أخبار مسرحية

“حفلة الكاتشب” مسرحية مصرية تسخر من “ديوك العالم”

مدرسة سمير العصفوري تورط الجمهور المصري في لعبة البازل

ملخص

يقدم فريق “مسرح الغد” في القاهرة العرض المسرحي “حفلة الكاتشب”، وهو نتاج ورشة تدريبية أقامها المخرج الرائد سمير العصفوري، تأليف وأشعار محمد زناتي، إخراج أحمد صبري. والعرض تتعدد قراءاته وتأويلاته، ويشرك جمهوره في إعادة تجميع نثاره وشذراته، ليخرج بالقراءة التي يراها.

عندما تدخل قاعة “مسرح الغد” في القاهرة (البيت الفني للمسرح – وزارة الثقافة) لن تجد سوى مساحة فارغة محاطة من الجهات الثلاث (الرابعة مفتوحة على الجمهور) بأقمشة بيضاء، أمامها عدة مصاعد خشبية، وفي مستوى أعلى حبل غسيل وشاشة تعرض مادة فيلمية مشوشة عن الحرب، وفي المقدمة منضدة صغيرة ومقعدان، فضلاً عن بعض الموتيفات المنثورة هنا وهناك.

هذا هو الديكور (تصميم محمود حنفي) الذي يبدو غريباً، وربما أحالك إلى أجواء بعينها، وربما لم يحلك، لكنه، في كل الأحوال، يهيئك لمشاهدة عرض يبني قواعد ويهدمها، يأخذك إلى طريق ويتركك في منتصفه، يصنع فجوة ويدعوك إلى سدها.

العرض عنوانه “حفلة الكاتشب” وهو نتاج ورشة تدريبية أقامها المخرج الرائد سمير العصفوري، الذي وضع الفكرة، وقام بصياغتها وكتابة أشعارها محمد زناتي، وأخرجها أحمد صبري.

نص العرض مراوغ، وحمال أوجه، فيه إسقاط على هنا والآن، وما يحدث في العالم وعلى مقربة منا، هو نص اللحظة التي نعيشها، لكنه نص ثعباني، إذا جازت التسمية، لا يسلم نفسه من اللحظة الأولى، ويحتمل تأويلات عدة، كل يفسره على هواه، وبحسب وعيه وثقافته، خلطة من التجريبي على العبثي على الواقعي، وكل هذا مقصود بالتأكيد، وتبعاً لذلك فدراما العرض هنا لا تكمن في التصاعد أو الصراع، لكنها في الأجواء نفسها، التي جاءت على قدر من التشظي، حاملة كثيراً من السخرية المرة، أو إن شئت الدقة المسخرة، مسخرة العالم المتوحش وغير الإنساني، الذي نحياه، وهي، في كل الأحوال، ينتظمها خيط خفي يتطلب جهداً من المشاهد للإمساك به.

لعبة البازل

 لا حكاية واحدة أو محددة في العرض، كلها شذرات من هنا أو هناك، وعلى المشاهد أن يعيد تجميعها وتركيبها، كما لو كان أمام لعبة البازل، ثم ينظر فيها، في النهاية، ويفسرها بمعرفته، وكل قراءة هنا جائزة.

يبدأ العرض بالكاتب الذي يريد أن يكتب مسرحية، وهو في حيرة من أمره، عن أي شيء يكتب، ويتلقى اقتراحات عدة من الممثلين، ثم يستقر على كتابة “حفلة الكاتشب” والعنوان هنا له رمزيته الواضحة، فهو دليل سيطرة القوى الكبرى على العالم، وفرض ثقافتها وهيمنتها عليه، وهو كذلك، بلونه الأحمر، رمز لدموية هذه القوى وتوحشها، وتغذيتها للحروب هنا وهناك، وكله من أجل إحكام السيطرة على مقدرات الشعوب ونهب خيراتها.

إن هذه القوى، التي تتغنى بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، هي صانعة الديكتاتوريات في العالم، وهي تحول ذلك “الديك” الذي يفرض سيطرته على شعبه بالحديد والنار، إلى مسخ ولعبة تتقاذفها على هواها، لدرجة أنها تجعله يضع البيض “يبيض” كأي دجاجة، مما يذكرنا بشجيع السيما في أوبريت “الليلة الكبيرة” الذي كتبه العبقري صلاح جاهين “أنا شجيع السيما أبو شنب بريمة، أول ما أقول عالي هب، واصرخ لي صرخة، السبع يتكهرب ويبقى فرخة”.

إن مشهد الديك الذي يضع البيضة لهو تعبير ساخر وذكي عن وضعية أولئك الحكام، منتفشي الريش، أمام شعوبهم، وكيف أنهم، أمام صانعيهم، مجرد دجاجات يتم تربيتها للحصول على لحومها وبيضها، وكذلك لحوم وبيض شعوبها، وفي النهاية، وعندما تؤدي الديوك المصنوعة مهمتها على أكمل وجه، يتم التضحية بها، وتنصيب ديك جديد، وهكذا تدور الدائرة، وهو ما يؤكده الواقع بشيء من التأمل، فخلف كل قيصر يموت، كما يقول أمل دنقل، قيصر جديد، لكنهم هنا ليسوا قياصرة، هم مجرد دواجن.

هي إذاً “شريعة كوكو” كما جاء بالعرض، تلك الشريعة التي تحول الجميع إلى إناث، فلا ذكر في العالم الآن، بحسب العرض، سوى ذلك المتعجرف صاحب القوة المطلقة، الذي يمسك كل الخيوط بيديه ويحرك بها الدمى كيفما شاء.

تبدو المشاهد المعروضة على شاشة السينما في المستوى العلوي، وعلى رغم تشوشها المقصود، وكأنها مشاهد من الحرب العالمية الثانية، ربما أراد مخرج العرض أن يبدأ بها، وكأنه يحيلنا إلى تاريخ بعينه، بدأت بعده سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على العالم، وأعادت تشكيله ورسم خرائطه على هواها ووفق مصالحها، وربما ما يفعله دونالد ترمب الآن، خير شاهد على ذلك.

كما تبدو الأزياء الغالبة على العرض (تصميم خلود أبو العينين) وهي عبارة عن أرضية بيضاء عليها نقاط سوداء وحمراء، كما لو كنا أمام مجموعة من الأبقار التي يتم حلبها وتوجيهها حسب رغبة القوى المسيطرة، وكلها علامات متناثرة هنا وهناك.

الحقيقة الغائبة

هذه واحدة من القراءات التي ربما لا تكون الوحيدة أو النهائية، وتلك أظنها واحدة من ميزات العرض، فالحقيقة، وعلى لسان إحدى الشخصيات، في العرض نفسه، غائبة وغير ممسوكة، مما يفتح باب التأويل والاجتهاد واسعاً، وما يتيح مساحة واسعة كذلك للعب، غير أن العرض، الذي اتفق ضمنياً مع المشاهد على قاعدة اللعب، تلك التي تلمح ولا تصرح، تجرح ولا تسيل دماً، عاد في النهاية، وكأنه لا يثق في وعي جمهوره، ليكشف أوراقه كاملة، في استعراض الفينال (ألحان أحمد الناصر) ذلك الذي يبشر الكتاكيت الصغيرة بأنها ستكون صواريخ العصر القادم، ويشير إلى أن اللعبة مكشوفة والقصة معروفة، ويخاطب ديوك العالم بأنهم ديوك القهر، وذلك في مخالفة، غير فنية، لقواعد اللعبة، وهو ما يؤخذ على العرض، الذي لم يغلق على السؤال كما بدأ حتى لحظته قبل الأخيرة.

ضم العرض مجموعة من الممثلين أصحاب الخبرة، مع مجموعة أخرى من الشباب الجدد، نجح المخرج في توظيفهم بشكل جيد، فلا أسماء، في الغالب، ولا شخصيات محددة، ولا حتى أنماط بعينها، كلها مراوحات، بين هذه وتلك، وهو ما يتسق ومنطق العرض وطريقة بنائه، ويتيح تلك الدرجة من الغموض واللامنطق التي تسم الأحداث، وهو ما يتطلب وعياً وحساسية خاصة من الممثلين، الذين تم اختيارهم بعناية، ومنهم ضياء زكريا وفكري سليم ووليد فوزي ومحمد العشماوي وعمرو أحمد وهبة شبل وياسمين أسامة وريهام علي وديما هيجر ومونيكا وحيد وسهيل راجح وساندرا سامح وأحمد أبو الحسن وأبو بكر حسين.

“حفلة الكاتشب” يقدم رؤية فلسفية لعالمنا المعاصر، عرض كثير الأسئلة، يجعل من المشاهد شريكاً في إنتاج الدلالة، يورطه في المأساة الكونية التي يحياها، يحاول إرشاده إلى المكان الصحيح من دون أن يوفر له وسيلة انتقال، هو فقط يحفزه على الحركة، على الفعل الإيجابي، لا يمنحه سمكة، كما يقولون، ولكن يعلمه الصيد، وإن لم يكتسب صناع العرض سمة الصبر التي يعلمها الصيد، وأسرعوا في النهاية بالتصريح بديلاً عن التلميح.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!