بلقاسم: صاحب المقهى الصغير الذي حوّله إلى مسرح حياة
بلقاسم تجاوز حدود المقهى فصار جزءًا من التجربة المسرحية، كان يحضر عروض الطلبة، يشاركهم فرحتهم، ويظل متابعًا لمساراتهم.

لا نحتاج إلى استعادة علاقة المقاهي الوثيقة بالثقافة والمثقفين، وبالأدباء والفنانين، في تلك الأماكن ولدت حركات أدبية وفنية وسجالات فكرية ونقاشات وحتى شجارات، وهلم جرا. المقهى في جوهره مسرح ثقافي، هذا ما كان عليه، رغم تراجع تلك الصورة والوظيفة، لكن ما زالت هناك مقاه تستعيد ولو جزءا من تلك المهمة الصعبة والضرورية.
كان لا بد من مثل هذه المقدمات لعلنا نفهم علاقة بلقاسم، صاحب مقهى صغير في العمران (منطقة تابعة لتونس العاصمة)، بالمثقفين والفنانين وخاصة من المسرحيين، وهو الذي يحاذي مقهاه مقرّ المعهد العالي للفن المسرحي بتونس، لكن سرّ العلاقة لم يكن الجوار المكاني، بل الجوار الروحي، وإنسانية روح الرجل الذي فارقنا الخميس، وأفاض رحيله مشاعر المسرحيين ومن تقاطع معه من المثقفين، رجل أحبه كل هؤلاء ونعوا رحيله المفاجئ بحرقة.
بلقاسم، كما يناديه الجميع، لم يكن مجرد صاحب مقهى، بل كان إنسانًا يفيض بالحب والصدق، ويحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى طقوس إنسانية عميقة. مقهاه الصغير في شارع العربي الكبّادي صار فضاءً حيًا للذاكرة، للحوار، وللألفة التي جمعت أجيالًا من طلبة المعهد العالي للفن المسرحي بأساتذتهم ورفاقهم.
ذلك المقهى كان أشبه بمسرح موازٍ، حيث تُكتب نصوص الصداقة وتُرتجل مشاهد الحياة. لم يكن الحضور فيه مجرد جلوس على كرسي، بل كان مشاركة في ذاكرة جماعية تتشكل على وقع الضحكات والنقاشات والقصص التي لا تنتهي. بلقاسم كان يعرف الجميع واحدًا واحدًا، يعرف ماذا يشربون، يعرف أحلامهم الصغيرة والكبيرة، ويشاركهم تفاصيلهم كما لو كان ممثلًا في نص جماعي لا ينتهي.
لقد تجاوز بلقاسم حدود المقهى، فصار جزءًا من التجربة المسرحية ذاتها. كان يحضر عروض الطلبة، يشاركهم فرحتهم، ويظل متابعًا لمساراتهم حتى بعد التخرج. شيئًا فشيئًا، تحوّل من صاحب مقهى إلى صديق وأخ ورفيق. كان يقف بجانبهم حين يثقلهم الحزن أو الحاجة، ويذكّرهم بأن المسرح والحياة لا يُعاشان إلا بالحب والصدق والابتسامة.
رحيله المفاجئ أحدث صدمة عميقة، ليس فقط لأنه غاب جسدًا، بل لأنه مثّل مرجعا لخصال إنسانية نادرة: البساطة، الصدق، والقدرة على تحويل مكان عادي إلى فضاء استثنائي للذاكرة الجماعية. هذه الخصال هي نفسها التي يحتاجها المسرح ليبقى حيًا، وهي التي تربط بين الأجيال وتمنحها معنى الاستمرار.
إن رحيل بلقاسم يذكّرنا بأن المسرح ليس خشبة فقط، بل هو شبكة من العلاقات الإنسانية التي تُبنى خارج الخشبة أيضًا. لقد كان حافظ أسرار زواره، وملاذهم حين يثقلهم العالم بأسئلته وبركاكة أيامه أحيانا، كان رفيق أحلامهم حين يضيق بهم الواقع. وهذا ما لامسناه من انتشار نعيه بحزن بالغ لدى جل المسرحيين وطلبة المسرح وحتى ممن تقاطعوا معه في مقهاه المرح من صحافيين وكتاب ومبدعين وغيرهم ممن وجدوا على مشرب المقهى عالما مصغرا لا يعزل الثقافة عن الناس العاديين، ولا هو يعزل الناس البسطاء عن حوارات ولقاءات المثقفين الكبار والصغار.
اليوم، وهو يغيب جسدًا، يبقى حاضرًا في كل عرض مسرحي، في كل نجاح يُحتفل به، وفي كل لحظة صدق يعيشها طلبة المعهد العالي للفن المسرحي. بلقاسم سيظل رمزًا للإنسانية البسيطة العميقة، وللحب الذي يتجاوز حدود المكان والزمان. رحل، لكنه ترك لنا درسًا خالدًا: أن الإنسان يمكن أن يكون نصًا حيًا، وأن المقهى يمكن أن يكون مسرحًا، وأن الذكرى الصادقة أقوى من الموت.
رحل بلقاسم، لكن صوته ما زال يتردّد في الأزقة، وضحكته ما زالت تُضيء وجوه العابرين. كم برع في تحويل حتى أشد اللحظات قتامة إلى فكاهة تهوّن على من ثقل به يومه ومزاجه. رحل، لكن فنجان قهوته ما زال دافئًا في الذاكرة، كأن يده لم تفلت الكوب بعد. رحل، لكنه ترك لنا مسرحًا من الحب، خشبة من الصدق، وستارة من الألفة. رحل، لكنه لم يرحل. هو بيننا، في كل نص يُكتب، في كل عرض يُقدَّم، في كل ابتسامة تُزرع على وجه طالب جديد. هو ذاكرة الأجيال المسرحية التونسية، هو درس الحياة، هو إنسانية لا تُمحى ومزيج لا يتكرر من حب الفن والحياة.



