«شرم الشيخ الشبابى الدولى».. انتهى المهرجان ويبقى الأثر

ستة أيام متتالية من العمل ووصل الليل بالنهار عاشها صناع مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى برئاسة المخرج مازن الغرباوي، للخروج بالدورة البرونزية إلى نور ساطع ولامع يرسخ لقاعدة جديدة ومكانة بارزة على خريطة المهرجانات المسرحية الدولية، فالمتابع لدورات المهرجان عن قرب يعرف جيدا أنه لا وقت للنوم أو الترفيه فى شرم الشيخ.. ندوات ولقاءات وبروتوكولات صباحية، بينما تتلاحق عروض المسارات الخمسة مساء بدءا من الرابعة عصرا.. حالة وهج وتدفق بالغ كلمة السر فيها هم الشباب، مبدعين ومنظمين وإداريين.. وهذا هو المكسب الحقيقى.
انتهى المهرجان ويبقى الأثر ممهدا الطريق لشباب المبدعين وصانعا لفرص تتزايد دورة بعد أخرى يستطيع بها الشباب الدخول فى حوار إبداعى وثقافى راق وخلاق مع جميع مدارس المسرح العالمية، بقى الأثر بعدة بروتوكولات تعاون للمهرجان مع مهرجان أفينيون أوف بفرنسا ورئيسه هارولد ديفيد، وآخر مع المخرجة التركية نورهان أوسلو والمخرج نظيف أوسلو، وثالث مع المخرج السعودى عبد الله عقيل، رئيس جمعية «ضو» للمسرح والفنون الأدائية، تعزيزا للتعاون المسرحى العربى المشترك، إضافة إلى بروتوكولين مع جورجيا، الأول مع ديفيد سكفارلدزه رئيس الهيئة الوطنية للمسرح فى جورجيا، والثانى مع ليڤان خيتاجورى سكرتير مكتب ITI الدولى، وبروتوكول أخير مع السينوجراف المجرى آدم برزنيسكى رئيس الهيئة الوطنية للمسرح بالمجر. شراكات أسفرت عن اختيار مصر ستكون ضيف شرف دول البحر المتوسط فى النسخة القادمة من مهرجان أفينيون، وهو ما يجعل المهرجان بوابة العبور لمشاركة الشباب فى هذا الحدث الدولي، كما أنها ستفرز بالتأكيد عن حالة من تبادل الرؤى والثقافات بين شبابنا وشباب تلك الدول عربيا ودوليا. يتزايد المهرجان وهجا عاما بعد عام، حتى إن الدورة الحادية عشرة القادمة ستتضمن «STFY IN» و«STFY OFF»، على غرار مهرجان أفينيون العالمى بحيث يضم «STFY IN» العروض الرسمية للمهرجان، بينما يقدّم «STFY OFF» العروض الجماهيرية «المباعة»، تماما، كما يحدث فى المهرجانات العالمية، بل وسيعملان كمهرجانين متكاملين، لكل منهما هيكل مستقل؛ الأول للعروض الرسمية، والثانى للعروض التجارية التى تُباع قبل انطلاق المهرجان، فى دورة ستمتد إلى 10 أيام، مع طموح لأن تصل إلى شهر كامل أسوةً بمهرجان أفينيون.
دارت عروض المهرجان حول صراع الحب والحرب، وما هى الفرص المتاحة للحب والإنسانية للنجاة من ويلات الحروب، بالإضافة لصراع آخر بين الإنسان وشاشات السوشيال ميديا العملاقة، ففى العرض المسرحى الإيطالى «scteen» والفائز بجائزة أفضل عرض متكامل فى مسابقة العروض الكبرى معالجة شديدة القوة والجاذبية للعلاقة بين الإنسان المعاصر والسوشيال ميديا وتوظيف بالغ الدقة للجسد كأداة درامية حيوية تكشف سيطرة المشاعر الافتراضية الزائفة على العلاقات الإنسانية، ورغم حاجز اللغة إلا أن الجمهور تفاعل مع العرض تفاعلا كبيرا جدا بفضل قدرة مخرجه فابيو اومودو على صياغة مزيج حيوى بين الواقع والافتراض من خلال تجسيد المشاعر الزائفة على المسرح تتقافز وتتصارع من خلف أقنعة تخفى قدرا كبيرا من وجوههم.
ولم يختلف أحد على أحقية العرض المصرى «الأولاد الطيبون يستحقون العطف» للمخرج الشاب محمد أيمن وإنتاج معهد الفنون المسرحية فرع الإسكندرية، فى جائزة أفضل عرض ضمن مسار مسرح الشارع، فقد استطاع أبطاله أن يقدموا نموذجا صارخا لصراع القمع والحرية من خلال قصة دارت أحداثها فى روسيا وصاغها المؤلف الروسى توم ستوبارد فى نصه، إضافة إلى تألق السينوغرافيا إلى درجة كبيرة، وخاصة تصميم الإضاءة للمتميز أحمد طارق، فمن المرات القليلة جدا أن أشاهد إضاءة لعرض من عروض الشارع بكل هذا القدر من الإتقان والدقة سواء فى اختيار الألوان أو فى تزامنها الشديد الحساسية مع المشاهد والانفعالات المختلفة للشخصيات.
أما مسرحية الجميلة والوحش للمخرج حازم القاضى فقد حصدت للمرة الثانية جائزة افضل عرض متكامل فى مسابقة مسرح الطفل بعد نيلها فى المرة الأولى بمهرجان ظفار المسرحي، وقد يكون أحد أهم عوامل فوزه هو الأداء التمثيلى المتقن والحالة البصرية الجاذبة بثرائها النابع من تصميم الأزياء والديكور وهو ما منح العرض أفضلية كبيرة.
وقد تكون أهم مكاسب المهرجان هى تلاقى أفكار المبدعين الشباب من كل مختلف الدول وصرختهم حول ضرورة إنقاذ البشرية والإنسانية من آلام الحروب وأنه آن الأوان لوقف نزيف الضحايا مقابل أطماع سياسية لا جدوى لها، ولعل أهم هذه الصرخات هى صرخة العرض البولندى بين السما والأرض للمخرج زين رشاد الذى قدم معالجة درامية بالغة الحساسية حاول فيها الربط بين ما يحدث فى أوكرانيا وما يحدث فى فلسطين من خلال مشهد قتل الطفلة هند رجب ليؤكد للمجتمع الأوروبى أن القتل واحد وأن الخاسر هو الإنسانية.
باسم صادق – الأهرام



