أخبار مسرحية

“سفينة بروكرست” من أسطورة إلى مسرحية تناقش مفهوم الهوية

لغة رمزية تفكك رحلة الحياة وأسئلة الوجود والانتماء والخضوع

توظّف مسرحية “سفينة بروكرست” للمخرجة الأردنية مروج النوايسة، الأسطورة الإغريقية الشهيرة “بروكرست” في سياق بصري وفكري معاصر.

ففي العرض الذي كتبه علي الخرشة وقدمته فرقة الكرك المسرحية، تم تحويل مفردة “السرير” الذي اشتهرت به الأسطورة، إلى سفينة تمخر عباب البحر الذي يرمز إلى الحياة نفسها بما تنطوي عليه من أحداث وتحولات وتموجات.

واشتغلت المسرحية التي فازت مناصفة بجائزة أفضل عرض متكامل في مهرجان مسرح الهواة بدورته الرابعة، على الرمز أكثر من اهتمامها بتقديم سرد حكائي تقليدي، لذلك جاء التركيز على التكثيف وقوة الدلالة وتجاوز الترتيب الزمني الخطي للأحداث.

وتحكي أسطورة “بروكرست” عن لص كان يجبر ضحاياه على التمدد فوق سرير حديدي، ثم يقوم ببتر أطرافهم ليطابقوا قياسَه الصارم لأبعاد السرير، أما في العرض المسرحي هنا فقد تحولت السفينة إلى استعارة من السرير؛ حيث تحمل على متنها ركابا مختلفين، لكنهم جميعا خاضعون لقانون واحد لا يقبل التعدد أو التغيير، ومن هنا تمثل هذه السفينة مجتمعا أو نظاما أو فكرة مغلقة، فيما يشير البحر إلى المجهول والمصير الغامض.

المسرحية اشتغلت على الرمز أكثر من اهتمامها بتقديم سرد حكائي تقليدي وحولت السرير إلى سفينة تمخر عباب البحر الذي يرمز إلى الحياة نفسها

تميزت السينوغرافيا بالتكثيف والبساطة، مكتفيةً بهيكل من الخشب يتوسط المسرح ويوحي بشكل السفينة، بينما توزعت الحبال والعوارض في غير مكانٍ لتبدو شبيهة بالسواري، أما الإضاءة فلعبت دورا محوريا في تحديد الإيقاع؛ فالألوان الباردة سيطرت على مشاهد الانكسار والخضوع، فيما حضرت الإضاءة الحادة في لحظات المواجهة والتمرد، وعززت الإضاءةُ الإحساس بالحصار داخل فضاء مفتوح في الظاهر (البحر)، لكنه مغلق في الواقع (السفينة).

اتسم الحوار بالرمزية وباللغة المشحونة بالتوتر، حيث ظهرت الشخصيات بوصفها نماذج بشرية لا أفرادا محددين لكل منهم شخصيته الخاصة؛ الخائف، المتمرّد، والمتواطئ، والمتمرد، والحالم.. جميعهم يركبون السفينة نفسها ويخوضون غمار بحر واحد، لكن مواقفهم تختلف إزاء “قانون بروكرست”، وهذا ما منح العرض طابعه التأملي العميق.

واتكأ أداء الممثلين على التعبير الجسدي، فكانت الحركة الجماعية من أبرز عناصر العرض، حيث تم تشكيل لوحات حركية تعكس الصراع بين الخضوع والتمرد، وبين القبول والرفض، وظهرت هذه اللوحات بوضوح في اللحظات المفصلية؛ ومنها تلك اللوحة التي اصطفّ بها الممثلون في مشهد يوحي بالتشابه المفروض عليهم، وكأنهم نسخ مكررة، قبل أن ينفلت أحدهم بحركة مفاجئة تكسر النسق، في إشارة واضحة إلى إمكانية التمرد على القالب المفروض.

وأسهمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية في تنامي الحالة الدرامية، إذ حضرت أصوات الأمواج والرياح كخلفية دائمة، تذكّر أن السفينة في حالة اهتزاز دائم، وعكسَ هذا الاضطرابُ السمعي الاضطرابَ الداخلي للشخصيات، وكأن البحر ليس هو ما يحيط بخارجهم بقدر ما هو في دواخلهم.

وحققت المسرحية رسالة فكرية جميلة وعميقة حول مفهوم الهوية الجماعية أو الفردية، في عالم يفرض معاييره بالقوة، وهذا يحرم الفرد من الحفاظ على اختلافه داخل منظومة لا تعترف إلا بمقياس واحد، وتؤكد المسرحية على أن النجاة لا تكون إلا بالمواجهة وكسر الحصار.

وبدا واضحا أن العرض تمكّنَ من تحويل الأسطورة إلى أداة نقد معاصرة، بعيدا عن المباشرة، ولم تظهر شخصية “بروكرست” منفردة، بل بدت شخصيّة جماعيّة أو فكرة تسكن الجميع، أو صوتا داخليا يدعو إلى الامتثال، وهذا التحويل للرمز منح العمل عمقا إضافيا، وجعله قابلا للتأويل.

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!