أخبار مسرحية

طبيب بارد ومريضة غير متزنة في مسرحية “ويلة عيد”

كوميديا لبنانية تفضح الزيف الاجتماعي والتفكك الأسري

ملخص

تُعرض على خشبة مسرح District 7 في بيروت مسرحية كوميدية بعنوان “ويلة عيد” تستمر حتى آخر شهر يناير (كانون الثاني)، كتابة مايا سعيد وتمثيل أندريه ناكوزي ووسام صباغ. مسرحية زاخرة بعناصر الإضحاك واللامتوقع تمتد نحو ساعة، يكتشف فيها المتفرج حبكة غريبة.

يتابع الجمهور في “ويلة عيد” أداءً كوميدياً رفيعاً جذلاً يؤديه الممثلان المحترفان أندريه ناكوزي ووسام صباغ في لفتة إلى مجهود الطاقم الطبي وبخاصة أطباء قسم الطوارئ الذين يتركون عائلاتهم وأحباءهم في ليالي الأعياد ليؤدوا واجبهم.

أداء مميز مربوط بحركة متقنة على المسرح وديكور غرفة في قسم الطوارئ، كلها عناصر تضفي الكثير من القوة والحيوية على نص مبطن بالرسائل النفسية والاجتماعية والإنسانية. وبينما يبدأ العرض بفتاة مدللة مغناج تحاول أن ترمي شباكها حول طبيب جاد وسيم، تروح الأحداث تتطور لتنجلي عن حبكة قائمة على اللامتوقع. فيكتشف الجمهور قصة فتاة تعيش حياة عائلية مزيفة قائمة على صور مأخوذة للمحافظة على المظاهر على وسائل التواصل الاجتماعي، وقصة طبيب شاب هو الآخر ليس مسطح الشخصية بل هارب إلى مرضاه تفادياً للبقاء مع عائلته.

يكتشف الجمهور فتاة تهرب كل ليلة عيد إلى المستشفى لتكون مع طبيبها الحبيب الذي لا يفهم أصلاً كيف أغرِمت به هذه الفتاة منذ النظرة الأولى، فيما هو بدوره يهرب إلى المستشفى من عائلة مطبوعة بالأزمات والمشكلات والهزائم. فتاة جميلة ظريفة مليئة صخباً وحياةً وجنوناً، وطبيب هادئ صارم حازم، يلتقيان في المستشفى ليلة عيد يهرب كل منهما فيها من عائلته ومما يحمله العيد من معانٍ، ليلتقيا حول وجع لا يعرفه سوى من عاش في ظل عائلة مفككة هدمها الزمن وغياب الحب.

نص الوجع

يقول الكاتب الروسي العملاق ليو تولستوي (1828-1910): “كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة”. يأتي هذا العرض ليُظهر عائلتين تعيستين، كل منهما تعيسة بطريقتها الخاصة.

يحاول الدكتور عماد التملص من الفتاة التي تفتعل حوادث لتأتيه إلى المستشفى عاشقة مولهة. يحاول الهرب منها، إبعادها عنه، حتى أنه يقدم في حقها شكوى. لكن هذه الأخيرة لا تنصاع ولا ترعوي، بل تروح تتردد على المستشفى في كل ليلة عيد وفي كل عام مفتعلة وجعاً لتمضي ليلة العيد مع حبيبها المترفع عنها. إنما ما حقيقة هذه العلاقة الـ toxic؟ كيف أصبحنا في زمن لا تتوانى فيه الفتاة في إبداء مشاعرها الجياشة تجاه رجل يقول لها بكل صراحة إنه لا يريد ما يربطه بها؟

مع تقدم الأحداث، تتحول الكوميديا الخفيفة المضحكة الصاخبة إلى فضح لحزن داخلي. فليست الفتاة المغناج سوى طفلة هاربة من الحزن المعشش بين جدران بيتها، وليس الطبيب الذي يمضي أعياد الميلاد في المستشفى سوى رجل بارد لم يعرف المحبة ولا الدفء بين أحضان عائلته.

قد يرى البعض في هذا العرض عرضاً بسيطاً ساذجاً، لكن الوجع المبطن والرسائل المخفية تمنحه وهجه وسماكته النفسية. ليظهر جلياً دور الأم ووزنها في صحة أبنائها النفسية. كم من امرئ عاجز عن الحب والعطاء بسبب أم لم تعرف أن تحبه؟ كم من امرئ يهرب من بيته ومن ذاته لأنه يريد الهرب من أم لم يكن من المفترض أن تكون أماً في الأساس؟ قد تبدو هذه المسرحية مضحكة بما تحمله من لعب على الكلام في العنوان ومن ظرف في النص ومن كوميدية في الأداء، لكنها تحمل حقائق موجعة نعرفها كلنا ونعيشها ونحاول الهرب منها أو أقله نحاول إخفاءها عن العيون الفضولية.

أداء متقن

يشعر الجمهور أن الممثلين أندريه ناكوزي ووسام صباغ أُسقِطا خير إسقاط في دوريهما وكأنهما تقمصا الدورين وأصبح جلدهما من جلد الشخصيتين. فناكوزي التي تعود إلى المسرح بأداء رائع، تقدم طاقة كوميدية حيوية هائلة، تضخ بشخصيتها وصوتها وحركتها الكثير من الزخم على النص والخشبة. حركة مرتاحة، جذالة في الكلام، تلاعب بأمارات الوجه، ترافقها نبرة صوت عالية ملعلعة تملأ القاعة ضجيجاً بما يتلاءم مع الشخصية وما تحاول إخفاءه من حزن ووجع. أما وسام صباغ فرائع كعادته بأدواره الكوميدية كما عرفه الجمهور وأحبه. وجه رزين وتماسك رصين وقدرة على التحكم بالحركات وردود الفعل تليق بالدور.

ومن اللافت أن التناغم والانسجام الموجودين بين الممثلين ناكوزي وصباغ يُنسي الجمهور أنه في عرض وأن ما يجري إنما هو أحداث مكتوبة ومصوغة مسبقاً. يتحول الأداء إلى لعبة عفوية ممتعة يعيشها الجمهور بفضول وبهجة. علاوةً على ذلك، يأتي الديكور وصوت المستشفى ليعزز الأجواء المضحكة الغريبة السائدة في عرض يتميز بحس إنساني كوميدي عالٍ ومقتضب لا يحتمل التطوير ولا التطويل أكثر بعد، فيتوقف العرض حيث يجب، تاركاً الجمهور تواقاً لمعرفة ما سيجري.

“ويلة عيد” مسرحية خفيفة مُضحكة محفوفة بالموضوعات الشائكة والشيقة، يكتشف فيها المتفرج تقلبات كثيرة وتنقلاً بين الخفة والعمق. يعالج العرض مشكلات نفسية كبيرة ويفضح ثقلاً داخلياً وشخصيات غير متوازنة آتية من عائلات مفككة تعاني من مشكلات كثيرة بسبب أفرادها ومشكلاتهم وما يعانونه من تعقيدات داخلية. تقولب مايا سعيد التفكك العائلي والحزن الداخلي والهرب من الحب ومن الآخر ومن الحميمية في ظل غياب السلام الداخلي وتحولها إلى طرافة غير متوقعة وإيغال في الظُرف.

بين شابة تفتعل في كل عام حادثة لتأتي إلى المستشفى وتلتقي بحبيبها المزعوم، وبين طبيب يصر على إمضاء أعياد الميلاد في المستشفى تفادياً للبقاء في بيته، أحداث مسلية غير متوقعة تحمل الجمهور إلى غرفة بيضاء باردة تسرق فيها المريضة شجرة العيد وقلب الطبيب.

 

 

كاتيا الطويل – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!