«زائد واحد».. يريدها ولادة مؤجلة

ماذا تفعل إذا خيروك بين أن تأتى إلى الحياة أو أن تموت قبل ولادتك؟ هل ستختار حياة غامضة مبهمة تعيشها بحلوها ومرها؟ أم ستؤثر التراجع والموت فى رحم أمك تجنبا للمواجهة وإثبات الذات؟ اختيار صعب بالتأكيد، ولكنها قضية خلافية كتبها المؤلف الشاب محمد عادل ببراعة عبثية لافتة، بينما أخرجها د. محمود فؤاد على مسرح الهناجر بحس سينوجرافى جاذب اكتملت بالأداء التمثيلى الكوميدى الرشيق والتناغم الملحوظ بين أبطال العرض.
عود حميد لإبداع المخرج والسينوجراف د. محمود فؤاد بعد أن تفرغ عدة سنوات لتأسيس مسرح نهاد صليحة وتحقيق أثر إيجابى لافت فى الوسط المسرحى الشبابي، ولكنه من جديد يعود ليواصل ما بدأه من رؤى إخراجية غير تقليدية فى عرضيه السابقين «مسافر ليل» و«إشاعات إشاعات»، اللذان انحاز فيهما إلى الفضاءات المفتوحة وغير التقليدية، ورغم أنه هنا يقدم عرضه داخل مسرح العلبة الإيطالية فإنه أيضا صمم حالة سينوجرافية تناسب طبيعة العمل الغرائبية وسير الأحداث داخل جسد الأم وحول رحمها، فنحن أمام حالة دؤوبة من العمل استعدادا لولادة أحد الأجنة، والذى يفترض المؤلف أنه لا يولد إلا بموافقة كتابية منه بعد عرض ملف حياته عليه والاطلاع على كل ما سيجرى فيها، ولكن تشاء الأقدار أن تتعطل الأجهزة وتتلف بعض أوراق الملف بفعل ماء المخاض، وهو ما يدفع الجنين للرفض، وينشأ الصراع بينه وبين العاملين فى جسد الأم فى محاولة لإقناعه بالموافقة خوفا على مستقبلهم المهنى وتهديدات المخ لهم بإحالتهم للتقاعد أو النقل لإدارات هامشية..
فكرة فى غاية اللطف وخفة الظل، ونجح المؤلف فى صياغتها دراميا بعذوبة وإحكام واختيار المفردات المناسبة لها وبما يصنع ضحكا صادقا من صميم الدراما، وهو إضافة مغايرة لما سبق وأن قدمه فى نص «سالب واحد» ونصوص أخرى.
الطريف أن المخرج التقط النص وصاغ منه ديكورات ديناميكية تناسب طبيعة العمل داخل الجسد وكيف يتم قذف الجنين خارجه لحظة الولادة، ورغم انه منظر ثابت فإنه حقق بحركته فى عمق المسرح الهدف المرجو منه، بينما جاء الأداء التمثيلى فى غاية التناغم وخفة الظل من كل أبطال العمل، فحين يقرر العاملون عرض بعض مشاهد حياة الجنين عليه ليوافق على الولادة، تنتقل الأحداث إلى خارج الجسد وفى مواقع مختلفة صمم لها المخرج ــ السينوجراف موتيفات خاصة مختزلة تناسب طبيعة الحدث.

لعب الفنان القدير عزت زين شخصية سلطان رئيس الإدارة بخبرة كبيرة وظفها فى توليد الكوميديا بجدية لافتة ودون أى افتعال أو مبالغة، خاصة فى مشاهده الطريفة مع ابنته التى تعمل فى نفس المكان، وصنع مساحات متباينة من الأداء بين كونه رئيسا للعمل وكونه أبا يقوم ابنته ويقسو عليها أحيانا ولكنه لايحرمها حنانه، وتنقل بسلاسة ملحوظة بين عدة أدوار مثل والد الجنين القاسي، والأب المزواج، لتأتى نغم صالح فى دور فلة ابنته وتقدم حالة أدائية مفعمة بالطاقة والحيوية، وبرعت كعادتها فى التنقل بين شخصيات مختلفة الطباع ببساطة وانسيابية، فهى ابنة رئيس المصلحة، الرافضة لخطوبتها ممن لاتحب، وهى خطيبة الجنين فى شبابه والتى تستغله وتستجيب لمعاكسات الشباب، وهى الأم المطحونة المتحملة لكل أعباء البيت، وغيرها من الشخصيات التى تثبت بها كل مرة انها تستحق ظهورا مشرفا فى السينما والتليفزيون، وشكلت ثنائيا كوميديا طاغيا مع سمير عوض فى شخصية سلكاوى خطيبها، والذى استطاع بحضوره أن يؤكد قدراته فى التنقل بين عدة شخصيات أيضا منها الشاب الانتهازى والشاب المندفع المتهور فى معاكسته لها، فهو صاحب مهارات تمثيلية متعددة وطاقة تستحق الالتفات إليها مستقبلا.
أما أحمد عباس فقد لعب شخصية الجنين بأداء طبيعى خافت النبرة معتمدا على الصدق الداخلى الذى يعكس مدى الصراع الذى يعيشه بين اختيار الحياة أو الموت، ليصل فى النهاية إلى اختيار الحياة رغم صعوبتها، فحقق تأثيره التمثيلى دون صخب ووظف مرونته الجسدية فى التعامل مع الشخصية برشاقة داخلية وخارجية، وقد سبق أن نجح نجاحا كبيرا فى أداء شخصية الطفل المعاق فى عرض سالب واحد لنفس المؤلف وبإخراج عبدالله صابر.

باسم صادق – الأهرام



