حاتم علي: من الجولان إلى الدراما العربية

خمس سنوات مرّت على رحيل المخرج السوري الكبير حاتم علي، ولا يزال اسمه حاضراً بقوة في الذاكرة الثقافية العربية، بوصفه واحداً من أبرز المبدعين الذين أعادوا للتاريخ نبضه الإنساني، وللدراما العربية معناها العميق ودورها التنويري. فحاتم علي لم يكن مجرد مخرج، بل مشروعاً فنياً وفكرياً جعل من الدراما مرآة للإنسان، ومن الحكاية موقفاً، ومن الصورة أداة وعي.
ورحل حاتم علي جسداً في القاهرة عام 2020، لكن أثره بقي حياً في وجدان الجمهور والنقاد، الذين وجدوا في أعماله ما يتجاوز الترفيه إلى مساءلة الهوية والحرية والعدالة، في مواجهة الاستبداد والقمع. وكما تشير وكالة الأنباء السورية «سانا»، فإن تجربة حاتم علي الإبداعية أكدت أن الغياب لا ينهي سيرة من صنع الفن رسالة، والتاريخ حواراً مفتوحاً مع الحاضر.
وُلد حاتم علي في الثاني من حزيران عام 1962 في الجولان السوري المحتل، وحملت طفولته المبكرة جرح النزوح الأول، حين انتقلت عائلته إلى دمشق عقب احتلال الجولان عام 1967. تلك التجربة القاسية تركت أثرها العميق في وعيه الإنساني والفني، وظهرت لاحقاً في انحيازه الدائم للمقهورين والمنفيين في أعماله الدرامية. درس التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وتخرج عام 1986، قبل أن يبدأ مسيرة فنية متعددة الجوانب جمع فيها بين التمثيل والإخراج والكتابة الدرامية والقصصية.
وشكّل انتقاله إلى الإخراج في منتصف التسعينيات محطة مفصلية في مسيرته، حيث قدّم أعمالاً تلفزيونية وسينمائية حصدت جوائز عربية مهمة، ورسّخت حضوره كمخرج استثنائي. وبرز اسمه على نطاق عربي واسع من خلال أعمال تاريخية كبرى، مثل «الزير سالم» و«صلاح الدين الأيوبي»، التي أعادت تقديم الشخصيات التاريخية بوصفها كائنات إنسانية نابضة بالصراع والأسئلة، لا مجرد رموز جامدة.
وتميّز حاتم علي بقدرة لافتة على إعادة كتابة التاريخ بصرياً، فقاد مشاريع درامية كبرى تناولت محطات مفصلية في الذاكرة العربية، كما في ثلاثية الأندلس، ومسلسل «عمر بن الخطاب»، إضافة إلى أعمال اجتماعية وتاريخية عميقة، في مقدمتها «التغريبة الفلسطينية»، الذي يُعد من أكثر الأعمال الدرامية العربية تأثيراً على المستويين النقدي والجماهيري، لما قدّمه من سرد مكثف لنكبة عام 1948 وما تلاها من تهجير ومعاناة.
ولم يكن حاتم علي منفصلاً عن واقعه، بل ظل وفيّاً للإنسان وقضاياه، رافضاً تزييف الحقيقة أو التماهي مع القمع. ومع اندلاع الأحداث في سورية عام 2011، غادر البلاد في موقف واضح رافض لممارسات النظام البائد، ليعيش تجربة المنفى الثانية في حياته، بعد نزوح الطفولة، مؤكداً في مسيرته أن الحرية شرط أساسي للإبداع، وأن الفن لا ينفصل عن الكرامة الإنسانية.
ورغم خروجه من سورية، واصل حاتم علي نشاطه الفني، ولا سيما في مصر، حيث قدّم أعمالاً لاقت صدى واسعاً، منها «الملك فاروق» و«أهو ده اللي صار». وكان مسلسل «قلم حمرة» من أكثر أعماله جرأة، إذ سلّط الضوء على الانتهاكات التي تتعرض لها النساء السوريات في المعتقلات، وهو ما جرّ عليه غضب النظام، ليُفصل من نقابة الفنانين عام 2015. وقبيل رحيله، كان يخطط لإخراج مسلسل عن «السفر برلك» وفيلم عن محمد علي باشا.
وبرفضه الرقابة بكل أشكالها، وإيمانه بأن حرية التعبير معيار حقيقي لوعي المجتمعات، استطاع حاتم علي أن يجمع بين القيمة الفنية والجماهيرية، ليبقى اسمه حاضراً في وجدان المشاهد العربي كأحد أكثر المخرجين تأثيراً في الدراما العربية المعاصرة.
ولا يزال رحيله يثير حزناً عميقاً في الأوساط الثقافية والفنية. فقد كتب عنه أدباء وفنانون عبارات تفيض بالوفاء، حيث وصفه الكاتب سعد الله ونوس – كما نقلت «سانا» – بالمبدع النقي والحر الذي لم يتخلَّ يوماً عن انحيازه للإنسان والحرية. وشبّه الفنان عبد الحكيم قطيفان رحيله بعيداً عن وطنه بتغريبة السوريين القسرية، فيما كتب الفنان مكسيم خليل عبارة تختصر مكانته حين قال: «قليلون من يعبرون عبور حاتم».
وفي فجر التاسع والعشرين من كانون الأول عام 2020، رحل حاتم علي عن عمر ناهز 58 عاماً إثر أزمة قلبية مفاجئة في أحد فنادق القاهرة، حيث كان يستعد لعمل جديد. ودُفن في دمشق كما أوصى، ليغلق الدائرة بين الحياة والفن، ويترك خلفه إرثاً إبداعياً سيظل شاهداً على أن الدراما يمكن أن تكون فعلاً إنسانياً مقاوماً للنسيان.
صحيفة العرب



