أخبار مسرحية

حين يصبح المسرح مشروعاً ثقافياً عربياً في تجربة الهيئة العربية للمسرح وأسئلة الراهن حسن خيون

في الدورةِ الجديدةِ لمهرجانِ الهيئةِ العربيةِ للمسرحِ في القاهرة، انفتحت نافذةٌ كبيرةٌ على فعاليات ملهمة: ندواتٍ فكريةٍ، جلساتٍ نقديةٍ، عروضٍ تستدعي الذاكرةَ وأُخرى تحاول الوصولَ إلى ذائقةٍ متقدمة، عروض حقَّقت الدهشةَ باقترابها من القلقِ الإنساني، وتقديمها لخطابٍ مسرحيٍ معاصر. لكن السؤالَ الذي يتشكَّل عبر نافذةِ المهرجانِ المفتوحةِ على الانشغالِ الفنّي ومستقبل المسرح العربي هو:

أين يقف المسرحُ العربيُّ اليوم؟

والسؤالُ هنا ليس نظرياً أو ترفاً فكرياً، بل ينطوي على شعورٍ صنعته تفاصيلِ العروض نفسها، والندواتِ الفكريةِ وجلساتِ النقد، والنقاشاتِ الجانبية، بل وحتى لغةِ الأجسادِ الحاضرة، والصمتِ الذي يلي نهايةَ كلِّ عرض، حين لا تُقال الكلماتُ ولا تُنزَل الستارة.

والسؤالٌ رافق الدَّورةَ السادسةَ عشرةَ لمهرجانِ الهيئةِ العربيةِ للمسرح، سؤالٌ بنيوي، يزداد ثقله ونحن على أعتابِ عامِ 2026، في زمنٍ تتبدَّل فيه خرائطُ الثقافة كما تتبدَّل خرائطُ العالم، والمسرحُ بالطبع جزءٌ أصيلٌ من التحوُّلاتِ الثقافية التي تظهر ملامحها في كل مكان.

والمسرحُ العربيُّ لم يعد اليوم مجرَّد تجمُّعاتٍ شغوفةٍ بالخشبة، ولا محاولاتٍ فرديةً متفرِّقة، مهما بلغ عمقُ بعضها في البحثِ الأكاديميِّ أو التاريخي. لقد تجاوز، فعليًّا، مراحلَ التأسيسِ الأولى، مستندًا إلى إرثٍ مسرحيٍّ متراكمٍ تشكَّل عبر أسماءٍ وتجاربَ ومحطّاتٍ مفصليةٍ لا يمكن القفزُ فوقها. هذا الإرثُ أتاح له الانتقالَ من الهشاشةِ إلى التنظيم، ومن الفعلِ الفرديِّ إلى المشروعِ الثقافي، ومن اللحظةِ الاحتفاليةِ إلى الرؤيةِ الاستراتيجيةِ طويلةِ المدى.

نحن أمام مسرحٍ عربيٍّ بات يتحرَّك ضمن فضاءٍ أوسع، عابرٍ للحدود، متداخلٍ ومتقاطع، يحمل أفقاً عربياً جامعاً، ويعمل بمنطقِ التراكمِ لا الاستهلاك، وبمنهجِ التخطيطِ لا ردِّ الفعل. مسرحٌ لم يعد يكتفي بإنتاجِ العروض، بل يسعى إلى إنتاجِ المعنى، وبناءِ شبكةِ علاقاتٍ معرفيةٍ ومؤسسيةٍ قادرةٍ على الاستمرار، ضمن بروتوكولاتِ الدول وتحت رعايتها المركزية.

فمنذ أكتوبر/تشرين الأوّل 2007، ومع المبادرةِ المفصليةِ التي أطلقها الشيخُ الدكتورُ سلطانُ بنُ محمدٍ القاسمي، حاكمُ الشارقة، دخل المسرحُ العربيُّ مرحلةً جديدةً يمكننا وصفُها بولادةِ جامعةٍ عربيةٍ مسرحية، ليس بالمعنى الأكاديميِّ الضيّق، بل بالمعنى الثقافيِّ العميق. جامعةٌ واعيةٌ بأهدافها، واضحةٌ في نواياها، وتتحرَّك ضمن مناخِ دعمٍ ماليٍّ مستقرٍّ، أتاح لها الانتقالَ من المبادراتِ المعزولةِ إلى العملِ المؤسسي، ومن المشاريعِ القصيرةِ النَّفَسِ إلى التخطيطِ بعيدِ المدى.

ضمن هذا السياق، لم يعد مهرجانُ الهيئةِ العربيةِ للمسرح مجرَّد تظاهرةٍ سنويةٍ متنقِّلة، بل تحوَّل إلى آليةِ عملٍ ثقافيٍّ مدروسة، تقوم على إعلانِ البلدِ المضيف في ختامِ كلِّ دورة، بما يُرسِّخ مبدأَ التداولِ الثقافيِّ العربي، ويمنح كلَّ دورةٍ امتدادَها الزمنيَّ والمعرفي. كما أنَّ الجائزةَ الكبرى للمهرجان، بقيمتها الماديةِ والمعنوية، لا تُقدَّم بوصفها مكافأةً شكلية، بل كاعترافٍ جادٍّ بالمنجزِ المسرحي، يتعزَّز باحتضانِ العرضِ الفائز لاحقًا ضمن مهرجانِ أيّامِ الشارقةِ المسرحية، في إشارةٍ واضحةٍ إلى منطقِ الاستمراريةِ لا الاكتفاءِ بلحظةِ التتويج.

فمن وجهةِ نظرِ الهيئة، لم يعد المسرحُ فعلاً هامشياً أو نشاطاً ثقافياً ثانوياً، بل أصبح منطقةً استراتيجيةً داخل المشهدِ الثقافي العربي، لا تقلُّ أهميةً عن كبرى المؤسَّساتِ المسرحيةِ العالمية، التي تُدار ضمن هياكلَ صارمةٍ وميزانياتٍ واضحةٍ وخططٍ تمتدُّ لسنواتٍ طويلة، كما هو الحالُ في عددٍ من الدولِ الأوروبية، ومنها بلجيكا، حيث تعمل المسارحُ ضمن سياساتٍ ثقافيةٍ حكوميةٍ مؤسسية. 

غيرَ أنَّ ما يمنح الهيئةَ العربيةَ للمسرح خصوصيتَها الحقيقيةَ لا يكمن في الدعمِ الماليِّ وحده، بل في الرهانِ الثقافيِّ الذي تنطلقُ منه. فهي لا تنظرُ إلى المسرح بوصفه منتجاً فنّياً فحسب، بل كفعلٍ معرفيٍّ، ومساحةِ تفكير، وأداةِ مساءلة. تنظرُ إليه كفضاءٍ لإعادةِ طرحِ الأسئلةِ الكبرى المتعلِّقةِ بالإنسانِ العربي:

 ذاكرته، قلقه، تحوّلاته، تناقضاته، ومستقبله.

بهذا المعنى، لا تكتفي الهيئةُ بـدعمِ المسرح، بل تعملُ على إعادةِ تعريفِ موقعِه داخل البنيةِ الثقافيةِ العربية، وربطِه بالتنميةِ الفكريةِ وبناءِ الإنسان، وتكريسِ الفنِّ بوصفه شريكاً في صياغةِ الوعي، لا تابعاً للترفيه أو الاستهلاكِ العابر. ويتزامن ذلك مع مشروعِ نشرٍ وإصداراتٍ نوعيةٍ تُرسِّخ الجانبَ النظري، وتحتفي بالأسماءِ المسرحيةِ التي تأبى أن تغادرَ الكلمة، وتُصرُّ على أن يكون الفكرُ جزءاً أصيلاً من الممارسة. 

هذا الكلامُ لا يُقال من مجاملة، فأنا شاهدِ ومشاركِ وباحثِ وممارس؛ أنا العاشقِ للمسرح، والمدركِ لدوره، والمدافعِ عنه. فمهرجانُ الهيئةِ العربيةِ للمسرح، في دورتِه السادسةِ عشرة، لم يكن مجرَّد مناسبةٍ فنّية، بل شكَّل جهداً مؤسسياً مركَّباً استدعى إدارةً دقيقةً لشبكاتٍ واسعةٍ من الفنّانين العرب، القادمين من داخلِ الجغرافيا العربية وخارجها، باختلافِ بلدانهم ومساراتهم، ضمن تنسيقٍ احترافيٍّ عالٍ شمل الدعوات، والتنقُّل، والإقامة، والجوانبَ اللوجستيةَ والإداريةَ والماليةَ والأمنية، بالتعاونِ مع البلدِ المضيف، من أجل إنجازِ تجربةٍ مسرحيةٍ عربيةٍ مكثَّفة خلال ستةِ أيّامٍ فقط.

ومن موقعِ الخبرةِ المهنيةِ والمعايشةِ العمليةِ في السياقِ الأوروبي، ولا سيما في بلجيكا، حيث تتَّضح آلياتُ الإدارةِ الثقافيةِ وأنظمةُ تنظيمِ العملِ المسرحي، يمكن القولُ إنَّ الهيئةَ العربيةَ للمسرح باتت تمثِّل نموذجاً مؤسسيّاً لا يقلُّ أهميةً عن تنظيماتِ المسارحِ أو المهرجاناتِ الأوروبيةِ الرصينة. ويتميَّز مهرجانُ الهيئة، على وجهِ الخصوص، باستقرارِ الدعمِ الماليِّ ووضوحِ الرؤية، بعيدًا عن تقلُّباتِ البيروقراطيةِ أو مزاجِ السياساتِ الثقافيةِ المتغيِّرة، التي أفرزت في أوروبا، كما في بلجيكا عامَ 2010 أو في هولندا خلال العامين الماضيين، سياساتِ تقشُّفٍ أثَّرت مباشرةً في حجمِ الإنتاج ونوعيةِ المنجزِ الفنّي.

مسارٌ يؤكِّد أنَّ المسرحَ العربي، حين يُدار برؤيةٍ ومسؤوليةٍ ثقافية، قادرٌ على أن يكون في قلبِ المشهدِ الثقافيِّ العالمي لا على هامشه. غيرَ أنَّ هذا الطموحَ يظلُّ مشروطًا بتوسيعِ أفقِ التواصل، وتعميقِ المعرفةِ بأنظمةِ العملِ المسرحيِّ العالمية، وفتحِ هذه “الجامعةِ العربيةِ المسرحية” على مساراتِ تبادلٍ حقيقية، كي لا تبقى حبيسةَ المحلّية، ولا يدورَ نتاجُها في دائرةِ انتظارِ اعترافِ ذائقةٍ واحدة، بل يتوجَّه بثقةٍ وهويةٍ واضحةٍ إلى الآخر بوصفه شريكاً في المعرفةِ والجمال، لا مرآةً للاختبار.

وفي ختامِ هذه الورقة أقول:

إنَّ الهيئةَ العربيةَ للمسرح، ومن خلال هذه الدَّورة، التي أُتيح لي متابعتُها عن قرب عبر الحضورِ الماديِّ المباشر، وعبر عينِ المختصِّ الذي يراقب بشغفِ العارف لا من موقعِ المتابعِ عن بُعد، كشفت عن مناخِ عملٍ منضبط، وإيقاعٍ مؤسسيٍّ ناتجٍ عن منهاجٍ واضحٍ ودقيق. وقد حقَّقت نجاحَها بهدوء، وقالت كلمتَها بوضوح، واتَّسمت بمهنيةٍ عالية، وبخطابٍ يصنع الأثرَ لا الضجيج.

وكان عرضُ الهاربات من تونس مثالاً جليّاً على ذلك، عرضٌ مسرحيٌّ معاصر، متقدِّمٌ في خطابه واشتغاله الجمالي، استحقَّ جائزةَ المهرجان بجدارة، وأكَّد قيمةَ المسرح بوصفه فعلاً فنّياً وفكرياً حياً.

 

حسن خيون – الهيئة العربية للمسرح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!