ثقافة

“سيرة هشة ليوم عادي” في قرية مصرية “منسية”

رواية تعتمد تقنية الأحداث المتزامنة في 24 ساعة

ملخص

يمكن رصد ثلاثة أحداث مركزية في رواية “سيرة هشة ليوم عادي” للكاتب عبدالكريم الحجراوي، على رغم بنائها غير التقليدي الذي يهتم برصد حال عامة أكثر من الاهتمام بسرد الأحداث، ببعدَيها المركزي والهامشي.

عبر تقنية الأحداث المتزامنة والاتكاء على الموروث المصري بمختلف تجلياته الدينية والشعبية، ينسج عبدالكريم الحجراوي فصول روايته “سيرة هشة ليوم عادي” (بيت الحكمة – القاهرة  2025). وتدور أحداث الرواية خلال 24 ساعة، مقسمة على ثلاثة أجزاء، تبدأ بالجزء الثاني، ثم الثالث، فالأول.

وكل جزء مقسم إلى ثماني ساعات، وتُذكر كل ساعة باسمها المعروف في اللغة العربية. فالثلث الأول مثلاً يبدأ من ساعة الشفق التي تسبق غروب الشمس، ويستمر حتى ساعة البهرة التي تسبق السحَر ومن بعده الفجر، ومن ثم شروق الشمس. أما المكان، فهو قرية في جنوب مصر محصورة بين النيل وسلسلة جبال ممتدة في صحراء مصر الشرقية، حتى ساحل البحر الأحمر، فيما تظهر القاهرة والإسكندرية على استحياء، عبر تقنية الاسترجاع أو “الفلاش باك” من خلال شخصيتي “منصور” وصديقه “عمران” اللتين تعتبران من بين الأفضل حظاً من ناحية التعليم والثقافة بين عدد هائل من الشخصيات يرد ذكرها في الرواية على نحو ملحمي، يذكر بأجواء السير الشعبية والملاحم الأسطورية.

سرد ملحمي

أما على صعيد التكنيك ضمن رواية الحجراوي والذي يقدم عالماً مترامي الأطراف في رواية تدور أحداثها في 24 ساعة فقط، خلال شتاء عام 2016، فيذكّر بروايتي “عوليس” لجيمس جويس و”خلية النحل” لكاميليو خوسيه ثيلا. وما يمكن وصفه بالأحداث المركزية في رواية الحجراوي يشمل عرس “السمطي” الذي لن تحضره أمه لرفضها العروس التي اختار أن تكون هي بالذات زوجته، وموت “أسماء” في ريعان شبابها من دون علة واضحة تسببت في موتها، واعتقال “حامد” لممارسته نشاطاً مناهضاً للحكومة استناداً إلى أفكار تنتمي إلى الإسلام السياسي.

بالتالي يصعب اعتباره يوماً عادياً، إلا إذا كان وصفه على ذلك النحو يُقصد به أن تلك القرية اعتادت أن تنام وتصحو على مثل تلك الأحداث حتى باتت بالنسبة إليها من أمورها المعتادة في أيامها التي لا يختلف أي منها عن غيره. أما وصف السيرة بالهشّة، فربما يرجع إلى أن مثل تلك الأحداث يُروى خلال جلسات النميمة بصيغ مختلفة، لإزجاء الوقت، ليس إلا، في مجتمع يعاني التهميش من السلطة المركزية على غير صعيد، كما تُروى السير الشعبية، بمضامين تختلف في بعض تفاصيلها من راوٍ شعبي إلى آخر. والرواية في مجملها هي بمثابة سردية لعادات وتقاليد وفنون وأساطير متوارثة لم ينَل منها زمن استشراء الـ”سوشيال ميديا” وغيرها من صور التطورات التقنية.

وتبدأ الأحداث من غروب أحد أيام شهر طوبة الذي يعتبر الشهر الأشد برودة طوال العام، وفق التقويم القبطي، إلى غروب اليوم التالي، في قرية “يمر عليها النيل، لكن كتب عليها الشرب من آبار ارتوازية”. فيما المدرسة الوحيدة التي تضمها فصولها مبنية من الطين وسورها الحجري مهدم، في انتظار، بلا جدوى، أن تتولى الحكومة بناء مدرسة أخرى تتوافر فيها شروط التعليم الحديث.     

من غروب إلى آخر

وإذا اعتمدنا السرد الخطي الذي لم يلتزمه الكاتب، فإن الأحداث تبدأ بتلقي “منصور” الذي عانى في السابق فترة “اعتقال عشوائي” أثناء دراسته في جامعة القاهرة، خبر موت “أسماء”، وهي ابنة خالته وكان على وشك الاعتراف لها بأنه يحبها ويريدها زوجة له، بعدما كتم مشاعره تلك لفترة طويلة من الزمن. والثلث الأول يغطي الساعات من الشفق إلى البهرة. الشفق هو الحمرة التي تظهر في الأفق بعد غروب الشمس وقبل حلول الظلام التام، ويُعرف بالشفق المسائي، وهو بداية دخول الليل.

ويطلق مصطلح “الشفق” أيضاً على الفترة الزمنية بين الفجر وشروق الشمس (الشفق الصباحي). ويبدو أن المقصود هنا هو الشفق المسائي، إذ يبدأ الحجراوي الفصل الأول في الثلث الأول، بالوصف التالي “رغم الظلمة الآخذة في التوغل المعتمة الأجواء، فإن احمراراً في السحب المتناثرة يُرى في الفضاء يشهد على ما حدث” (صفحة 261). ويليه وصف لحركة عربات الكارو في شوارع القرية الترابية متوجهة من الحقول إلى البيوت “محمّلة بما يُعتقد أنه قادر على إشباع البهائم في أحواشها”. ثم حاملات الجرار، “يبدو عليهن التوتر وقد سرقهن الوقت على النيل، فما أقصر نهارات الشتاء وما أطول ليله وظلامه”.

ويبدأ السرد بـ”فتيس” في مقهاه فسيح الأرجاء، يضع النرجيلة أمام “منصور” الذي يبدو شارد الذهن، “اليوم فقد البنت التي يحبها”، بحسب الراوي الخارجي العليم. وهو اليوم ذاته الذي قرر فيه أن ينهي عزلته التي اختارها بعد تجربة التعذيب البدني البشع في السجن، ويعترف لـ “أسماء” بحبه ورغبته في الزواج بها. وبالتزامن يسرد الرواي مشهد “حميدة البجرة” تنادي على “روحية” لتشكو لها من أفعال ابنها “حمدي”، الطفل العدواني الذي لا يتورع عن خنق أفراخ الدجاج أو إغراقها في الماء. “روحية” تحمل رضيعتها “فرحة”، ويتعلق بقدميها ابنها “ناجح”. لا يحب “حمدي” من نساء القرية سوى “فندية”، “فهي الوحيدة من بينهن التي لا تتدخل في شؤونه ولا تتحاكى عن أفعاله”.

بعد الثورة

أما الصبي “مالك”، فكان في ذلك الوقت يخشى أن يُضرب من والده “الشيخ عكاشة” الذي يعالج الممسوسين بالجن، بالخيزرانة لأنه أخطأ في أحد أحكام التجويد، أثناء تلاوته آيات من القرآن الكريم. وهذه المرة أيقن أنه أفلت من الضرب، يخبرنا الراوي العليم، بما أن والده انشغل باستقبال حالة جديدة، رجل نحيف يعتقد أهله بأنه ممسوس بالجن. “منصور”، الحزين على “أسماء”، يتذكر أخاه “ناصر” الذي مات فجأة قبل موعد عرسه بأيام.

وين ذهب “منصور” إلى القاهرة ليدرس في جامعتها كان في الوقت نفسه يهرب من ذكريات حزنه على أخيه في مدينة واسعة. واعتُقل من دون جريرة، في ظل أوضاع مضطربة سياسياً أعقبت ثورة عام 2011. وعذبوه بوحشية، وقبع في الحبس الانفرادي ستة أشهر، وما إن عاد إلى القرية دهمه خبر موت “أسماء” بأزمة قلبية مفاجئة. فسيبكي على قبرها وفي الأخير سيقتله حزنه على فقدها. بينما كان صديقه “عمران”، الموظف البسيط، يبحث عنه ليواسيه في مصابه الجلل، ويحكي له ما أصابه في الإسكندرية من إذلال وتهديد بالقتل من جانب والد فتاة غنية وقع في حبها، ليثنيه عن التفكير في الزواج بها. وقبل أن تشرق شمس اليوم التالي، سيقتل “منصور” العجوز “عيوشة” وابنتها “صباح”، ويدفنهما في قبر حفره بنفسه، لقيامهما بنبش قبر حبيبته لاستخدام جزء من كفنها في سحر، بمقتضاه يمكن للأخيرة أن تنجب بعد أعوام من حرمانها من الإنجاب لعلّة ربما تكون فيها هي أو في زوجها، إذا ما قدر لطبيب أن يفصل في الأمر.

وعند الأصيل سيجد الشيخ الصوفي “عبدالكريم” صديقه “منصور” ميتاً، إلى جوار قبر “أسماء”، فيتولى مع عدد من أتباعه تغسيله ودفنه، باعتباره من وجهة نظرهم من شهداء الحب العذري. 

وكما كانت “عيوشة” تعتقد بأن استخدام جزء من كفن جثة حديثة الدفن لشابة ماتت قبل أن تتزوج، يجعل السحر المحفز على الإنجاب أكثر قوة، كان غيرها يعتقد بأنه إذا اعتاد أحدهم على الشرب من ماء الوضوء، فإن ذلك كفيل بمحو ذاكرته! أما الباحثون عن مقبرة تحوي آثاراً فرعونية لسرقتها وبيعها بمبالغ طائلة تنقلهم من الفقر إلى الثراء، فكانوا يستعينون بـ”الشيخ رزق الكلابي” لاعتقادهم بقدرته على إخضاع الجان الذي يحرس المقبرة ويسمونه “الرصَد”! ويبقى أنه في مقابل بناء غير تقليدي ولغة سرد شاعرية، كان الحوار بين الشخصيات فصيحاً على نحو غير واقعي، ومن ذلك أن يسأل أحدهم شخصاً ما “أليس هذا هو الجلباب الذي أعطيته لك أمس؟ فيجيبه ’بلى‘”.

علي عطا – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!