دراما وفنون

شخصيات درامية أيقونية.. “فضة المعداوي” بلاغة الشر وحضور لا يتكرر

سواء كنت تتفق أو تختلف مع الموقف الشخصي والأخلاقي لـ الست “فضة المعداوي” بطلة مسلسل “الراية البيضا” الذي عرض في رمضان 1988، إلا أنك لا تملك سوى الإعجاب بقوتها، فهي ليست مجرد شخصية شريرة مرت على شاشة التلفزيون ومضت، بل واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الدراما المصرية.

ذلك الحضور لم يصنعه النص وحده، بل اكتمل بفضل أداء الفنانة سناء جميل التي امتلكت قدرة نادرة على تحويل الشر إلى عالم كامل من الدلالات الاجتماعية والنفسية. منذ المشهد الأول الذي ظهرت فيه، كانت فضة أشبه بعاصفة تدخل البيت المصري المحافظ، تهز أركانه دون أن تكلف نفسها عناء التبرير.

لم تكن تحمل ملامح الأنوثة الرقيقة المتعارف عليها في الدراما، ولا تجيد الابتسام العابر الذي يخفف ظل الشر. كانت قاسية، مباشرة، وفجة في لغتها ونظراتها، ولا تسعى لمحبة أحد، ومع ذلك ظلت قادرة على أسر الأعين. ذلك التناقض هو ما منح الشخصية صلابتها الدرامية وجعلها حالة فنية فريدة: شخصية تثير النفور والانجذاب في آن واحد.

” alt=”” aria-hidden=”true” />شخصية (فضة المعداوي) سناء جميل في مسلسل الراية البيضا المصدر: قناة dmc

من يملك المال ومن يملك التاريخ؟

تتمحور حبكة العمل حول الصدام القائم بين المعلمة فضة وبين الأسرة الأرستقراطية التي تحاول الحفاظ على بيتها العريق ضد الهدم والتشويه.

لكن البيت هنا ليس مجرد مكان وإنما رمز لميراث كامل من الذوق والرقي والأثر، ما يجعل الصراع ليس بين الخير والشر بل بين من يملك المال ومن يملك التاريخ، وبين الاثنين، يقف المشاهد متسائلا: أيهما ينتصر في النهاية؟

الراية البيضا المعلمة فضة المعداوي راعية الفنون والثقافة في إسكندرية

الشر بأعين أسامة أنور عكاشة

جدير بالذكر أن قيمة فضة المعداوي لا تكمن في قوتها الظاهرة فقط، بل في الطريقة التي رسم بها المؤلف أسامة أنور عكاشة علاقتها مع الطبقة التي حاولت اقتحام عالمها. ففضة لم تولد عدوانية، ولم تكن متلذذة بالقسوة لذاتها، بل كانت ابنة بيئة فظة ومجتمع لا يرحم.

نشأت مهمشة على أطراف المدينة، تراقب من بعيد ما لم تستطع امتلاكه من رقي وجمال. وحين سنحت لها فرصة الصعود الاجتماعي، لم تتردد لحظة في اقتحام عالم ظل مغلقا أمامها طويلا، غير عابئة بالرفض، وغير مدركة أن الثروة وحدها لا تكفي لصناعة مكانة.

هذا الصعود السريع منحها المال، لكنه لم يمنحها لغة التواصل، ولا الإحساس بالأمان، ولذلك ظلت تتعامل بصلابة مفتعلة توحي بأن قوتها مجرد درع يخفي هشاشة قديمة، ورد فعل على تاريخ من الإقصاء.

هذا التصور جعل فضة أكثر من امرأة جشعة؛ إذ حولها إلى رمز لصراع طبقي عاشته مصر في الثمانينيات، حيث الصعود المفاجئ لمن لا يملك أدوات الثقافة، والاحتكاك الحاد بين الثراء الجديد والذوق القديم.

سناء جميل: مدرسة في تجسيد القبح الإنساني

وبالطبع، يصعب الحديث عن فضة دون تفكيك الأداء الاستثنائي للقديرة سناء جميل، التي قدمت درسا شديد الثراء في التمثيل، قائما على ضبط دقيق للجسد والصوت والنبرة. كما اعتمدت على نظرة ثابتة لا تهتز أمام خصومها، نبرة صوت تهبط وتصعد بحذر حاملة بين طياتها قسوة مقصودة، وملامح جامدة لا تتغير إلا في أضيق الحدود.

وقد تميز الأداء أيضا باستخدام لغة جسد مقتصدة؛ كتفان مشدودان، خطوات قصيرة لكنها حادة، وابتسامة لا تظهر إلا عندما تشعر بأنها على وشك الانتصار. كل ذلك صنع حضورا مرعبا دون الحاجة إلى الصراخ، فقط شر هادئ نابع من يقين داخلي بأنها على حق، وأن العالم يظلمها حين يرفضها.

هكذا منحت سناء جميل الشخصية قدرة فريدة على السيطرة على المشهد، حتى عندما تقف أمام ممثلين من العيار الثقيل. وبفضل هذه البراعة، أصبحت فضة شخصية يمكن تمييزها من مجرد جملة أو إيماءة، وهو إنجاز لا يتحقق إلا نادرا في الدراما العربية.

الكاميرا حين تمنح الشر فخامة

وبجانب الكتابة والأداء التمثيلي لا يمكن تجاوز دور المخرج محمد فاضل الذي أكمل ملامح الشخصية، مدركا أن قوة فضة تكمن في حضورها لا في حركتها، ولهذا لجأ للزواية القريبة، إذ جعل الكاميرا تقترب من وجهها على نحو يبرز عدوانيته، ويجعل المشاهد أسيرا لملامح لا تتبدل بسهولة.

كما لعب على التضاد البصري بينها وبين بقية الشخصيات: ملابسها الثقيلة، ألوانها الداكنة، وهيئتها التي تكسر انسجام البيت القديم.كل تلك الخيارات الإخراجية ساهمت في صنع حالة جمالية تقوم على التضاد، وتجعل المشاهد يشعر بأن فضة عنصر غريب، لكنه –للغرابة– ملائم للسرد.

البعد النسوي

وعلى الرغم من أن فضة تبدو امرأة متوحشة، إلا أن الجوهر النسوي لشخصيتها حاضر بوضوح؛ فهي امرأة صنعت طريقها بنفسها، وسعت إلى فرض وجودها في عالم ذكوري يرفض الاعتراف بخروجها من القاع.

لكن قوة فضة، بكل عنادها، كانت كثيرا ما تتحول إلى عقاب ذاتي؛ فهي لا تعرف كيف تحب، ولا كيف تطلب الحنان. وكلما نجحت في فرض نفسها، شعرت بأنها تبتعد أكثر عن عالم كانت تتوق إليه في صمت، لنصبح أمام شخصية تعيش صراعا داخليا بين امرأة قوية وطفلة خائفة، ما منح الشخصية لمحة من الإنسانية رغم جفاء مشاعرها.

الراية البيضا كله بالفلوس المعلمة فضة المعداوي اشترت الثقافة والفنون بالفلوس عشان لقب روعية

فضة المعداوي: شر لا يموت

ربما يكون قد مضى ما يقارب 38 عاما على عرض مسلسل “الراية البيضا” للمرة الأولى، ومع ذلك لا تزال شخصية “فضة المعداوي” حاضرة في الذاكرة القريبة لكل من شاهدوا العمل، وهو ما يعود إلى أن الشخصية -رغم عنفها- لم تكن كرتونية أو مبالغا فيها، بل حملت داخلها مزيجا مركبا من الطموح والجشع، والخوف والحاجة إلى الاعتراف.

هذا التعقيد جعلها قابلة للتأويل وإعادة القراءة، ومع تكرار المشاهدة يسهل اكتشاف أن فضة المعداوي حالة درامية تتجاوز سياقها، إذ وعلى الرغم من تغير الذوق العام، إلا أنها لا تزال ذات صدى لدى الأجيال الجديدة لما تمثله من أسئلة تتكرر: من يملك الحق في تعريف الذوق؟ ولماذا يثير الصعود الاجتماعي الحاد كل هذا التوتر؟

 

 

 

 

 

ياسمين عادل – الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!