أخبار مسرحية

«تخيل» و«نصف ليلى»… يشرّحان أوجاع الإنسان المعاصر

في اليوم الثاني من فعاليات الدورة 35 لـ«أيام الشارقة المسرحية»، شهد «بيت الشعر»، في الشارقة تقديم عرضين هما: «تخيل»، لجمعية أبوظبي للفنون الشعبية والمسرح، تأليف أحمد الماجد وإخراج مرتضى جمعة، وعرض «نصف ليلى»، لجمعية مسرح خورفكان للفنون، تأليف أحمد الماجد وإخراج إلهام محمد، وجرت الفعاليتان وسط حضور كبير.

لعل الملاحظ أن هناك تشابهاً بين عوالم النصين ومواضيعهما، فهما يتحدثان عن البشر في ظل عالم الحداثة وما نتج عنه من تشظ وتفكك على مستوى المفاهيم والقيم، حيث تسود العزلة والفردانية وتكاد تتلاشى الروابط الاجتماعية بين البشر في كل مكان، فقد انغمس الجميع في صراعات الحياة والمشاغل اليومية، وإذا كانت المواضيع قد تشابهت، إلى حد ما، في النصين، فإن الرؤية الإخراجية في كل عرض جاءت مختلفة، فبينما اقترب مرتضى جمعة من حكاية المؤلف، راهنت إلهام محمد على معالجة جمالية بأدوات وعناصر العمل المسرحي.

مواجهة

تتحدث مسرحية «تخيل» عن رجل يعيش على الوظيفة، يقضي يومه ما بين المكتب والبيت في عزلة تامة عن الآخرين، وهو الأمر الذي يثير حنق المحيطين به وبخاصة أخت زوجته وزوجها اللذان يقطنان معه في البيت نفسه، بل وصل بهما الأمر إلى أن طلبا من الزوجة أن تتخلى عن زوجها الذي يعيش متوحداً في خلوة يناجي ذاته بصوت هامس ولا يعبأ بالآخرين، لكن الزوجة التي تنتظر مولوداً، تتمسك بالبقاء مع رفيق عمرها، والواقع أن حالة الزوج لم تزعج أقرباءه فقط، بل مجتمع المدينة بأسره، فما هي تلك الحالة الغامضة التي تجعله ينعزل باختياره في سجنه الخاص؟

المفارقة العبثية تكمن في أن هذا الرجل كان هادئاً، في محيط صاخب، كانت المدينة كلها عبارة عن حالة صراخ مستمر، ما عدا هذا الرجل الغريب المصاب بمرض الهدوء الشديد، وهو بذلك يكون قد خرج عن «نظام» المدينة، وعن قيمها، ليجد نفسه في مواجهة سلطة تعتبر الهدوء حالة غير عادية، فكانت الحالة المسرحية وكأنها تدور حول خطبة صاخبة ولاذعة ضد رجل هادئ.

بطبيعة الحال هي حكاية رمزية، تحمل دلالات مهمة، فالمدينة هي تجسيد للمجتمع المعاصر الحديث الذي يعيش تحت وطأة الصخب والصراخ، بينما يرمز الرجل الهادئ للحياة القديمة التي يأمل البعض أن تعود خاصة الذين تعلقت قلوبهم بالماضي ولا يجدون خيراً في نمط الحياة الحديثة، فالعرض يثير الكثير من الأسئلة، وجاء في كلمة المخرج في مطوية العرض: «تخيل… مدينة اعتادت الصراخ، وصار الهدوء فيها نقمة. تخيل… إنسان حافظ على صوته الداخلي وسط ضجيج العالم. تخيل… دعوة للتأمل في سؤال بسيط: هل نصرخ لأننا أردنا ذلك، أم لأن الجميع يصرخ».

مقاربات

المخرج تصدى للعمل ببراعة كبيرة، حيث دفع بمقاربات تتناسب مع طبيعة النص، وتظهر تمثله للحكاية، حيث كانت البداية باشتغال على السينوغرافيا عبر هالة ضوئية في شكل مخروطي وفي داخلها بطل الحكاية وهو يناجي نفسه ويظهر عليه الضيق، لكنه في ذات الوقت غير مهتم بما يجري من حوله من صراخ وجلبة يحدثها أقرباؤه، أو حتى ذلك الضجيج القادم من الشارع، كما وظف مرتضى موسيقى صاخبة ونشازاً ليعمق من فكرة الصراخ مقابل الهدوء، تتخللها أصوات بكاء طفل، بما يشير إلى أن الرجل في انتظار مولود قادم لا يعرف كيف يكون مصيره في هذا العالم الصاخب.

كما وظف مرتضى ديكوراً بسيطاً، بحيث تكاد تكون الخشبة خالية إلا من حركة الممثلين الضاجة، وذلك دلالة على خواء العالم، وعلى حالة الحصار النفسي للشخصيات، لذلك فإن الأحداث تدور في فضاء ضيق، مع الاستعانة بالأقنعة التي تشير إلى تلون البشر ونفاقهم وظهورهم في مسرح الواقع بشخصيات زائفة غير حقيقية، ولعل العرض بفكرته تلك ألقى عبئاً كبيراً على الممثلين الذين تحركوا بانضباط إيقاعي شديد وفعل متقن في عملية التسليم والتسلم.

حمولة النص

أما مسرحية «نصف ليلى»، فهي لا تستند إلى حكاية تقليدية ببداية ونهاية، فقد تخلصت المخرجة من حمولة النص واتجهت نحو التجريب والرمزية والعبث في بعض الأحيان، حيث كانت الصورة والصوت والإضاءة والديكور المتنقل الذي يقسم فضاء الخشبة؛ أي عناصر السينوغرافيا هي سيدة الموقف والبطل الحقيقي للعمل، وذلك أعطى مساحة واسعة لإظهار حركة الممثلين وبراعتهم لتبرز الممثلة أماني بلعج بصورة شديدة الروعة، خاصة أن العبء التجسيدي الأكبر يقع عليها، إذ ظهرت بشكل حركي لافت، وكذلك بقية الممثلين الذين شكلوا مع بعضهم لوحة بهية تضاف إلى لوحات العرض المتنوعة والمتعددة.

العرض يركز بشكل أساسي على الإنسانية في واقع متغير، فالتحولات الكبيرة تؤثر في البشر خاصة في عصرنا الراهن، ويتم إسقاط ذلك الأمر على امرأة تعيش وحيدة في ظل صراع مرير بين واقعها القاسي وعالم أحلامها المجهض، تقضي سحابة يومها في مناجاة نفسها بصورة درامية مؤثرة، وتستدعي سيلاً من الذكريات عن الذين مضوا وتفرقت بهم السبل من أحباب، كما يطل العرض على عوالم مثل الحب المفقود والطموحات المجهضة، حيث يستعرض العمل حالة من التشظي النفسي، إذ تحاول الشخصية لملمة بقايا أحلامها وسط ضغوط محيطها.

أحداث العرض تدور في منطقة رمادية تتجاذبها ثنائية الواقع والخيال ما بين ما هو حقيقي وكائن وما بين ما تتمناه بطلة العمل «ليلى»، وهنا تكمن براعة عنوان العمل «نصف ليلى»، فهذا «النصف» المذكور في العنوان رمز لعدم الاكتمال أو الحياة المنقوصة وكذلك للتشظي النفسي الكبير الذي تعانيه هذه المرأة، وتتخيل امرأة أخرى تتحدث معها بصورة صراعية تكشف عن حياة مأساوية، حيث إن العمل يتناول مواضيع تمس معاناة الفرد وتطلعاته المقموعة في عالم اليوم، وبصورة ربما أكثر خصوصية ناقش كذلك قضية المرأة والقمع الذكوري بصورة مختلفة بمنهج تفكيكي يبحث عن ما وراء ذلك القمع.

رؤية بصرية

قدمت إلهام محمد رؤية بصرية متكاملة في سياق معالجتها للنص، وفرضت رؤيتها من خلال الاعتماد على التعبير الحركي لتعميق هذه الحالة النفسية التي تمر بها البطلة وقد تم تجسيد ذلك من خلال سينوغرافيا تعتمد على الرمزية وحركة الممثلين التعبيرية وطرح تساؤلات وجودية عبر العلامات والإحالات، حيث صممت المخرجة فضاءً مسرحياً لا يمثل مكاناً واقعياً «بيت أو شارع»، بل يمثل دواخل البطلة، واستخدمت قطع ديكور رمزية وإضاءة تلعب دوراً درامياً في تقسيم خشبة المسرح إلى عوالم متداخلة بين «الواقع» و«الحلم»، مما خلق مقاربات جمالية مبتكرة.

عملت المخرجة على تفكيك الحكاية لصالح الحالة من خلال التخلص من القيود الزمنية والخطية، وبدلاً من عرض الأحداث بترتيبها المنطقي، ركزت إلهام على تكثيف اللحظات الشعورية، وهذا الأسلوب جعل الجمهور يعيش «حالة» الضياع والتشتت التي تعانيها ليلى، مما جعل المتلقي شريكاً في هذه الحالة الشعورية، إذ غلبت الرؤية التجريدية، والاستعانة بالصورة والرمز، على الكلمة، وعلى الرغم من أجواء الغموض إلا أن العمل وجد تجاوباً كبيراً من قبل الجمهور.

علاء الدين محمود – الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!