًا نحو استشراف التفكير النقدى، مستبقًا بالممارسة السياسية فى مسار الفكر الاشتراكى، فضلًا عن عادة شَغْل هوامش أى نص مسرحى أقرأه بتعليقات تحليلية نقدية، كثيرًا ما كانت تُوفِّر علىّ جهد تحليل نص أو بحث شرعتُ فى التورط فى إنجازه.
لم تمدّنى الدراسة بجديدٍ فى الفكر أو بخبرة تقنية مسرحية، بقدر ما أفادتنى فى المنهجية، وتنظيم الأفكار، ومساق أولويات الأهم فالمهم، مع أهمية الاختيار، وطاقة تغطيته بالخبرة، فى مسار موضوعى لا شخصنة فيه.
هذا عن الخبرة المنهجية فى تأليف نحو أربعين كتابًا فى فروع فنون المسرح وعلومه. أما تأليف النص المسرحى فله سبيل آخر؛ لا يتقيد إلا بما يُنتجه من قيود أو ضوابط من داخل أسلوبه.. هى استنتاجات القراءات النقدية اللاحقة لمؤلَّفه.
■ هل يمكن النظر إلى مجمل مؤلفاتك بوصفها مشروعًا فكريًا متصل الحلقات، أم أنها محطات بحثية مستقلة فرضتها أسئلة وسياقات معرفية مختلفة؟
– ربما تكون إجابة غيرى من المفكرين والباحثين هى الأقرب إلى الوفاء بالإجابة عن هذا؛ وقد شرّفنى الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن زيدان، أستاذ المسرح العربى بالمغرب، بدراسة مطوّلة عن مشروع كتاباتى، وكذلك مطالعة مليونَى قارئ ومئتى ألف لكتاباتى فى ذلك الموقع، وربما استطاعت الإجابة عن هذا السؤال.
■ هل يشوب العلاقة بين المسرحيين والنقاد فى العالم العربى قدرًا من التباعد؟
– العلاقة بين المسرحيين كُتّابًا ومخرجين، والحراك النقدى، هى علاقة قطع ووصل. أتحدث عن الحراك النقدى فيما قبل الثمانينيات؛ فى تلك المرحلة حيث كان لدينا نقاد، لمعظمهم خلفية معرفية ومنهجية، وممارسة نقدية ترتكز على نظرية نقدية يستدعيها النص أو العرض المسرحى. كانت العلاقة بين المبدع المسرحى ونقده حالة وصل وقطع جدلية، كما كانت تحدث بين المؤلف المسرحى ومخرج نصه مسرحيًا. علاقة يوسف إدريس مع سعد أردش فى إخراجه لمسرحيتَى إدريس: «الجنس الثالث» و«المخططين» معروفة.
نقاد الستينيات حصّلوا خبراتهم الثقافية وممارساتهم، كُتّابًا ومترجمين وباحثين، خلال معمعة الحراك السياسى الذى بدأ مع ثورة ١٩١٩ ومعطياتها؛ فقد كان معظمهم قيادات فى أحزاب اليسار واليمين السياسى، فضلًا عن أن الحركة النقدية الستينية تزامنت مع مشروع قومى واحتكاك بممارسات معرفية زاهية الألوان. وبسقوطه، على إثر هزيمة يونيو، انفرط عقد المنظومة المتزامنة معه وفى خدمته.
ليس لدينا إبداع مسرحى قريب مما كان لدينا فى الستينيات، وهذا طبيعى لأننا نعيش عصرًا آخر، تختلط فيه الألوان تحت شعار لون واحد غير معلوم لى على الأقل. فكيف نزعم أن لدينا نقدًا، خاصة إذا كنا نرى عددًا ممن يزعم أنه ناقد مسرحى يعلن ذلك وهو جالس على رأس عمود صحفى؟ ليس كل من تأبط نصًا أو عرضًا بناقد. الناقد الحقيقى هو من يقدم تحليلًا دراميًا وفنيًا وجماليًا للنص أو للعرض، وما دون ذلك يمتنع على وصفه بصفة ناقد.
■ إلى أى مدى ترى أن المناخ الثقافى العربى أسهم فى توجيه اهتماماتك البحثية والموضوعات التى تناولتها فى كتبك؟
– ثقافتى ومعرفتى مصرية عربية، أنا مصرى، والمسرح بدايته مصرية قبل اليونان بأكثر من ألفى عام، وأفلاطون وأرسطو يعترفان بذلك. كتبتُ عن المسرح السعودى يوم كان لديهم المُلهِم المسرحى الحداثى محمد العثيم، وأخرجتُ له مسرحيته «بديع الزمان الهمذانى» بتمثيل طلاب شعبة المسرح بقسم الإعلام بجامعة الملك سعود، وألّفتُ كتاب «نهار اليقظة فى المسرح السعودى» عام ١٩٩٣.
كما كتبتُ عن كتاب «مسرح وعروض» من الكويت، وأستطيع القول إن عشرات من طلاب الكويت والسعودية والعراق والأردن وليبيا درسوا علىّ علوم المسرح وفنونه وجمالياته، نصوصًا وعروضًا وأداءً.
ولا يفوتنى ذكر ما مُنحتُ من فرصة الهيئة العربية للمسرح، حيث اكتسبتُ خبرة عريضة خلال تحكيم ٥٧ بحثًا شاركت فى طرح البحث عن مشروع عربى للنقد المسرحى، فقد مكّنتنى من قراءة رؤى مسيرة النقد المسرحى العربى، من مشاركة العلماء والباحثين والنقاد فى تلك الفعالية البحثية، وبذلك تمكنتُ من قراءة خارطة الفكر النقدى المسرحى العربى، وظفر طرحى لوجود نظريتين للنقد الأدبى العربى، منهما «نظرية النظم» لعبدالقاهر الجرجانى (ق٢ هجرى)، وفيها يقول: «لا ميزة للكلمة خارج سياق الجملة»، أخذها ريتشاردز فقال: «لا مزية للنغمة خارج سياق اللحن»، وأخذها الإيطالى كروتشا فقال: «لا ندية للون خارج سياق الصورة».
فإذا كان النقد الأوروبى قد وظّف نظرية النظم فى الموسيقى وفى النقد التشكيلى، فكيف لا تُوظَّف للمسرح نصًا وعرضًا؟
ولقد أسعدنى أن باحثين مصريين تناولا تلك النظرية، وأثبت كلٌّ منهما صلاحيتها عمليًا فى نقد عروض مسرحية، مثل كل منهما تطبيقات مسرحية عليها.
■ هل يتعامل الجيل الجديد من الدارسين والباحثين مع المسرح بوصفه معرفة مركبة، أم ما زال أسير التخصصات الضيقة؟
– بعض شباب خريجى معهد المسرح وأقسام المسرح يعتمد أداؤهم الممارسة التى تقوم على الموهبة، دون أن يظهر تضافرٌ بين الخبرة والتحصيل الدراسى، فى مجال العرض المسرحى.
■ كيف تنظر إلى التحولات التى فرضتها الوسائط الرقمية والمنصات الجديدة على تلقى العرض المسرحى، وهل تراها تهديدًا لجوهر المسرح؟
– المسرح فنّ الحضور وشغف التلاقى، فطقوس التلقى والفرجة تبدأ مع شروع الإنسان فى حيرة اختيار الزى الذى سيرتديه للذهاب ليحضر عرضًا مسرحيًا، ويظل الشغف معه حتى جلوسه على مقعده فى صالة العرض، ويلازمه طوال فترة العرض.
الفرق شاسع بين الورد البلدى والورد الاصطناعى، المسرح سيظل فنّ شغف الحضور فى طقوس الفُرجة.
■ كيف يمكن توصيف واقع النقد المسرحى المعاصر فى ضوء الممارسة الأكاديمية والتطبيقية؟
– بالنسبة للنقد، فالواقع ينبئ بالجواب؛ ذلك أن دراسة النقد النظامية تعتمد على تاريخ اتجاهات النقد ونظرياته المسرحية، دون دعمها بتطبيقات على خارطة جغرافية الخشبة، فضلًا عما تحتاجه الكتابة النقدية من التنبؤ بنظرية نقدية يشير إليها المنتج الإبداعى نفسه.
رنا رأفت – الدستور المصرية



