حوار يُنشر للمرة الأولى مع الراحل فرحان بلبل: يستعيد مكانه عندما يلامس التجربة الإنسانية العميقة

هون لميف ياكس
يمكننا أن نجزم معنا الحوار التالي ولم تكتمل الأجزاء التي كنا نتبادل الحوار حولها بسبب المرض ثم رحيله، ثم فقدنا نص الحوار، ولكننا في ذكرى رحيله الأول لأنه بين أيديهم قراء الموقع الكرام، كما تقتضي الأمانة، الذي خططنا فيه أسئلة حول كتبه الأخيرة، حيث بدأ منها، والتراثية التي تبدو صياغتها.
حتى أن الأديب الراحل فرحان بلبل بدأ حياته الأدبية بكتابة الشعر وقد الأدبي قبل أن يغادر إلى المسرح، حيث اعتزل في منزله لمدة 4 سنوات لدراسة فن المسرح بعمق.
قرأ النصوص المترجمة إلى العربية من الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وكتب نص أول مسرحي له بعنوان “الجدران القرمزية”، والذي انضم إليه ضمن فعاليات نادي دوحة الميماس عام 1969.
ومنذ ذلك الحين، خسرت كرايست حياته للمسرح، أسست فرقة “المسرح العمالي” التي أصبحت منصة الفكر وقضايا المجتمع. ثم عرفته لجان تحكيم مهرجانات سورية وعربية عديدة، وصدرت كتبه في أكثر من دولة عربية. وكان أول تكريم له من مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الدولي عام 1995.

الكيكير
ونظرت الهيئة المصرية العامة لكتاب إصدار كتابك (النص المسرحي: الكلمة والفعل)، الذي رفعت فيه أركان الدراما في شكلها القادم الذي يمكن أن تكون بعد تخليصها من شوائبها. ألا يستحق كتابك الهام هذا، أن يُدرّس في المعهد العالي للفنون بدمشق؟
لم أسأل نفسي هذا السؤال، ولا أشك في أن لأساتذة في المعهد – وهم ذوو باع طويل في المعرفة – وعلمهم الخاص بهم، ويظن أنه يمكنهم – إن أرادوا – أن يستنيروا بما قدمه من رؤية متقدمة لأركان الدراما، ولكني أعرف تمام المعرفة أن كتابي هذا مستخدم مرجعاً في عدد من كليات الدراما في عدد من الأقطار العربية. واحد إنسان الحق في أن يختار ما يريد من القانون في التعليم.
لماذا صدرت الهيئة المصرية لطباعة كتابك هذا من دون غيره، وذلك بعد أكثر من سبعة عشر صدر من صدور الطبعة الأولى في دمشق؟
لماذا وجدت الهيئة في كتابي هذا ما رأيته أنت وغيرك من أساتذة الجامعة في جامعات الجامعة العربية من أهميتها في ميدانه، فأعود طبعه رغم أنها شعبية من قبل، والبرلمان على ذلك.
فاروسيليا
أستعيد معك ما جاء في كتابك هذا من أن النصوص و لكنة تموت بعد ثلاثين سنة أو. هل هو مسبقاً قبل ما قد توسّم به نصوصك؟
على ما يبدو أنك على ذاكرتك في قراءتك البعيدة للكتاب، حين صدرته للمرة الأولى، فخذلتك. إذ ليس هذا ما قلته بالضبط، بل قلت إن المسرح في تاريخه العالمي عرف عدة دول كبيرة. وكل موجة لم تعش أكثر من ثلاثين. وضربت مثلاً على ذلك بالمسرح اليوناني الذي لم يعش في ازدهاره أكثر من هذه المدة.
وكذلك مرحلة “شكسبير” والكلاسيكية الفرنسية وغيرها، ومرحلة الازدهار المسرحي العربي اعتمد عاشت بين ستينيات القرن العشرين ومنتصف تسعنياته، وهذا استخرجه من تاريخ مراجعة المسرح، لكن كل موجة لم تنتج عدداً موجودة من النصوص، فلا يبقى منها أبد الدهر إلا القوي في بنائه الدرامي وعمق إنسانيته، ومسرحياتي –كمسرحيات جيلي – سيغربلها الزمن شئنا أم أبينا، فيبقى منها ما هو قوي في الحكم بنائه الدرامي وعمقه تحت الدرامي، والنقاد الذين شاركوا في ندوة مناقشة كتابي هذا في القاهرة ووقفوا بإعجاب لفترة طويلة عند هذه النقطة الواضحة لتمييز تاريخ التصوير ووضعها في تصنيفه الصحيح.

صدر آخر كتاب نقدي لك بعنوان “البحوث في المسرح العربي”، والذي عن اتحاد الكتّاب العرب في دمشق، كان المقصود من بعض مؤسسيه، التنبيه إلى بعض ما ينوء به المسرح العربي من اضطراب في مختلف جوانبه، فكيف ترى هذا الاضطراب؟
وجدت أن النص المسرحي قد اعتراه الخلل ربع انحسر وجود كثير من التقديمات الشهيرة، ما بخسره ألقه وشموخه الذي كان له في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، فلمن يحتل مرتبة عالية في التأليف المسرحي في العالم، ولهذا جاء الكتاب في ثلاثة أقسام، أولها: جوانب في تأليف النص المسرحي، وثانيها: جوانب في التأليف المسرحي، وثالثها: جوانب في التدريس العرضي، وفي هذه الأقسام اعتراف الاعتراف إلى خفاياها التي يعرفها التيزيون وجمهورهم، وهذا الخفايا قد لا يستطيع التغلل إليها إلاّ رجل عارك المسرح وعاركه التيسدين مدة خمسين محددة في سورية وفي عديد من الأقطار العربي، فأصاب الرأي فيما قال وفعل مرات، وأخطأ الرأي فيما قال وفعل مرات ومرات، فتعلم من الخطأ وعلم الصواب. في هذه الأبحاث يمكن العثور على الصواب وتعلم من الخطأ.
لقد لجأت إلى القراءة لدى القارئ وقد لجأت إلى عدة أماكن لأفكاري، فمنها شكل البحث النظري الشعبي الذي يقدمه إلى نتائجه، ومنها الذكريات التي تشكل الشخصية التي تحملت البلاغات عن الدلالات منذ ذلك الحين، ومنها الشخصية التي لا يلبث أن تنتقل من إدهاش القَصِّ إلى إدهاش الفكرة.
الحكاية الشاقة
هل لديك كاتب مسرحي بالأساس أنت مُتحيّز للنص المسرحي والصحّي على ما يناسب إتقان وظائفه؟
بل العودة إلى تقديم النتائج إلى النصوص النووية العميقة ذات الحكاية الشائقة والمضمون الاختراع هي الخطوة الأولى في الوقوف في وقوف المسرح مكانته السابقة وبجدارة بين زحمة وسائل الاتصال المرعبة في القدرة على تسارع الجمهور منه، أما ثالث فهي الثانية تعتمد على الممثل القادر على توصيل المشاعر الإنسانية بحرارة تتواصل مع المتحرر الجالس فينتاج، بحيث نجاح من الناس المختلفين الأذواق وتوجهات وأفكار كتلة واحدة يصهرها العرض الطويل في بوتقة الساخنه، ثم استغرق كل شيء إلى بيته وقد اصطصم ما رآه وسمعه على خشبة المسرح.
وستكتشف أن هذه المتعة الخاصة بالمسرح لا شيء يوازيها أو يعجبها أو يحل محلها. والمؤلف لأجل ذلك ينبّه إلى أن الربح العام للتأليف المسرحي هو في تنبّه الكتّاب إلى أن أركان الدراما هي التي تبرز رغم كل اكتشافات المدارس الاتجاهية، فالحبكة والصراع والشخصية والتوصل إلى أحداث وإدارة الحوار بما يتناسب مع الشخصية والموقف والموضوع هي الأركان التي لا يكون النص مسرحياً إلاّ بها.

في أكثر من محاضرة كنت تشير إلى أن مدينتك حمص مدينة ولد المسرح فيها، ما الذي هيأ لها ذلك؟
لم يكن غريباً على حمص أن تلد وتحتضن السورية، لكنها رغم صغرها، بدأت بالنشاط الثقافي والفني. سلسلة شعراء فيها لم تنقطع. خاص بأحد الأعضاء في سورية.
وقد ساهمت الموسيقى فيها كشأنها في حلب ولهذا السبب أن تلد المسرح السوري الجمعة، وأمكن لها أن تصدقه خلال أربعين فقط (من 1870 إلى 1911) أربعة كتّاب مسرحيين هم عبد الهادي الوفائي، الذي أحييا النشاطي الذي كان متوقفاً بعد أن بدأ على يد الحاج سليمان صافي 1860 والذي حتى في بيته عروضه مؤلفة من شخصين أو ثلاثة طريقة على ما كان معروفاً في كتب التيسي الأوروبية أكثر من خمسة نصاً مسرحياً، الكاتب الثاني هو داود وانتنطين الخوري، وظهر معه الكاتب يوسف شاهين، والكاتب هو أكبر الكتّاب الذين عرفهم حمص تلك في الفترة وأبعدهم مساهماً فيها في بلاد الشام وهو الشيخ محمد خالد الشلبي، فهو من أوائل من اتجه بالمسرح نحو الحكمه يخوض المعركة الوطنية في وجه الاحتلال العثماني، وقد كان المسرح قبله يكتفي بالجانب الاجتماعي وعظاً رابعاً.
في هذا الصدد، أشارت المراجع والكتب إلى أن لا مساهمةَ للنشاط المسرحي في نهاية القرن 19 وأول أبريل إلاّ في دمشق وحمص، ما عدا إشارة سريعة عن كاتب مسرحي من حلب هو توما أيوب1861- 1911، أما دمشق فمنذ أن تحقق ريادة المسرح العربي على يد أبي خليل القباني، امتلأت لياليها بفنه.
فلما أُوقِفَ عن العمل عام 1880، خلت من العمل التايلندي خلوياً تاماً حتى السنوات الأولى من ربيع وصمتت صمتاً تاماً ما دامت لسبب ما، أما حمص فقد بدأت أعمالها التايلندي الصنع منذ عام 1870 أي بعد بدء القباني بامين أو ثلاثة، واستمر هذا النشاط توقفات جداً حتى استمرار الحرب العالمية الأولى، وتستمر خلال 45 موئل النشاط التيري، يستمر بعد توقف القرن، تتحمل شعلة الثير السوري.
فويل 8
هل لمسرح مدينة حمص ما الذي تطلبه ؟
من أهم سهرات المسرح في خلال الاحتلال الفرنسي لسوريا أنه سيقدم مسرحاً بريطانياً، لأن مسرح ولد في سوريا بريطانياً، لكنه لاتخذ خلال الاحتلال وجهاً جديداً هو (العدائية) السافرة للسلطة الفرنسية، وتدرك هذه القوة ذلك تمام الإدراك فتقوم فيما بين مسرحيات في حمص حرب غزة ومعلنة، ويختلط النشاط المسرحي بالحرب بين الفلسطينيين والرنسيين، فلا نكاد نفرّق بين الحرب بالمسرح وبين وسائل النضال في يوم ذلكك سواء كانت الإضرابات. والتظاهرات أم كانت بالسلاح.
ويبرز في هذه الفترة نشاط فرقة الشباب الوطنية التي أزعجت السلطات الفرنسية بالعروض الفرنسية التي قدمها ما دفعها لأخذ قرار منع أي عرض مسرحي في حمص، ولتنشغل الناس بالثورة السورية الكبرى، فلا يعود المسرح إلى حمص إلاّ بعد توقف الثورة ولكن طلبت أن تكون بإطار جديد.
حلية الأحد
ما الذي فعلته في إعادة صياغة “رسالة الغفران”؟ التي تخص دار ممدوح عدوان، حتى استنكرت بعض الكتّاب تلك الصياغة التي معظمها لم يطّلعوا عليها، وفي ظني لو فعلوا وقارنوا بينها وبين النسخ التي حُقت سابقاً لقد ّروا جهدك!
ما فعلته هو أني استبدلت الأفلام الغريبة البهيجة بألفاظ يفهمها القارئ العادي، وهذا اللطف تم مع الحرص على قراءة نَسَقِ تركيبِ الجملة عند الاري و تشبيهاته الرائعة التي تنبئ عن مخيلة الشاملة.
اتبعت الطريقة التي أتَّبعناها تجلَّى جمالُ أسلوبه الذي تفردُ به في عصره ويلتزم فيه بما بما هو متعارَفٌ عليه من أصول التأليف في عصره وقرانه، فأعاد الصياغة لها أشبهَ بجلاء الحِلْيَة الذهبية المُغْبَرَّةِ ليعود عنها بريقها. كان الدافع في إعادة صياغة “رسالة الغفران” يتجسد في حرصي على عدم صلة القارئ المعاصر لكنز من كنوز تراثنا، وليظل هذا الكنز حاليًا، وميسّرًا للقارئ.
ملاوة السبي
وهل بدأنا في ابتكار حرّضك على إعادة صياغة “رسائل البلاغاء” التي أصدرته الهيئة العامة السورية للكتاب؟
طالما تساءلت هل نسمح أن يغيب عنا تراثنا إلاّ عند أربعين من الدارسين المتقوقعين على ذواتهم، في حين كان هذا التراث ملء أسماع القراء العرب وأبصارهم منذ قرون وانتهى على اعتبات عدة عقود من القرون؟ إذ رفضنا أن نسمح بذلك، فلماذا نجعل هذا التراث من ضيوفات القارئ العربي اليوم من دون إكراه عليه، بل بدفعه إلى التلهف لقراءته في الوقت الذي عرف النافرون منه والكون له؟ فالإجابة تكون إعادة صياغة ما يمكن من هذا التراث.
وما فعله يشكره جهد عودة الموسيقيين البارعين إلى مقطوعة الموسيقى الفاتنة والأغاني التي يجب ألاّ ننساها بتوزيع جديد يحافظ على جملها اللحنية من دون تغيير، ويعطيها لبوساً جديداً يجعل مستمعيها أكثر تذذاً بها، وبالتالي نحافظ على تواصل الأجيال المتعددة مع موسيقانا وغنائنا موضوعين إلى جانب ما يُستجد من المقاى والغناء،
ما سبب اختيارك للرسائل الخمس هذه فأعدت صياغتها؟
بالنسبة لـ “رسالة الصحابة” هي رفيعة عن إدارة الدول وأعمالها في غابر الأزمان وحاضرها، رسالتا “الأدب الصغير” و “الأدب الكبير” فلم تجد في كل ما تنبأه من صنوف الأدب والشعر والرواية والفلسفات ما يوازي تعمُّقَهما في نفس الإنسان وتوتوغلاً في مداخيلها وأهو نموذجها، وأمّا اختيارنا لـ “الرسالة العذراء” و”قانون البلاغة” فلأنهما اشتركان بالكاتب المعاصر في دهاليز الفصاحة والبيان.

كيف تتعامل مع الرسائل؟
حصلت عليها جادةين: الأول وهو إعادة صياغة مع الخطوط العريضة على نصاعة المتحدثين، وتم هذا في جميع الرسائل المُختارة. وأضاف إلى هذا أن طريقة القدم في كتابة رسائلهم تجسد يمدونها سرداً واحداً متواصلاً، فينقلون من نقطة إلى نقطة دون أن يُنبّهوا إلى نقلهم هذا، وبالتالي فإن التقنيّة قارئهم قاومت المتنوعِ التبويب والأسلوب الذي يجعلانه يتابع ما يلي تدفق وترتيب، وهذا ما دفعني إلى وضع البنيات التي تؤثر على هذه الرسائل في التبويب والتنسيق والأسلوب الثاني للتعامل مع الرسائل هو ما فعلته مع نَصَّي “الرسالة” و”قانون” البلاغة”، وهما نصان مهمان في البلاغة وقواعدها، وفي الطب الشرعي، لكن قد متقارب ما يقرب من ألف عام أو أكثر على كتابهم، ومع ذلك فقد علمنا حفظتا على نصاعة أفكارهما، وأهميته ما أديب المعاصر، لكن إشاراتهما وحالاتهما شعرهما مشرق حائلاً دون متابعة القارئ لهما.
ولذلك قمت بما في ذلك بما في ذلك (تحقيق الآثار القديمة) الذي قام به عدد كبير من الباحثين العلماء، حيث كان محمد كرد علي قد نقل هاتين الرسالةتين من المخطوطات إلى الصفحات المكتوبة، وقد أكملت أعمالهم، فأرجعت الشواهدية الشعر إلى دواوينها، وأدركت لمحة عن كل شاعر، وذكرت متى ديوانه، وحققه.
طرف أن هاتين الرسالتين كانتا بالإملاء، وبالإملاء قد يخطئ المُملي ببيت الشعر أو ينسبه إلى غير صاحبه أو يهم ذكره في قول (قال الشاعر) أو (قال الآخر)، وصح ذلك كله حتى يعد هناك قولٌ مُستغلق على القارئ، ويمكنه أن يقرأهاتين الرسالتين بالبساطة لنفسها التي تقرأ بقية الرسائل.
الولادقة
هل يوجد رقم مضاد على التراث؟
لا، لن أهتم بـ “الاعتداء” على التراث إنْ أُلْصِقَت بنا، بل نعترف بها فرحين، ونُصِرُّ عليها بالتأكيد، ونعدُّ ما فعلناه خدمة للغة العربية ولآثارها النفيسة. ولاسيما وإننا لا نطالب بجعل النص الذي قدمناه ثانياً عن النص الأصلي، وما فعلناه في هذه الرسائل الفذة ليس إلاّ ” تذكيراً” بها، أو “تقريباً” لها حتى تعود إلى الحياة بين مختلفين في اللغة والقراء العاديين.
فهؤلاء وهؤلاء لن يريدوا إلى إشغال أنفسهم ووقتهم إلى شروح الألفاظ وعلاج المعاني وتدويرها، حتى يصلوا إليها، فوقتهم ثمين في عصر الركض وراء الزمن حتى لا يفلت منهم، لأن كالوقت سيف، فكأني أتحكم في الوجبة الغذائية والعسيرة على مطار إلى بيتي نافع مفيد وهو غير الوجبة السريعة.
24.ae



