سوسن الجمني.. مشروع ثقافي حيّ يستحق الدعم والتصدير
مخرجة تونسية استطاعت خلال 15 عاما أن تتربع على عرش الدراما المحلية.

بينما تتهافت الدراما العربية على الإبهار البصري على حساب العمق، تبرز التونسية سوسن الجمني كاستثناء نادر، استطاعت خلال عقد أن تتربع على عرش الدراما بأعمال توازن بين الجرأة والواقعية. غير أن نجاحها محليّا لم يتحول إلى حضور عربي واسع، ما يطرح تساؤلات عن فرص الدراما التونسية الضائعة.
على مدى سنوات ظل اسم سوسن الجمني يحتل صدارة الحديث في تونس، فهي المخرجة التي استطاعت خلال 15 عاما أن تتربع على عرش الدراما المحلية. ليس فقط لأنها امرأة فرضت حضورها في مجال يهيمن عليه الرجال تاريخيّا، بل لأنها أعادت صياغة علاقة الجمهور بالدراما التونسية عبر أعمال استثنائية، جمعت بين الجرأة والواقعية. من “أولاد مفيدة” إلى “الفوندو” و”فلوجة” وصولاً إلى “الفتنة” و”الخطيفة”، نسجت الجمني مسارا فنيا يوازن بمهارة بين الترفيه والطرح الاجتماعي العميق، مقدمة أعمالاً تعكس تناقضات المجتمع التونسي وتحدياته، بل تمتد لتلمس -ولو من بعيد- هموم الإنسان العربي.

لكن اللافت أن هذا النجاح المحلي الكبير لم يتحول إلى انتشار عربي مماثل، وهو ما يثير سؤالا جوهريّا حول معوقات وصول الدراما التونسية إلى جمهور المشرق والخليج. السؤال يكتسب أهمية خاصة لأن أعمال الجمني تمتلك من القوة السردية والبصرية ما يجعلها تضاهي كبرى الإنتاجات العالمية. وهنا تبرز قيمة النظر إلى تجربتها ليس بوصفها مجرد بروفايل لمخرجة ناجحة، بل كحالة ثقافية مركبة تستحق التحليل المتعمق. فهي من جهة تكشف عن إمكانيات هائلة كامنة في الدراما التونسية، ومن جهة أخرى تسلط الضوء على فرص ضائعة في التوزيع والتسويق العربي.

◄ سوسن الجمني لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تحولها إلى تجربة بصرية ووجدانية تعكس نبض المجتمع بكل تناقضاته
بهذا المعنى، يصبح الحديث عن سوسن الجمني مدخلا مزدوجا: قراءة في مسار شخصي ومهني صنع منها أيقونة فنية، ورؤية نقدية تتساءل عن موقعها المأمول على الخارطة الدرامية العربية، وعن الإنجازات التي يمكن أن تحققها لو توفرت لها جسور عبور أوسع نحو فضاءات أرحب.
الحياة بلا رتوش
تنتمي سوسن الجمني إلى جيل من المبدعين التونسيين الذين راهنوا على الفن كأداة لمواجهة الواقع، فاختارت منذ البداية تقديم دراما مختلفة عما اعتاده الجمهور. بدأت مسيرتها مساعدة مخرج في السينما، حيث صقلت خبرتها التقنية والبصرية التي مهدت لاحقا لصياغة أسلوبها الخاص. كان فيلمها “المشروع” بمثابة بيان فني جريء، أعلنت من خلاله تحررها من القوالب التقليدية، قبل أن تنتقل سريعا إلى الدراما التلفزيونية حيث رسخت حضورها كواحدة من أبرز المخرجات.
أعمالها الأولى مثل “أولاد مفيدة” و”تاج الحاضرة” جمعت بذكاء بين الواقعية الاجتماعية والبعد التاريخي، وكشفت عن قدرتها على إدارة طاقم ممثلين واسع وإخراج مشاهد معقدة. لكن الانطلاقة الحاسمة جاءت مع “الفوندو”، الذي شكل نقطة تحول حقيقية في علاقتها بالجمهور، باقترابه الجريء من قضايا العدالة والانتقام بأسلوب واقعي مشوق، محققا نسب مشاهدة غير مسبوقة.
على المستوى الشخصي تحتفظ الجمني بمسافة واضحة بين حضورها الفني الطاغي وحياتها الخاصة. فهي معروفة بجرأتها في اختيار المواضيع وقدرتها على مواجهة النقاد والجدل دون تراجع عن رؤيتها، لكنها في المقابل تغيب عن الأضواء عمدًا، مفضلة أن تُعْرف من خلال أعمالها لا عبْر تفاصيل حياتها الشخصية (حتى أن تاريخ ميلادها يبقى غير موثق). هذه الثنائية بين الصخب الفني والتحفظ الإعلامي تعكس شخصية مركبة، تجمع بين الالتزام بقضايا المجتمع ووعي عميق بحدود ما يجب أن يقال وما يمكن أن يبقى خاصا.
المتمعن في أعمال سوسن الجمني يكتشف أن تميزها لا يقف عند حدود جرأة اختيار المواضيع، بل يمتد ليشمل أسلوبا إخراجيّا فريدا يوازن بين الواقعية القاسية والبعد الإنساني العميق. فهي لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تحولها إلى تجربة بصرية ووجدانية تعكس نبض المجتمع بكل تناقضاته. تعتمد الجمني على تصوير الحياة كما هي، بلا رتوش أو تجميل، فالكاميرا في يدها ليست أداة لتزيين الواقع، بل وسيلة لكشف هشاشته وقسوته. في “الفوندو” مثلاً، تظهر الأحياء الشعبية بملامحها الحقيقية، بعيدا عن الصور النمطية التي رسختها الدراما العربية. وفي “فلوجة”، تقتحم بجرأة ملف الفساد في التعليم، دون أن تتوانى عن مقاربة قضايا العدالة الاجتماعية في أعمال أخرى.
هذه الجرأة في تناول الملفات الشائكة جعلتها عرضة للجدل والانقسام حولها، لكنها في الوقت نفسه أكسبتها احترام جمهور واسع يرى فيها صوتا فنيّا لا يساوم على الحقيقة. غير أن ما يعزز هذا الصوت هو تكامل الأدوات الفنية والتقنية التي توظفها، حيث تستخدم تقنيات حديثة في التصوير والإضاءة والمونتاج، وهو ما يمنح أعمالها إيقاعا سريعا وحيوية بصرية تليق بجرأة طرحها. هذا التكامل بين عمق المضمون وحداثة الشكل يتجلى بوضوح في ميلها إلى بناء شخصيات مركبة، تبتعد عن ثنائية الخير والشر المطلقة، لتقدم شخصيات تحمل تناقضاتها الإنسانية، في وعي درامي متقدم يضعها في مقدمة المخرجين التونسيين.

◄ تجربة الجمني ليست مجرد مسار فردي ناجح، بل مشروع ثقافي يثبت أن الإبداع المحلي قادر على بلوغ العالمية
القسوة في أعمال سوسن الجمني ليست هدفا بحد ذاتها، بل خلفية تنبثق منها الإنسانية في أبهى صورها. فلولا هذه العوالم القاسية، ما كانت لحظاتها الإنسانية المؤثرة لتبدو بهذا العمق. شخصياتها المركبة، التي تحمل تناقضاتها وأحلامها وانكساراتها، تتحول إلى كائنات حية تثير تعاطف المشاهد، حتى في لحظات ضعفها الأخلاقي، لأنها تعكس حقيقة الإنسان لا مثالية الصورة النمطية.
هذه النظرة الثاقبة للإنسان تقود الجمني إلى فلسفة فنية واضحة: الفن مسؤولية ورسالة، قبل أن يكون حرفة أو ترفيها. ولذلك، تتحول أعمالها إلى منصة لطرح أسئلة كبرى حول العدالة والحرية والهوية، لتجعل من الشاشة مرآة تعكس الواقع بلا تجميل، وتدفع المشاهد إلى التفكير والتأمل. بهذا الوعي استطاعت أن تمنح الدراما التونسية هوية متميزة، وتثبت أن الفن القادر على مواجهة الواقع، لا الهروب منه، هو وحده القادر على أن يكون أداة حقيقية للتغيير.
مسار متدرج
تمتلك سوسن الجمني في رصيدها محطات مفصلية، لم تكن مجرد إنتاجات تلفزيونية عابرة، بل تحولت إلى ظواهر اجتماعية وثقافية كبرى. البداية الحقيقية كانت مع “الفوندو” (2021) الذي شكل نقطة انطلاق في علاقتها بالجمهور، بمزجه المُحكم بين التشويق البوليسي وقضية العدالة الاجتماعية، ليحقق نجاحا جماهيريا غير مسبوق.
لم يكن “الفوندو” مجرد حكاية عن جريمة، بل مرآة لمجتمع يبحث عن العدالة وسط تناقضاته، مثبتا أن الدراما التونسية قادرة على منافسة كبرى الإنتاجات الأجنبية. بعد عام واحد فقط، عادت بعمل أكثر جرأة وإثارة للجدل هو “فلوجة”، الذي فتح ملف التعليم ليتجاوز كونه عملا فنيّا ليصبح قضية رأي عام حقيقية، مُشعلا نقاشا حادا في الأوساط الإعلامية والسياسية، ومقسما الجمهور بين مؤيد لجرأته ورافض لصدمته. هذا الجدل نفسه عزز مكانتها كمخرجة لا تهاب اقتحام المحرمات الاجتماعية.
ومع “الفتنة” -الذي نال جائزة أفضل إخراج- دخلت الجمني مرحلة النضج الفني الأعمق، مؤكدة أنها ليست فقط مخرجة جماهيرية، بل صاحبة رؤية نقدية قادرة على معالجة الصراعات الاجتماعية والسياسية ببصريات متقنة، وهو ما دفع النقاد إلى وصفه بالخطوة نحو العالمية.
أما في أحدث أعمالها “الخطيفة” (رمضان الحالي)، فانتقلت من فضاء القضايا العامة الكبرى إلى الأعماق النفسية والإنسانية الدقيقة، عبر قصة اختطاف كشفت تعقيدات العلاقات الأسرية. بهذا الانتقال الموفق لم تشغل التونسيين فقط، بل أضافت إلى مسيرتها بعدا إنسانيا جديدا. تشكل هذه الأعمال مجتمعة خريطة واضحة لمسار متدرج نحو النضج، انتقلت فيه الجمني من طرح القضايا الاجتماعية المباشرة إلى بناء سرديات مركبة، تمزج فيها بين الأبعاد الإنسانية والقضايا السياسية باحترافية عالية.
البحث عن فضاء أرحب

◄ النجاح الكبير للمخرجة في تونس لم يتحول إلى انتشار عربي ما يسلط الضوء على أزمة هيكلية في الدراما التونسية
لم يتحول النجاح الكبير لسوسن الجمني في تونس إلى انتشار عربي موازٍ، وهو ما يسلط الضوء على أزمة هيكلية تواجه الدراما التونسية. فمن ناحية المحتوى، تغوص أعمالها في قضايا تونسية خاصة قد لا تخلق جسر تواصل فوري مع جمهور المشرق والخليج، رغم عمق أبعادها الإنسانية. ومن ناحية البنية التحتية، يغيب عن المؤسسات الثقافية والإعلامية التونسية مشروع وطني لتصدير هذه الأعمال، سواء عبر اتفاقيات التوزيع مع المنصات الرقمية أو من خلال القنوات الفضائية.
هذه الثنائية (الخصوصية المحلية وضعف التسويق) هي التي تختزل حضور الجمني في الفضاء المحلي، وتحول دون وصول أعمالها، رغم جدارتها الفنية، إلى آفاق عربية أوسع. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تونس ليست استثناءً في هذه المعضلة، فما يزيد عن 80 في المئة من الدراما العربية لا يغادر حدود بلده الأم، بسبب غياب إستراتيجيات توزيع وترجمة احترافية.
حين ننظر إلى تجربة سوسن الجمني بعين ناقدة متعاطفة، ندرك أن قيمتها لا تكمن فقط في نجاحها كأول امرأة تتربع على عرش الدراما التونسية، بل في قدرتها الفائقة على تحويل الفن إلى رسالة مجتمعية. أعمالها ليست حكايات عابرة، بل مرايا تعكس تناقضات الواقع بكل قسوته وجماله. هذه النظرة الثاقبة للفن كأداة تغيير، وليس مجرد وسيلة ترفيه، هي ما يمنح الجمني مكانتها كمخرجة ذات مشروع فكري واضح، ويجعل منها ظاهرة ثقافية بامتياز.
من السهل انتقاد محدودية انتشار سوسن الجمني عربيّا، لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى التحديات الموضوعية التي تواجه الدراما التونسية: ضعف التمويل وانحصار السوق المحلية. ورغم ذلك أصرت الجمني على رؤيتها الفنية، وقدمت أعمالا قوية أثارت نقاشات مجتمعية واسعة، في شجاعة فنية تستحق كل الاحترام.
نجاحها يثبت أن المرأة قادرة على قيادة مشاريع فنية كبرى، وأن الثقافة المحلية قادرة على المنافسة إذا توفر لها فضاء أوسع. لكن المشكلة ليست في جودة الأعمال، بل في غياب بنية تحتية ثقافية تسمح بالانتشار. الحلول ممكنة: دبلجة الأعمال إلى لهجات عربية أوسع، والتعاون مع منصات رقمية كبرى مثل نتفليكس، والدخول في إنتاجات مشتركة مع شركات عربية تحافظ على الهوية التونسية وتوسع نطاق التوزيع.
المطلوب إستراتيجية وطنية تتعامل مع الدراما كسلعة ثقافية قابلة للتصدير. تجربة سوسن الجمني ليست مجرد مسار فردي ناجح، بل مشروع ثقافي حي يثبت أن الإبداع المحلي قادر على الوصول إلى العالمية إذا توفرت له الأدوات المناسبة. إنها رمز للتجديد في الدراما التونسية، وتستحق أن تتحول إلى جسر عبور نحو آفاق أرحب.
علي قاسم – صحيفة العرب



