دراما وفنون

“بدر المسحر” يعيد إحياء تقاليد رمضان الإماراتية

المخرج حيدر محمد يمزج الخيال العلمي بالتراث الإماراتي في عمل كرتوني يستهدف تعزيز قيم الالفة والترابط الأسري عبر منصة يوتيوب.

في تجربة تجمع بين الخيال العلمي ودفء التراث الإماراتي، يطل المسلسل الكرتوني “بدر المسحر” ليعيد إحياء أحد أجمل تقاليد رمضان في دبي، مقدما حكاية طفل يسعى لإعادة روح الفريج وأهازيج المسحر إلى حياة جيل جديد.

في إطار جهودها المتواصلة لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية، أطلقت هيئة الثقافة والفنون في دبي مسلسلا كرتونيا جديدا بعنوان “بدر المسحر”، بالتعاون مع المخرج الإماراتي حيدر محمد، في خطوة تهدف إلى إبراز الموروث الثقافي الإماراتي والاحتفاء بالعادات والتقاليد المرتبطة بشهر رمضان، إلى جانب تعزيز قيم الألفة والانتماء بين أفراد المجتمع.

ويُعد المسلسل جزءا من مبادرات حملة “رمضان في دبي”، التي تندرج تحت مظلة موسم “الوُلفة”، وهو برنامج مجتمعي يهدف إلى ترسيخ قيم الترابط الأسري وإحياء التقاليد الاجتماعية التي تميز المجتمع الإماراتي خلال الشهر الفضيل. ومن خلال هذا المشروع، تسعى الهيئة إلى تقديم نموذج إبداعي جديد يمزج بين الترفيه والقيمة الثقافية، ويتيح للمواهب الإماراتية منصة للتعبير عن أفكارها وإبداعاتها، في الوقت الذي يعزز فيه حضور فنون الرسوم المتحركة بوصفها أحد أهم مجالات الصناعات الثقافية المعاصرة.

ويركز العمل على توظيف السرد البصري والخيال الدرامي لإحياء عناصر من التراث الشعبي، حيث يقدم قصة تجمع بين الخيال العلمي والبيئة الإماراتية التقليدية. وتدور أحداث المسلسل حول الطفل بدر، الذي يعيش مع والديه في مستوطنة علمية متقدمة على سطح القمر. ومع حلول شهر رمضان، يعود بدر إلى دبي ليقضي أيام الشهر الفضيل في منزل جدته داخل “الفريج” القديم، حيث يكتشف تقليداً تراثياً كاد يندثر، هو تقليد “المسحر” الذي كان جده آخر من أداه في الحي.

ومن خلال أدوات جده التراثية مثل “الطبيلة” و”الفنر” و”الخيزرانة”، يبدأ بدر في إحياء هذا الموروث الشعبي، فيجتمع حوله أطفال الحي ليشاركوه ترديد الأهازيج الرمضانية التي كانت تصدح في الأزقة القديمة. وتتحول هذه المبادرة إلى تجربة جماعية تعيد الحياة إلى أجواء الفريج وتجمع الجيران حول قيم المشاركة والتعاون، في مشاهد تعكس دفء العلاقات الاجتماعية وروح اللمة الرمضانية التي طالما ميزت المجتمع الإماراتي.

ويتكون المسلسل من 15 حلقة تُعرض عبر القناة الرسمية لهيئة الثقافة والفنون في دبي على منصة اليوتيوب، ويقدم مجموعة من الموضوعات المتنوعة في قالب ترفيهي يجمع بين التشويق والرسائل الإنسانية. ويحرص العمل على تقديم محتوى قادر على جذب مختلف الفئات العمرية، خصوصاً الأطفال والشباب، من خلال أسلوب بصري حديث وقصة تجمع بين المغامرة والبعد الثقافي.

ولا يقتصر “بدر المسحر” على كونه عملا ترفيهيا، بل يحمل أيضا مجموعة من الرسائل الثقافية والاجتماعية التي تعكس رؤية “دبي للثقافة” في الاحتفاء بشهر رمضان بوصفه موسماً غنياً بالألفة والتواصل الإنساني. إذ يسلط المسلسل الضوء على شخصية “المسحر” باعتبارها أحد الرموز الرمضانية الأصيلة في الذاكرة الشعبية، ويستعيد حضورها الاجتماعي وأدواتها التراثية، لكن ضمن معالجة عصرية تتناغم مع تطلعات الأجيال الجديدة وتعيد تقديم الموروث الشعبي بأسلوب قريب من اهتماماتها.

كما ينجح العمل في استحضار أجواء “الفريج” في دبي، بملامحه المعمارية ولهجته المحلية وروحه الاجتماعية الدافئة، ليقدم صورة حية عن طبيعة العلاقات التي كانت تجمع أبناء الأحياء القديمة. ويؤكد المسلسل في الوقت نفسه أهمية تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأصالة ومواكبة التطور، من خلال إعادة تقديم العادات والتقاليد بأسلوب معاصر يضمن استمرارها وانتقالها إلى الأجيال القادمة بوصفها جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية الإماراتية.

وفي هذا السياق، أكدت شيماء راشد السويدي، المديرة التنفيذية لقطاع الفنون والتصميم والآداب في هيئة الثقافة والفنون في دبي، أن الأعمال الكرتونية المستلهمة من التراث المحلي تمثل وسيلة فعالة لتعريف الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية، لما تمتلكه من قدرة على توثيق القصص والرموز الاجتماعية المرتبطة بالمناسبات التقليدية بأسلوب بصري جذاب ومبتكر.

وأوضحت أن مسلسل “بدر المسحر” يشكل إضافة مميزة إلى المشهد الإبداعي المحلي، حيث يعكس ما يمتلكه المبدعون الإماراتيون من أفكار مبتكرة وقدرات فنية عالية على إنتاج محتوى يجمع بين الترفيه والرسالة الثقافية. وأضافت أن هذا النوع من الأعمال يسهم في تعزيز الوعي بالقيم المجتمعية المرتبطة بشهر رمضان، ويعيد تقديمها بروح معاصرة تعبّر عن جوهر الترابط والهوية الوطنية.

وأشارت السويدي إلى أن الهيئة تولي اهتماماً كبيراً بدعم صناعة الرسوم المتحركة بوصفها جزءاً مهماً من منظومة الصناعات الثقافية والإبداعية، إلى جانب جهودها في توفير بيئة حاضنة للكتاب والمخرجين وصناع المحتوى، وتمكينهم من تطوير مشاريعهم الفنية ومشاركتها مع الجمهور. ولفتت إلى أن هذه المبادرات تسهم في ترسيخ مكانة دبي مركزاً عالمياً للثقافة، وحاضنة للإبداع، وملتقى للمواهب من مختلف المجالات الفنية.

من جهته، أكد المخرج حيدر محمد أن فكرة المسلسل تقوم على ربط الجيل الجديد بروح الفريج وأجواء رمضان الدافئة التي تتميز بالألفة والتكاتف الاجتماعي. وأوضح أن العمل يسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن التطور التكنولوجي لا يعني التخلي عن التراث، بل يمكن أن يكون وسيلة جديدة لإحيائه ونقله إلى المستقبل بأساليب مبتكرة.

وأضاف أن تقديم الموروث الشعبي للأجيال الصاعدة بأسلوب يتناسب مع اهتماماتها يمثل مسؤولية ثقافية وفنية في الوقت نفسه، خصوصاً في ظل الحاجة إلى أعمال موجهة للأطفال والعائلات تسهم في تعريفهم بتفاصيل العادات والتقاليد المحلية. وأشار إلى أن استخدام الرسوم المتحركة والخيال العلمي في “بدر المسحر” يهدف إلى خلق تجربة مشاهدة ممتعة تجمع بين المغامرة والبعد الثقافي، بما يجعل التراث أكثر قرباً إلى وجدان الصغار.

وفي ختام حديثه، عبّر حيدر محمد عن سعادته بالتعاون مع هيئة الثقافة والفنون في دبي، مثمناً الدعم والثقة اللذين حظي بهما المشروع منذ مراحل تطويره الأولى، ومؤكداً أن مثل هذه المبادرات تمثل خطوة مهمة في دعم الإنتاج الإبداعي المحلي وتطوير محتوى ثقافي يعكس الهوية الإماراتية بأسلوب معاصر يواكب التحولات الثقافية والتكنولوجية في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!