أخبار مسرحية

توقيع كتاب «أحمد الجسمي..السفير فوق العادة»

«بابا»..عرض جمالي يقارب الفلسفية

شهد مسرح «مؤسسة العويس الثقافية»، في دبي، مساء أمس الأول السبت، عرض مسرحية «بابا»، لمسرح الشارقة الوطني، تأليف وسيناريو وإخراج، محمد العامري، بمشاركة نخبة من الفنانين: أحمد الجسمي، وعبد الله مسعود، وأماني بلعج، وعبد الله الخديم، وحميد عبد الله، إضافة لمحمد الأشتي، كما شهدت الأمسية جلسة حوارية بمناسبة صدور كتاب: «أحمد الجسمي… السفير فوق العادة»، إلى جانب حفل توقيع على الكتاب.

عرض «بابا»، هو من الأعمال المسرحية المميزة لمحمد العامري، بل وربما يمثل محطة مهمة في مسيرة تطور هذا المخرج والكاتب، إذ اتسم العرض بالبساطة والتقليل من استخدام التكنولوجيا بشكل كبير، أو توظيفها بما يخدم فكرة العمل والحالة الدرامية التي اتسمت بالتصاعد، ليترك المخرج المجال للفعل التمثيلي ليبرز بصورة مميزة، مع إضاءة كاشفة تظهر الانفعالات وتعبيرات الوجوه إلى جانب الرقص الأدائي واستخدام لغة الجسد في توصيل معاني العمل، وتجدر الإشارة إلى أن هذا العرض شارك في عدد من المناسبات المهمة على رأسها الدورة 32 ل«أيام الشارقة المسرحية»، والنسخة ال16، من «مهرجان المسرح العربي» في القاهرة، حيث ظل العرض يجد إشادة واسعة، لكونه قد جمع بين النص المميز والإخراج الجريء المبتكر والأداء التمثيلي الذي اتسم بالقوة والانضباط.

حكاية

يتحدث العرض، في قصة عائلية مؤثرة، عن أب يهيمن على أولاده، الذين ماتت أمهم وتركتهم صغاراً، فيقوم هذا الوالد بعزلهم في البيت من أجل تهيئتهم للعالم الخارجي الذي في نظره هو شديد القسوة، ويحتاج بالفعل إلى أن يستعد له الأبناء، ولا يبقى لهم من ذلك الخارج سوى نافذة يطلون عليها، ويرون ما يحدث في العالم من حولهم، وكان الأب خلال ذلك يلقي عليهم الكثير من الدروس حول الأخلاق، وكيفية ألا يقعوا في فخ الحياة في اللحظة التي يخرجون فيها من سجنهم هذا، وكان الأبناء يثقون في أبيهم تماماً، ويطلقون عليه وصف «بابا العملاق الذي حمل العالم بين يديه»، حيث كان الأب يجري تمارين من أجل أن يُكسب أولاده خيالاً قوياً، فكان يصحبهم في حديقة متخيلة، ليعيشوا في عالم خيالي افتراضي منفصلين عن الواقع، والمفارقة تكمن في أن تلك الحياة الافتراضية هي من أجل مواجهة الحياة الواقعية.

لقد ورث الأب ذلك الخوف من الواقع والحياة عن أبيه هو نفسه، فآمن بالخوف كوسيلة للنجاة، وهو يفعل ذلك لمظنة منه أنه يحسن بذلك إلى أبنائه ويجنبهم الشرور والوقوع في الخطايا، وكأن القصة تتحدث عن عزلة الإنسان في العصر الحديث حيث يعيش فرداً بلا سند، وربما يتجسد ذلك الأمر في لحظة رحيل الأب وتركه لأبنائه وهم في حالة من التخبط، وعلى الرغم من الغياب البيولوجي لوالدهم، لكن سلطته تظل قائمة، رغم محاولات التمرد، تبقى وصاياه، وصوته يتردد في أذهانهم ب«أفعلوا ولا تفعلوا».

نقد

العمل يحتشد بالرؤى الفكرية والفلسفية والحمولة النقدية والمتمردة، وربما أن العامري قد صنع حكايته تلك من خلال قراءات متعددة، غير أن من المرجح أنه قد اطلع بصورة أو بأخرى على حكاية الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد مع والده الذي كان يعاني عقدة على خلفية حادثة «تجديف»، ظلت تؤثر عليه، وعلى تربية أبنائه الذين قام بعزلهم عن العالم، خاصة ابنه الفيلسوف سورين كيركغارد، حيث كان والده يمنعه من الخروج واللعب ويقوده من يده، ليقوم برحلة خيالية بالغة الغرابة وهما يدوران في أرض الغرفة، ويصف له الوالد أثناء ذلك بدقة ما يريد الطفل أن يزوره من أماكن، وما يريد أن يتعرف إليه من أشخاص ويتصبب الطفل عرقاً بعد نصف ساعة من بداية هذه الرحلة العجيبة، يعيش الابن في عالم افتراضي لكن خياله يشتعل.


وتصدى العامري للعمل بمقاربات إخراجية مميزة، فالديكور كان بسيطاً هو عبارة عن كراسي ومناضد، وذلك من أجل ترسيخ فكرة الدروس والوصايا التي كان يلقيها الأب، باعتبارها السلطة التي هيمنت عليه، والعالم المتخيل الذي كان يعيشه الأبناء، وكذلك النافذة التي مثلت العلاقة الوحيدة للأولاد بالعالم الخارجي، وجاء الأداء التمثيلي الرائع، خاصة الأب، الذي قام بتجسيده أحمد الجسمي.

سبق العرض جلسة حول كتاب «أحمد الجسمي… السفير فوق العادة»، جمعت بين مؤلفه المسرحي والكاتب عبد الإله عبد القادر، والممثل الكبير أحمد الجسمي، حيث قدم عبد القادر إضاءة حول الكتاب الذي جاء ضمن سلسلة «أعلام من الإمارات»، وصدر عن مؤسسة العويس الثقافية هذا العام.
وتناول عبد القادر مسيرة الجسمي وأهم المحطات والمنعطفات فيه وبداية علاقته الشخصية به، وأميز العروض التي قدمها خاصة مسرحية «النمرود»، حيث أوضح عبد القادر أن الجسمي يعد من القامات الكبيرة في المسرح الإماراتي والعربي، حيث عرف بالتنوع في إنتاجه المسرحي وفي المنصات والمؤسسات المسرحية التي قدم فيها أعماله، وكان يضيف في كل عمل له شيء جديد وأدائية مختلفة وإبداع متميز.

بينما تحدث كذلك الجسمي عن جوانب من مسيرته الفنية وقدم إضاءات حول الحراك المسرحي الإماراتي، حيث أشار إلى أن هذه الاحتفالية هي عرس وكرنفال فرح بالنسبة له.

ووصف الجسمي، عبد الإله عبد القادر بالفنان والمسرحي، حيث إن علاقة قوية جمعت بينهما منذ أمد طويل أسهمت في إنعاش المسرح المحلي عبر عروض وأعمال قدماها معاً.

وذكر الجسمي أنه بدأ علاقته مع عبد القادر منذ أن كان ممثلاً مبتدئاً، في مسرحية «حكاية صديقنا بانجيتو»، وهي من تأليف ازفالدو دراكون، واستمرت هذه العلاقة حتى هذه اللحظة بصدور هذا الكتاب.
ولفت الجسمي إلى أنه من الرائع والجميل، أن يتم تكريم الفنان وهو ما يزال على قيد الحياة، حيث إن مثل هذا الكتاب هو بمكانة تكريم وإكليل يضعه عبد القادر على رأس الجسمي صاحب الروائع المسرحية الكبيرة.

تكريم

كرم عبد الحميد أحمد، الأمين العام لمجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، وإبراهيم الهاشمي المدير التنفيذي للمؤسسة، عبد الإله عبد القادر، وأحمد الجسمي بمنحهما درعين تقديراً لهما، ولمكانتهما الكبيرة في الحراك المسرحي الإماراتي والعربي، وعقب العرض قام عبد الحميد أحمد بتكريم طاقم العمل المسرحي.

علاء الدين محمود – الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!