خالد أمين ينير الزوايا المظلمة ليواجه المركزية الغربية في المسرح
أي مشروع أو محاولة لخلق مسرح عربي خالص لا بد أن تنطلق من نقد المركزية الغربية التي تحكمت في تشكيل رؤية الغرب

يواصل المفكر العضوي خالد أمين إصراره على تكريس ثقافة الفرجة في المسرح العربي، على وفق معايير وسياقات ثقافية تواكب متغيرات العصر واشتراطات جماليات التلقي المعاصر، في كتابه الجديد “السلطة والمعرفة في المسرح العربي: مراجعات ديكولونيالية”، ويدعو لمشروعه في تناسخ ثقافات الفرجة، وهو مشروع استراتيجي يفتح آفاقاً جديدة أمام تفاعل ثقافي منتج بين المسرح العربي والمسرح الغربي يتجاوز التبعية المسرحية للآخر بوصفه آخر.
يرتكز منظور تناسخ ثقافات الفرجة على عمليات التبادل الثقافي بين مجمل الثقافات، هذه الرؤية التي يتبناها في مشروعه النقدي المسرحي الجديد ينفتح من خلالها على التجارب والرؤى والقراءات المتعددة والثقافات المتنوعة والجماليات المتباينة.
المركزية الغربية
ما يثير الاستغراب والتأسف لدى أمين، هي تلك الممارسات النقدية التي تفتقر إلى أبسط مقومات البحث العلمي، وتنطلق من أفق ضيق وثقافة محدودة، ومثل هذه الممارسات لا تؤدي إلا لتعميق الجراح في جسد النقد المسرحي، وتعيق مسيرة تطوره، فالنقد الحقيقي هو نقد بناء يسعى إلى نقد العمل وتقويمه في سياقه المخصوص دون تشويه أو إخضاع لمعايير قسرية تنم عن عجز في استيعاب التنوع والثراء، فهو ينحاز للنقد الذي ينير الزوايا المظلمة ويحفز على التفكير العميق، الذي يرى في الاختلاف فرصة للحوار لا سبباً للإقصاء، أما النقد النمطي فإنه يمثل عائقاً أمام النمو الفكري، ويظل صدى باهتاً لتعصب أعمى.
لا يسعى أمين في كتابه هذا إلى تسجيل إشارات نقدية عابرة، وإنما يؤسس لمقاربة إشكاليات مركزية في الإنتاج والتلقي، تستدعي التقصي البحثي والحفر المعرفي على وفق سياقات منهجية، كما يدعو إلى تأمل تلك الأسئلة التي فرضتها ثقافة المتلقي الراهنة، مثل: كيف نفكك خيوط السلطة والمعرفة المتشابكة في نسيج المسرح العربي من موقع ديكولونيالي..؟ وإلى أي مدى يمكن لمراجعتنا الديكولونيالية أن تزيح الستار عن التحيزات الغربية التي طالما وسمت رؤيتنا لهذا الفن؟ وهل بإمكاننا، هنا والآن، أن ننتج المعنى والمعرفة المسرحية بمعزل عن الاحتكاك بهذا الغرب الذي يقيم فينا؟
إنها محاولة حفر في أعماق التأريخ، حيث نعاود الحفر في اللحظات التي تلاقى فيها المسرح العربي مع نظيره الغربي، لن ننظر إلى هذا اللقاء بوصفه تبادلاً ثقافياً بريئاً، بل بوصفه جزءً من سياق استعماري واسع الأثر والتأثير. فما هي الصيغة التي دخل بها المسرح إلى فضائنا الثقافي تحت مظلة الحداثة وأنماط الأجندات الكولونيالية الخفية التي رافقت ذلك الدخول بشكل هجومي.
يؤكد أمين على أن أي مشروع أو محاولة لخلق مسرح عربي خالص لا بد أن تنطلق من نقد المركزية الغربية التي تحكمت في تشكيل رؤية الغرب في الهيمنة على ثقافات الشعوب غير الغربية، وقد اتسمت هذه الرؤية بالاستعلاء على الآخر والتقليل من أهمية تقاليده في المسرح والفرجة، وغيرها من الممارسات الاستعمارية التي فرضت جماليات المسرح الغربي على العالم بوصفها جماليات كونية، وقامت بفرضها بأساليب قسرية على بقية ثقافات العالم وإقصاء شتى أنواع الفرجة وأشكال المسرح والجماليات فيها.

من هذه الفرضية ينطلق أمين في نقده للمركزية الغربية في المسرح، وذلك بمراجعة تأريخ المسرح الغربي وكشف تحيزاته المركزية ودوره في خدمة الأجندة الكولونيالية الغربية، فمن بين أهم الممارسات الكولونيالية التي اعتمد عليها الغرب في فرض مركزيته الثقافية الغربية على العالم هي الاستيلاء على حقل التأريخ، وفرض تأريخ غربي للمسرح.
تناسخ ثقافات الفرجة
يرى أمين أن المسرح تطور نتيجة لتفاعل ممارسات وتقاليد وطقوس مختلفة لثقافات مختلفة، وبشكل خاص المسرح اليوناني بوصفه أساس الميتافيزيقيا التي تخترق التأريخ الغربي للمسرح، وهو يؤكد على أن التراجيديا تطورت بسبب تناسخ مضمر لثقافات فرجوية مختلفة يصعب فرزها بسبب انصهار مكوناتها، لتنتج في نهاية المطاف شكلاً فرجوياً هجيناً تم تسويقه على أنه الأصل الخالص للفن المسرحي.
فما يسكت عنه التأريخ الغربي للمسرح هو هذه السيرورة المعقدة من عمليات الهجنة الثقافية وتناسخ الثقافات والتواريخ التي تعرض لها المسرح خلال مراحل نشأته وتطوره، وكان الهدف منها هو مصادرة جهود وممارسات وتجارب الثقافات غير الغربية لدوافع استعمارية غايتها تكريس التفوق الغربي معرفياً وجمالياً وثقافياً وأخلاقياً، يدعمه التفوق العسكري، من أجل فرض سيادته على العالم وضمان مصالحه الاقتصادية.
وضمن منظور تناسخ ثقافات الفرجة، يرصد أمين تجارب مسرحية عربية ضمن نصوص أو عروض تقوم جمالياتها على أساس تناسخ الثقافات والهجنة الثقافية ومرجعياتها المتنوعة ما بين تراثية وحداثية وشعبية مثل ألف ليلة وليلة، المقامات، فن العيطة في المغرب، مشروع الغابة والصحراء في السودان الذي دعا إلى بناء أفق جمالي يتسع للزنوجة والعروبة في تناسخ ثقافي منتج، ودراماتورجيا الهجنة التي تأسست بنيتها على أساس التداخل بين تقاليد الأنا والآخر، والتراث والحداثة.
ويبقى اجتهاد أمين مفتوحاً للنقد البناء الذي يرتكز على أسس معرفية وأخلاقية، ويهدف إلى إثراء الحوار لا إلى فرض الوصاية، أما محاولات التطويع القسري للأفكار، فإنها ستظل عصية على الاستيعاب ومردودة إلى قوامها الهش.
د.رياض موسى سكران – صحيفة العرب



