أخبار مسرحية

خيال الظل في سوريا يواجه التحديات الرقمية المعاصرة

فن خيال الظل السوري يبقى أكثر من مجرد عرض تقليدي إنه جسر حي بين التاريخ والحاضر، بين التعليم والترفيه، وبين الجمال والإبداع الاجتماعي

يواصل خيال الظل السوري حضوره كفن شعبي عريق يجمع الكوميديا والنقد الاجتماعي، وتعمل الجهات السورية المعنية بالتعاون مع اليونسكو على حمايته، عبر التدريب وتنظيم عروض تعليمية وتوثيق الموروث، ليظل جسرا بين التراث والجيل الجديد.

في مشهد من الإبداع الشعبي الأصيل، يواصل خيال الظل السوري حضوره بوصفه أحد أعرق الفنون الأدائية في المنطقة، حيث تتحول الحكاية الشعبية إلى مرآة تعكس يوميات الناس وعاداتهم، وتمتزج الطرافة بالحكمة في صيغة مسرحية بسيطة وعميقة في آن واحد. هذا الفن، الذي ازدهر في المقاهي والأسواق الدمشقية والحلبية، يعود اليوم إلى الواجهة عبر جهود مؤسسات ثقافية تسعى إلى حمايته من الاندثار وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، ليس بوصفه مجرد موروث ترفيهي، بل كأداة تعبير ثقافي تحمل قيماً وهوية متجذرة في الوجدان السوري.

وفي إطار حماية هذا الفن، تعمل منظمة التنمية السورية بالتنسيق مع اليونسكو على إدراج خيال الظل ضمن قائمة الصون العاجل للتراث الثقافي غير المادي. وتوضح ريم إبراهيم، مديرة برامج التراث اللامادي في المنظمة، أن الجهود شملت تدريب 76 مخايلاً في عدة محافظات وتأهيلهم أكاديميّا وفنيّا، إلى جانب تنظيم عروض ذات مضامين اجتماعية وتعليمية في المدارس والمراكز الثقافية، وتوثيق العروض بالصوت والصورة لحفظها في أرشيف رقمي يضمن استدامتها. كما جرى إدراج مقتنيات مرتبطة بخيال الظل ضمن معروضات تراثية في قصر العظم بدمشق، لترسيخ مكانته كجزء أصيل من الهوية الثقافية السورية وتعريف الزوار بتاريخ هذا الفن وأدواته.

وتشير الدراسات إلى أن تقنيات خيال الظل نشأت في شرق آسيا، ولاسيما في الصين والهند، قبل أن تنتقل عبر طرق التجارة إلى العالم الإسلامي. وفي القرن الثالث عشر قدّم الطبيب والشاعر ابن دانيال في القاهرة أول نصوص مكتوبة للعرض على مسرح الظل في العصر المملوكي، لتصبح مخطوطاته من أقدم النصوص الدرامية العربية المعروفة. ومع انتقال هذا الفن إلى بلاد الشام خلال العهد العثماني، اكتسب خصوصية محلية، وبرزت ثنائية الشخصيتين الشهيرتين كراكوز وعيواظ، المشتقتين من النموذج العثماني كاراغوز وحاجيفات، لكن بروح شامية خالصة تعكس البيئة الاجتماعية والثقافية لمدن مثل دمشق وحلب.

وازدهر خيال الظل في دمشق وحلب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تحوّل إلى جزء من المشهد اليومي في المقاهي والأسواق، وكان الناس يتجمعون مساءً لمتابعة الحكايات الساخرة التي تنتقد الواقع الاجتماعي والسياسي بأسلوب رمزي.

وشكل هذا الفن مساحة للكوميديا والنقد الاجتماعي، إذ تقف شخصية كراكوز الساخرة، بسرعة بديهتها وتعليقاتها اللاذعة، في مواجهة عيواظ المثقف المتكلف، فتتولد مفارقات طريفة تكشف تناقضات المجتمع بين البساطة والادعاء، وبين الفطرة والتكلف. كما تتنوع الشخصيات لتشمل التاجر والدرويش والشرطي والمرأة الشعبية، ما يسمح بتناول قضايا الغلاء والفساد والعلاقات الأسرية بروح ساخرة خفيفة، تجعل المتلقي يضحك ويفكر في آن واحد.

ويعتمد العرض على أدوات بسيطة لكنها شديدة الفاعلية: دمى مصنوعة غالباً من جلد العجل المفرغ والمزخرف، ستارة بيضاء تُعرف بـ”البرقع”، مصدر ضوء خلفي يخلق الظلال، إضافة إلى المخيّل الذي يحرك الدمى ويؤدي الأصوات بمهارة وارتجال، منتقلاً بين طبقات صوتية متعددة تعكس تنوع الشخصيات. هذه البساطة التقنية كانت سر انتشاره، إذ لم يكن بحاجة إلى مسرح رسمي أو تجهيزات معقدة، بل يكفي فضاء صغير وجمهور متحمس ليبدأ العرض، ما جعله فنا قريبا من الناس ومعبرا عن شواغلهم.

غير أن هذا الفن بدأ يتراجع تدريجياً مع ظهور السينما ثم التلفزيون، وصولاً إلى المنصات الرقمية التي جذبت الجمهور بعيدا عن العروض الحية.

وتغيرت أنماط الترفيه، وتقلصت المساحات الشعبية التي كان يُعرض فيها خيال الظل، ما أدى إلى تراجع عدد المخايلين المحترفين. ويؤكد المخيّل السوري أنور باكير أن استمرار خيال الظل يتطلب تطوير أساليبه دون التفريط في أصالته، مشيراً إلى أهمية إدخال عناصر تربوية وقيم اجتماعية معاصرة في النصوص، وتدريب الأطفال والشباب على تقنيات التحريك والأداء الصوتي، حتى لا يبقى الفن حبيس النوستالجيا أو مقتصراً على الفعاليات التراثية الموسمية.

وفي هذا السياق لا يقتصر الاهتمام الرسمي على خيال الظل وحده، بل يشمل عناصر أخرى من التراث السوري مدرجة على قوائم الصون، مثل صابون الغار الحلبي، والزجاج المنفوخ يدويّا، وصناعة العود والعزف عليه، والقدود الحلبية.

ويعكس هذا التنوع ثراء الموروث الثقافي السوري، ويؤكد أن حماية التراث ليست مجرد حفظ للماضي، بل استثمار في الهوية والذاكرة الجمعية، وتعزيز للشعور بالانتماء في مواجهة التحديات المعاصرة.

تصريحات القائمين على برامج الصون تشير إلى أن خيال الظل يمكن أن يلعب دوراً معاصراً في نشر التوعية بالقضايا الاجتماعية، من خلال عروض تتناول موضوعات مثل التعليم والصحة والبيئة ومكافحة العنف، بأسلوب يجمع بين الترفيه والرسالة. كما يجري العمل على توثيق النصوص القديمة وإعادة كتابتها بلغة تناسب جمهور اليوم، مع الحفاظ على روح السخرية الشعبية والارتجال التي تميزه. وهناك توجه لإدماج هذا الفن ضمن المناهج والأنشطة المدرسية لتعريف الأطفال بتاريخهم الثقافي بأسلوب تفاعلي محبب.

ويبقى خيال الظل السوري أكثر من مجرد عرض تقليدي؛ إنه جسر حي بين التاريخ والحاضر، بين التعليم والترفيه، وبين الجمال والإبداع الاجتماعي. وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتبدل فيه أشكال التعبير الفني، تبدو حماية هذا الفن مسؤولية ثقافية مشتركة، لضمان أن تظل ظلال كراكوز وعيواظ تتحرك على الستارة البيضاء، حاملةً حكايات الناس وهمومهم وأحلامهم إلى أجيال قادمة، ومؤكدة أن الإبداع الشعبي قادر دائماً على التجدد والبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!