ثلاثة عروض بمذاق فكري في أيام الشارقة المسرحية

واصلت مساء السبت فعاليات الدورة الـ35 لمهرجان «أيام الشارقة المسرحية»، حيث شهد «بيت الشعر» في الشارقة تقديم ثلاثة عروض، هي: «أنت لست غارا» وهو من أعمال مهرجان «كلباء للمسرحيات القصيرة»، للكاتب التركي عزيز نيسين وإخراج حميد محمد عبد الله، وعرض «قاموس الاختفاءات»، لجمعية ياس للثقافة والفنون والمسرح من إعداد وإخراج مهند كريم، ومسرحية «سونا» لمسرح دبي الأهلي، تأليف طلال محمود وإخراج مروان عبد الله.
يتكئ العرض الأول «أنت لست غارا» على نص معروف لمؤلف مشهور، له العديد من الأعمال ذات الاتجاه الساخر والكوميدي، التي تحمل الكثير من القضايا برافعة الرمز والدلالات؛ ومن ضمنها هذا النص اللافت والمغري للمسرحيين، حيث يتحدث عن «غارا»؛ الشخص المهمش الصعلوك الذي يعيش مع زوجته عيشة مختلة، إذ إن العلاقة بينهما مفككة ويسودها عدم الاحترام، لكن هذا الرجل يصبح فجأة بطلاً قومياً مزيفاً، ليغدو حديث الناس لدرجة أنهم نصبوا له تمثالاً تذكارياً وسط المدينة، بينما هو في حقيقة الأمر صعلوك تحول بالصدفة إلى بطل قومي.
زيف
النص يتناول بشكل فلسفي ساخر مفهوم «البطولة المزيفة» وحاجة المجتمعات الملحّة لصناعة أبطال حتى لو كانوا من الأوهام، خاصة أن تفاصيل الأحداث جرت في بلدة فقيرة تفتقد إلى القدوة، ويشعر أهلها بأنهم في حاجة ماسة لوجود «بطل»، يخلدون به ذكرى أمجادهم وحروبهم وانتصاراتهم الغابرة، وبدأوا بالفعل في البحث عن أي شخص يمكن إسقاط صفات البطولة عليه، وهنا يظهر غارا، حيث رغب الناس في تمجيده رغم كل الصفات السيئة التي فيه، بل صاروا يقومون بتأويل كل تصرفاته على أنها أفعال بطولية خارقة، تنتهي الحالة بالناس إلى تسمية مدينتهم باسم قريب من اسم البطل غارا، وبناء أسطورة كاملة حوله.
المسرحية اشتغلت على كشف الفجوة بين الحقيقة والأسطورة التي يصنعها الخيال الشعبي أو تفرضها الحاجة النفسية والسياسية، وعمل المخرج حميد محمد، على تقديم رؤية خاصة به، تتمثل النص وتقدم مقترحاً خاصا، فهذا النص قدم في العديد من مسارح الخليج، وكذلك المسارح العالمية، حميد قدم معالجة اتسمت بالبساطة والذكاء في توظيف العناصر الفنية، وهو ما أهله للفوز بجائزة أفضل مخرج في «كلباء للمسرحيات القصيرة»، إذ اتبع منهجاً في تجسيد العمل، بالاعتماد على ثلاثة ممثلين قدموا أداءً متميزاً، وأضفوا بحيويتهم عمقاً على الصورة النهائية للعرض الذي ركزت رؤيته المسرحية على إيصال الفلسفة السياسية والاجتماعية التي يطرحها نيسين حول «صناعة البطل الوهمي»، من دون المبالغة في الزخارف السينوغرافية، مما منح الحوار والأداء المساحة الأكبر.
السخرية كانت حاضرة في عرض حميد، وكذلك الأبعاد الاجتماعية من خلال الحالة الصراعية التي عاشتها الشخصيات الثلاث، والذين شكلوا بطولة جماعية عكست جماليات النص في ما يتعلق بكيفية محاربة الأوهام والأكاذيب، وبالطبع فإن العمل يطل على عالم اليوم خاصة مع الثورة التكنولوجية الكبيرة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي والواقع الافتراضي، حيث صار تزييف الأبطال أمراً أكثر إمكانية عبر رسم صورة ذهنية لبعض الشخصيات والتعامل معها كرمز للبطولة، فقد انطلق حميد من شغفه الشخصي بالتمثيل، مما جعل رؤيته تركز بشكل أساسي على إدارة الممثلين وتفجير طاقاتهم الأدائية فوق الخشبة، وهو ما انعكس في التناغم الواضح بين فريق العمل.
تأويل ومحاكمة
العرض الثاني «قاموس الاختفاءات»، يستند هو الآخر إلى عمل إعدادي مجمع من عدد من المصادر، ولكن بشكل أكبر عن رواية «مواعيد قرطبة»، للكاتب د. وليد سيف، وتولى مهند كريم مهمة كتابة السيناريو والإخراج المسرحي، وذلك شكل فني صار ملازماً للمسرحيات التي يقوم بإخراجها كريم، ولكن ميزة هذا العمل أنه لا يقدم عرضاً تاريخياً بالمعنى السائد، بل يعمل على انتقاد ومحاكمة الكثير من الوقائع والأحداث والشخصيات التاريخية التي قامت بأفعال لا يزال أثرها ماثلاً في العالمين العربي والإسلامي، لذلك فإن العرض هو عبارة عن رحلة بين الماضي والحاضر، يمارس فعل التفكيك والتحليل والتأويل بما توفر من مراجع ومخطوطات احتشدت بها مطوية العرض.
تدور قصة العرض حول إعداد سجل طويل من العناصر والرموز الحضارية التي اختفت عن حياتنا العربية، ودور بعض الشخصيات وتورطها المباشر في ضياع الأندلس، واستمر العمل لمدة تجاوزت الساعة، و احتشدت في العرض كل عناصر العمل المسرحي مع التركيز الكبير على السينوغرافيا من إضاءة وديكور يعمق من الحالة الدرامية، وكذلك المؤثرات الموسيقية، لكن أكثر ما ميز العمل هو اشتغالات الممثلين، والذين استطاعوا أن يقدموا أدائية عالية وبذلوا جهوداً جبارة في عرض طويل.
استعان كريم، ضمن مقارباته الإخراجية، بخلفية شارحة للعديد من الأحداث التاريخية، حيث تجول العمل بين أزمنة مختلفة، وقدمت هذه الخلفية الكثير من التعريفات، لكنها لم تكتف بذلك فقط، فقد وظفها المخرج في تفسير بعض الحالات وإجراء المقارنات الجمالية في عرض قدم العديد من اللمحات التاريخية من دون تزييف بل كما جرت تماماً، فالعمل كان بمثابة منصة للمحاكمة، ووظف كريم الكثير من العلامات التي تحتاج إلى تأويل من قبل القارئ، إذ إن العمل الذي اتجه نحو التجريب لم يقدم قصة تقليدية ذات بداية ونهاية واضحة، بل يعتمد على مشاهد رمزية متصلة ومنفصلة تعكس واقع الإنسان المعاصر وتشتت علاقاته.
لعل الملاحظة الأبرز في هذا العرض الذهني، هي أنه قدم كثيراً من الرؤى الفلسفية والبذل الفكري الذي يغوص عميقاً في طبيعة الظواهر جهة تفسيرها لصالح اليوم والمستقبل، لكن كريم برع كذلك في تقديم رؤية بصرية متميزة من خلال التحكم في الفعل السينوغرافي وإدارة عملية التمثيل باقتدار كبير، إذ إن عملية التنقيب والتأويل كانت عبر أدوات المسرح نفسه، من خلال صنع تشكيلات جمالية غاية في الروعة مما عمق من الحالة الفكرية، كما ترك العرض الكثير من الفجوات التي هي في انتظار المتلقي ليردمها بتأويله وتفسيره الخاص.
حالة حصار
العرض الثالث «سونا»، يحكي عن ثلاثة أشخاص يلتقون صدفة في مكان هو عبارة عن حمام بخار «سونا»، فيتحول هذا الفضاء إلى ساحة للحوارات الساخنة والمحمومة بين أربع شخصيات لكل واحد منهم منطلقاته الفكرية التي لا يحمل أدنى استعداد للتنازل عنها، وهنا تبرز الدلالة الفكرية للعمل، حيث إن هذه الحوارات والتي قدمتها الشخصيات المجتمعة في ذلك المكان هي في حقيقتها الخطابات الفكرية التي شكلت التيارات الفكرية من رأسمالية واشتراكية وتحررية ورؤى محافظة، وهنا تكمن براعة المخرج الذي استعان بفضاء ساخن ملتهب لعرض هذه الرؤى الفكرية، فالمكان يحاصر الأشخاص بلهيبه، وكذلك هم أنفسهم حاصروا بعضهم بعضاً بالرؤى المتناقضة.
كانت فكرة العرض غير تقليدية، واستعان عليها مخرج العرض كذلك بفضاء غير تقليدي، حيث عمل على الخروج عن العلبة الإيطالية، وجرت الأحداث في البهو الخارجي المفتوح داخل مبنى «بيت الشعر»، من أجل كسر الجدار الرابع وإشراك المتلقي في اللعبة المسرحية المراوغة والغريبة، وبالفعل في تجاوب الجمهور كثيراً مع العرض الذي لم يركن الحضور إلى الملل من خلال الحركة المتواصلة وحيوية المواضيع المطروحة، حيث جاء الأداء التمثيلي بصورة متقنة بما شكل إضافة كبيرة للعرض.


الخليج



