سهله المدني: الفن ليس كما نراه

الفن ليس كما نراه، و الفن هو الذي من خلاله تجتمع القلوب والعقول والأديان. ما هي صورة الفن؟ هي الصورة التي نرى من خلالها صورة الكون. وعندما يكون الفن بعيدًا عن الواقع، ويصور لك الحياة بصورة وردية، فإنك بذلك تفقد قيمة الحياة ولا ترى جمالها الحقيقي.
الفنان والفنانة هما أدوات وصورة للجندي الخفي، وهو الكاتب، الذي يحركهما بحروفه وكلماته. فهو إما أن يجعلهما صورة يراها الكون ويحبها، أو يجعلهما صورة يكرهها الكون ولا قيمة لها.
الكاتب، عندما يخرج عن الحقيقة ويصور حياة وعقولًا وأفكارًا من خلال خياله، فهو إما يهرب من الواقع، أو يريد أن يخلق في الكون عادات وأفكارًا وحياة جديدة، وكأنه يبرمج العقول والكون من خلال ما يكتبه. إما أنه يفعل ذلك لتحطيم المجتمع، أو لأنه يستمتع بذلك ويرى فيه متعته.
الكاتب، لكي يصل، يجب أن يتنازل؛ إما أن يتنازل عن جزء من الحقيقة، أو يكتب نصفها، أو يحول الحقيقة إلى قصة خيالية لا يمكن وصفها، أو لا يمكن لأي إنسان أن يعيشها.
عندما نتذكر فيلم “اذكريني”،الفيلم أُنتج عام 1978 ومن إخراج هنري بركات ومقتبس من رواية «بين الأطلال». وأبطال العمل هما النجمة نجلاء فتحي والنجم محمود ياسين، نجد أن قصة الفيلم تدور حول فتاة اسمها منى تحب كاتبًا مشهورًا، وهو أيضًا يقع في حبها، لكنه متزوج وزوجته مريضة بالقلب. وهو لا يستطيع الزواج من الفتاة التي يحبها لأنه متزوج، فتتزوج هي من رجل أعمال وترزق بطفل.

وتعود بعد فترة من الزمن، وتعلم أن الكاتب الذي تحبه مريض في المستشفى، فتقرر زيارته. وعندما يعلم زوجها بذلك، تضطر إلى الانفصال عنه، وتتخلى عن حياتها معه. ثم يموت الرجل الذي تحبه في المستشفى، وتعلم بعد ذلك أن زوجته كانت حاملًا ومريضة بالقلب، فتقرر السكن معها والعناية بها. وبعد أن تنجب طفلة وتموت، تترك لها ابنتها لتعتني بها.
تكبر الطفلة، وتلتقي منى بابنها، فيحبها دون أن يعلم حقيقتها، ثم تعلم هي بالصدفة أنه ابنها، فتسعد برؤيته. أما والد ابنها فلا يتزوج، ويكتفي بتربية ابنه، كما فعلت هي مع ابنة الرجل الذي أحبته. وعندما يراها والد ابنها، يطلب الزواج منها مرة أخرى، لكنها ترفض، وتعيش على الذكريات التي جمعتهما.
عندما نتعمق في قصة فيلم “اذكريني”، نجد أن الكاتب تنازل عن الواقع وعن الحقيقة. لماذا؟ لأنه كان بإمكانه أن يجعل البطل يتزوج المرأة التي يحبها، ويجعل حبهما حقيقة، لكنه اكتفى بأن يعيش على الحزن، وهذا أحد التنازلات التي جعلت الحب يبدو مستحيلًا، مع أن قصة حبهما لم تكن كذلك.
كما أن هناك تنازلًا آخر، حين جعل كل طرف يضحي. فزوجة الكاتب ضحت بنفسها من أجل أن تنجب له طفلة وتسعده، وهي تعلم أنه يحب امرأة أخرى. وكان بإمكانها ألا تضحي بحياتها، وأن تسمح له بالزواج من المرأة التي يحبها. لكن الكاتب جعلها تخسر حياتها، وربط الحب بالموت في قصتها معه.
وكذلك عندما جعل منى تخسر زوجها وطفلها لكي تهتم به في مرضه، مع أنه هو من جعلها تتزوج وتنجب طفلًا من رجل آخر لأنه لم يكن شجاعًا بما يكفي للدفاع عن حبهما. فجعلها تخسر كل ذلك من أجله.
كما جعله يموت بسبب غيرته عليها، فعندما يعلم بزواجها يتعرض لحادث سيارة. ومن خلال هذا الحادث جعلها تخسر زوجها وطفلها، ثم يخسر هو حياته وشهرته وكل شيء لأنه أحبها.
فالكاتب هنا ربط الحب بالتضحية والدمار، وكأنه يحذرك من الحب، ويرسم لك طريقًا مظلمًا وخطوات غير صحيحة في الحب. لذلك جعل الحب في هذا الفيلم وكأنه لعنة يجب الهروب منها، وحوله إلى ذكريات يعيش الإنسان عليها، لا إلى لحظات يستمتع بها.
وكأنه رسم بوابة للحب تخيف كل من يقترب منها، وهذا ما جعل الفيلم يبدو وكأنه تنازل كبير من الكاتب؛ إما أنه يرى الحب بهذه الصورة، أو أنه لم يذق لذته لكي يرسمه بهذه الصورة السوداوية.
فكيف له أن يجعلها تعيش مع زوجته التي كانت سببًا في عدم زواجهما؟ وكيف يجعلها تترك زوجها وابنها؟ وكيف لزوجته أن تكون حاملًا وهي تعلم أن الحمل قد يكلفها حياتها؟ وكيف لها أن تترك طفلتها التي أنجبتها لتربي ابنة الرجل الذي أحبته؟
كل هذه الأحداث ترسم طريقًا للحب غير واقعي، وتقدمه بصورة مخيفة. وكل لحظة في الفيلم تجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تحب، حتى يبدو الحب وكأنه لعنة أو دمار.
الكاتب والكاتبة يتنازلان عن الواقع لكي يرسما صورًا غير حقيقية عن الحب، أو صورًا موجودة في قلوبهما وعقولهما، لكنها لا وجود لها في الواقع. فكل ثانية في “اذكريني” تجعلك تفكر بألا تحب.
والتنازل الذي فعله الكاتب هو أنه جعل الحب سببًا للخسارة؛ فجعل كل من أحب يخسر. زوجة الكاتب خسرت حياتها، والكاتب خسر حياته، ومنى خسرت أسرتها، وزوج منى أصبح طليقها. جميعهم خسروا.
الفيلم نتابعه ونحبه ونتذكره، ولكن ما نكتبه عنه ليس انتقادًا، بل قراءة لواقع القصة، وحقيقة أن الحب ليس صعبًا بالضرورة، فهو مثل أي شيء في الحياة، يعتمد على الإنسان الآخر، وعلى الصدق وتحمل المسؤولية.
وهذا ما ذكره الكاتب في نهاية الفيلم من خلال زواج ابن منى من ابنة الكاتب الذي أحبته؛ فكان هناك صدق وحب وتحمل للمسؤولية، وهذا ما جعل حبهما يتوج بالزواج.
لكن الكاتب تعمق في بداية الفيلم في الحزن أكثر مما تعمق في جوانب الحب الأخرى، وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه من وجهة النظر المطروحة هنا.
ويبقى الفيلم من الأفلام التي تصور الحب على أنه سراب وذكرى لا يمكن نسيانها مهما طال الزمن.
سهله المدني



