دراما رمضان المغربية: هل نشهد تجديدا أم تعود حليمة إلى تدوير أفكارها القديمة؟
مسلسلات تخوض تحدي مصالحة الجمهور باستنساخ الأجزاء الثانية والشهرة الرقمية.

ينطلق المشهد الدرامي المغربي للموسم الرمضاني وسط تساؤلات نقدية حول قدرة الإنتاج الجديد على كسر النمطية وتجاوز التكرار. وبينما تتنوع الأعمال بين الحكايات الشعبية والدراما الرقمية، يبقى الرهان معلقا على جودة التنفيذ وعمق الطرح، في اختبار صريح لمدى جدية الصناعة في إحداث ابتكار حقيقي يرضي تطلعات المشاهد.
يتصاعد النقاش حول المشهد الدرامي المغربي مع بداية موسم رمضان 2026، وسط تساؤلات جوهرية عن جودة الإنتاج الجديد، إذ أن السؤال الحقيقي ليس فقط عن تنوع المواضيع وقوة تقمص الأدوار، وإنما عن قدرة هذه الأعمال على كسر النمطية التي رسخت لعقود في الدراما المغربية، ورغم الإعلان عن مزيج من الدراما الاجتماعية والحكايات الشعبية والكوميديا والدراما الرقمية، إلا أن هذه التصنيفات وحدها لا تكفي لضمان جدية المحتوى أو الأصالة الفنية.
نشاهد الطرح الرسمي الذي يبدو للوهلة الأولى متفائلا بشكل مبالغ فيه، كونه يوحي بأن صناع الأعمال سيقدمون “إبداعا جديدا” رغم أن الإبداع في جوهره غير مكرر، بينما تدعي أنها أعمال حول تحديات المجتمع المغربي المعاصر، لكن التجارب السابقة تُشير إلى أن هذا التفاؤل غالبًا ما يصطدم بضعف التنفيذ، سواء على مستوى السيناريو، أو البناء الدرامي، أو التكرار في الشخصيات والأدوار النمطية.
يبقى السؤال الأكبر: هل هذه المسلسلات الجديدة قادرة فعلا على إثراء المشهد الفني وإحداث صدمة إيجابية في ذهن المشاهد، أم أنها ستكرر ببساطة نفس الأخطاء القديمة، تحت ستار التنوع المعلن؟ حتى الآن، قبل عرض الأعمال، نتمنى ألّا يسير المشهد في اتجاه التكرار المقنع أكثر من الابتكار الحقيقي، وهذا يجعل موسم رمضان 2026 اختبارا صريحا لمدى جدية صناعة الدراما المغربية في مواجهة الركود الفني وإرضاء الجمهور بمواد جديدة ومثيرة للتفكير.
مسلسلات رمضان تطرح مجموعة من التساؤلات حول التجديد في الصناعة الدرامية، وقوة الشخصيات النسائية، وتنوع المواضيع المطروحة
حكايات اجتماعية
يواصل مسلسل “رحمة – الجزء الثاني” رحلة البطلة التي عُرفت في الجزء الأول، إذ تواجه بيئة جديدة مليئة بالتحديات والصراعات كما يشاع، ويركز العمل على تطوير الشخصية لتصبح أكثر حكمة وذكاءً في التعامل مع المشكلات، عوض الاعتماد على ردود الأفعال العنيفة، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الدراما المغربية على تقديم نماذج نسائية قوية ومؤثرة.
تشارك في العمل نخبة من الممثلين المغاربة مثل منى فتو وعبدالله ديدان وكريمة غيث، ويعرض على قناة “أم.بي.سي. 5” ومنصة شاهد الرقمية. ويبلغ عدد حلقاته 30 حلقة، ويخضع لإخراج محمد علي المجبود وتأليف بشرى مالك، وبينما قد يكون محط أنظار المتابعين قبل عرضه، لكن تبقى التساؤلات: هل سيستطيع المسلسل تقديم قصة مشوقة ومتجددة تبتعد عن الروتين الدرامي التقليدي أم أن الاعتماد على نجاح الجزء الأول سيحد من التجديد؟ وهل ستعكس الشخصية قدرات المرأة المغربية في مواجهة التحديات المعاصرة بشكل حقيقي؟
ويستحضر مسلسل “حكايات شامة” الحكاية الشعبية المغربية لتقديم دراما اجتماعية تتناول رحلة شابة يتيمة تواجه تحديات كبيرة بعد أن تتهم ظلمًا في السوق، فتستخدم ذكاءها للكشف عن الحقيقة، ثم تُعيّن راوية رسمية في مجلس شيخ القبائل، ما يفتح الباب أمام المؤامرات والصراعات المعقدة.
يعرض العمل يوميًا على القناة الثانية في 30 حلقة، بإخراج إبراهيم شكيري وتأليف أحمد نتاما، مع طاقم من الممثلين المغاربة الأمازيغ. ويطرح المسلسل تساؤلات مهمة أيضا: هل ستنجح الحكاية الشعبية في جذب جمهور العصر الحديث، أم أن الاعتماد على الأسلوب التقليدي سيجعل العمل يبدو مبتورًا عن واقع الشباب المغربي؟ وهل ستتمكن شخصية شامة من أن تصبح رمزا للمرأة الذكية القادرة على مواجهة الصراعات والمؤامرات، أم ستظل محصورة ضمن قالب مألوف؟

وتدخل سلسلة “يوميات محجوبة والتبارية” التي قيل إنها عالم الكوميديا ليكشف عن الفجوة بين الماضي والحاضر، من خلال مغامرات ثنائي ينتقل من حياة الفقر إلى الثراء، ويعتمد على المواقف الهزلية للكشف عن صراعات الطبقات الاجتماعية.
يعرض العمل يوميًا على القناة الثانية بعد الإفطار، ويبلغ عدد حلقاته 30 حلقة قصيرة نسبيا، من إخراج وتأليف مراد الخودي. يطرح العمل تساؤلات حول مدى قدرة الكوميديا على تقديم نقد اجتماعي ذكي ضمن إطار ممتع: هل ستنجح الفكاهة في الكشف عن التفاوت الاجتماعي بطريقة عميقة، أم ستقتصر على المواقف الساخرة الخفيفة التي لا تضيف قيمة للمشاهد؟ وكيف سيوازن العمل بين الفكاهة والرسائل الاجتماعية دون أن يفقد جاذبيته؟
ويكشف مسلسل “بنات لالة منانة – الجزء الثالث” عن صراعات الحرية النسائية والتحديات الأسرية في مدينة شفشاون، حينما تحاول الأخوات الثلاث، شامة ورحيمو وبهية، النجاح في عالم الموسيقى بينما تواجه الأسرة صراعات داخلية وأسرارًا مدفونة. يعرض العمل يوميًا على القناة الثانية، ويضم 30 حلقة، وهو من إخراج شوقي العوفير وتأليف سامية أقريو ونورة الصقلي وجواد لحلو. ويطرح العمل تساؤلات مهمة حول قدرة الدراما المغربية على معالجة موضوع الحرية النسائية في مجتمع محافظ: هل ستتمكن الشخصيات النسائية من تحدي التقاليد بنجاح وإظهار استقلالية واضحة، أم ستظل الأحداث محكومة بالقيود التقليدية؟ وهل سيقدم العمل رسالة اجتماعية قوية تبرز الواقع الاجتماعي المغربي دون أن يبالغ في الدراما؟
ويستكشف مسلسل “ليلي طويل” عالم الشهرة الرقمية وتأثيرها على العلاقات الأسرية والهوية الشخصية للشباب، من خلال رحلة شابة تحاول اختراق عالم المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، وتتعرض لتغييرات جذرية في حياتها بعد اندماجها في هذا العالم. ويعرض كل خميس على القناة الثانية طوال رمضان، ويشارك فيه نجوم شباب يقدمون أداءً متوافقًا مع واقع الجيل الجديد. ويطرح المسلسل تساؤلات حول مدى قدرة الدراما المغربية على تقديم رؤية صادقة لمخاطر الشهرة الرقمية والنجاح السريع، وكيف يمكن أن تؤثر على الأسرة والشخصية: فهل ستتمكن الشخصية من الحفاظ على توازنها النفسي والاجتماعي، أم ستصبح مجرد نموذج للإثارة والتسويق الرقمي؟

ويعرض مسلسل “الهيبة رأس الجبل” صراعات الإرث الاجتماعي والاختيارات الفردية من خلال قصة ياسمينة، المغربية المغتربة العائدة من كندا بعد وفاة زوجها، لتجد نفسها عالقة بين تقاليد السلطة المحلية وصراعاتها المعقدة. ويعرض على “أم.بي.سي. 5” ومنصة شاهد الرقمية، ويضم 30 حلقة، وهو من إخراج أيوب لهنود وتأليف بسمة الهجري.
يطرح المسلسل تساؤلات مهمة حول قدرة الدراما المغربية على معالجة التوتر بين الإرث الاجتماعي والاختيارات الفردية: فهل ستنجح ياسمينة في مواجهة ضغوط المجتمع المحافظ وتحقيق توازن بين إرثها الاجتماعي وطموحاتها الشخصية، أم ستظل الأحداث محدودة التصور؟
حكايات مغربية
يعالج مسلسل “با لحبيب” الفراغ العاطفي والفجوة بين الأجيال بطريقة إنسانية من خلال قصة زوج عجوز بعد وفاة زوجته، وكيف يحاول التأقلم مع حياته الجديدة وسط أسرته. ويعرض على القناة الثانية خلال رمضان، ويضم 4 حلقات فقط، من إخراج يونس الركاب وتأليف كوثر المطواع، ويشارك فيه عبدالله فركوس وفاطمة أوشاي وحسن فولان. ويطرح العمل تساؤلات حول قدرة الأعمال القصيرة على ترك أثر عاطفي مؤثر: هل سينجح المسلسل في نقل الرسائل الإنسانية والتعامل بين الأجيال بصدق، أم ستظل التجربة سطحية بسبب قصر الحلقات؟
وتطرح القناة الأولى سلسلة “الثمن”، وهي كوميديا اجتماعية من إخراج ربيع شجيد وإنتاج شركة “ديسكونكتد”، تعالج قضايا يومية بأسلوب يقال إنه طريف، عبر يوميات عائلات مغربية وشخصيات مثل عبدالله فركوس وسعاد حسن، اللذين يقرران الزواج في مرحلة متأخرة من حياتهما، مع استعراض تحديات المسؤوليات الأسرية والمواقف الاجتماعية للشباب. وعلى الرغم من هذا الطرح، يبقى السؤال قائمًا حول مدى قدرة السلسلة على تقديم محتوى أصلي أو مجرد تكرار للمفارقات والهزل الاجتماعي التقليدي، خاصة مع الاعتماد على مجموعة من الوجوه الفنية المعروفة التي سبق أن قدمت أعمالًا رمضانية سابقة؟

ويعرض أيضا مسلسل “البراني”، وهو دراما نفسية اجتماعية من 15 حلقة بمدة 52 دقيقة لكل حلقة، للمخرج إدريس الروخ، على القناة الثانية. وتدور أحداث العمل حول شخصية غامضة تصل إلى قرية نائية بالأطلس المتوسط، لتقلب حياة سكانها عبر كشف أسرار دفينة، مع التركيز على قضايا الهوية والانتماء وتأثيرات الماضي العاطفية والنفسية على الحاضر.
يشارك في البطولة كل من هند السعديدي وعبدالإله رشيد وحسناء مومني، إضافة إلى شخصيات داعمة مثل علياء وليلى وحكيم. ويبقى السؤال قائمًا حول مدى قدرة المسلسل على تقديم سرد متماسك ومشوق دون الانزلاق إلى التشويش أو تبسيط الأبعاد النفسية للشخصيات؟
وسيعرض مسلسل “شكون كان يقول”، من إخراج صفاء بركة، ضمن برمجة القناة الأولى الرمضانية، ويندرج ضمن خانة الدراما الاجتماعية بطابع إنساني. يعالج العمل قضايا متعددة تمس الواقع المغربي، من صراعات الأجيال والبطالة والفقر، إلى التحديات التي تواجه المرأة في محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وتتجسد القضايا الحساسة في الهشاشة الاجتماعية، والعنف الأسري، وحدود حرية المرأة في اتخاذ قراراتها المصيرية، من خلال سرد شخصيات نسائية تتحمل أشكالًا مختلفة من المعاناة، لتصبح التجارب الفردية مرآة لاختلال جماعي أوسع.
فإلى أي مدى سيكون المسلسل قادرا على تقديم سرد متشابك ومتوازن يربط بين مصائر الشخصيات المختلفة دون أن يتحول إلى تراكم حكايات منفصلة أو تبسيط للقضايا الاجتماعية المعقدة؟

يشارك في العمل محمد كافي بعد غياب طويل، إلى جانب أسماء فنية مثل ابتسام العروسي وسعاد خيي ومهدي فولان ونسرين التومي وحسناء المومني، ما يضيف ثقلًا تمثيليًا لكنه لا يضمن وحده قوة التأثير الدرامي أو التجديد في الطرح.
وتطرح مسلسلات رمضان المغربية 2026 مجموعة واسعة من التساؤلات حول التجديد في الصناعة الدرامية، وقوة الشخصيات النسائية، وتنوع المواضيع المطروحة، قبل أن يشاهد الجمهور الأعمال فعليًا. وسواء تعلق الأمر بالدراما الاجتماعية والحكايات الشعبية والكوميديا أو بالتجارب الرقمية الحديثة، يبقى الترقب قائمًا لمعرفة ما إذا كانت هذه المسلسلات ستنجح في تقديم تجربة مبتكرة تعيد تعريف المشهد الفني المغربي، أم ستكرر نماذج مألوفة وقيودًا تقليدية، مع ترك مساحة كبيرة للنقاش حول مستقبل الدراما المغربية والفرص الجديدة التي يمكن أن تفتحها لمواهب صاعدة وصياغة قصص أكثر جرأة وواقعية.



