عرضان في اليوم الرابع من أيام الشارقة المسرحية
صورة بصرية مكثفة في «سنعيدها سيرتها الأولى»

ضمن فعاليات الدورة الـ35 لمهرجان «أيام الشارقة المسرحية»، في يومها الرابع، شهد كل من بيت الشعر وقصر الثقافة في الشارقة، مساء الجمعة، تقديم عرضين مسرحيين؛ الأول بعنوان «سنعيدها سيرتها الأولى» لفرقة مسرح الشباب والفنون، وهو من تأليف وسيناريو وإخراج علي جمال. أما العرض الثاني فهو «غياهب الروح» لجمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، من تأليف عبدالله إسماعيل وإخراج وسينوغرافيا عبد الرحمن الملا.
من يشاهد العملين يلاحظ ذلك التقارب في ثيمات وموضوع العرضين، فبينما يتناول «سنعيدها سيرتها الأولى»، الصراع على المناصب، فإن «غياهب الروح»، يتحدث عن كيف يقوم البشر بتوظيف المناصب المختلفة بشكل سيئ يجلب الدمار للمجتمع والبشرية جمعاء، ولئن تقاربت الثيمات، فإن الحكاية والمعالجة الإخراجية في كلا العرضين اختلفتا في تفاصيل كثيرة.
يتناول «سنعيدها سيرتها الأولى»، بصورة عميقة وفيها قدر كبير من التنقيب صراع البشر وطموحهم نحو المكانة والنفوذ، وذلك اللهاث المحموم نحو هذه المكانة، عبر حكاية نصية بسيطة في سرديتها لكنها عميقة في دلالاتها حول امرأة بسيطة يقودها الطموح نحو العمل الجاد إلى التخلص من حياة البؤس والصعود إلى قمة الهرم الاجتماعي.
أبعاد فلسفية
ولئن كانت الحكاية بسيطة وواضحة بالنسبة للمتلقي، إلا أن مخرج العمل قام بتعميق الحالة الدرامية عبر تشبيع العرض بالرؤى الفلسفية، وبما أن مخرج العرض هو ذاته كاتبه، فقد قام بموازنة يحفظ بها بعضاً من الحمولة السردية، حيث كان علي جمال نموذجاً للمخرج المؤلف الذي يمتلك سيطرة كاملة على أدواته، حيث نجح في تحويل النص بأبعاده الفلسفية إلى فرجة بصرية مدهشة، وذلك عبر الحفاظ على وحدة الرؤية بحيث لم يكن هناك فجوة بين الكلمة والصورة والحركة، واستطاع تجسيد المعاني الفلسفية العميقة الواردة في النص من خلال رموز بصرية ذكية.
علامات نصية
ولعل من أبرز الرموز والعلامات النصية التي وظفها المخرج في الفعل السينوغرافي ما قام به المخرج من أنسنة الكرسي، فحوله إلى شخصية درامية فاعلة، وذلك يتضمن الكثير من الدلالات العميقة، التي تحمل الكثير من المفارقة التي تبرز السطوة النفسية «الفيتشية».
وكذلك الحال مع استخدام وتوظيف العنكبوت المتدلي، من خلال رمزية بصرية تشير إلى الهشاشة وحالة الوهن رغم مظاهر القوة، فالموقع الذي يعتقد أصحابه أنه قوي هو في الحقيقة مجرد وهم تذروه الرياح في لحظة معينة، كما ترمز الخيوط العنكبوتية أيضاً إلى الشباك التي ينصبها المتنفذون للآخرين، لكنهم في النهاية يقعون ضحية لتعقيدات «شباكهم» الخاصة.
وضمن ذلك السياق الإخراجي عمل علي جمال كذلك على اللعب بالإضاءة وتشكيلاتها المختلفة لخدمة فكرة العمل، بما يخلق جواً نفسياً متوتراً، وداعياً في بعض الأحيان إلى التأمل والتفكير، وجاء الأداء التمثيلي بصورة جيدة عمقت من جماليات العرض.
العرض الثاني «غياهب الروح»، هو تحليق بديع في عوالم الأسطورة وسفر عبر أزمنة مضت مع إسقاط واضح على الحاضر الذي يعيشه البشر في العالم الحديث.
ويتكئ العرض على حكاية جرت في زمن سحيق، حيث الكهنة ولعبهم على عقول البشر خاصة البسطاء منهم، ويتحدث العمل عن كاهن يأخذ كل شيء غصباً بمبرر القرابين والفداء، ويشمل ذلك حتى الأطفال في قرية تعيش في ظلام الجهل والوعي الزائف، لكن لابد من فعل واع، وذلك ما مثلته بطلة العرض «سهاد»، التي رفضت كل ذلك وأعلنت المواجهة رغم اعتراض زوجها الذي كان يرى أن «من خاف سلم»، وعلى زوجته ألا تواجه سلطة الكهنة، وبالفعل تدفع سهاد الثمن غالياً عندما قام الكهنة بخطف طفلتها الوحيدة، التي كانت تخبئها عن الناس، وتقديمها قرباناً وفقاً للمعتقدات السائدة.
صراع ملحمي
غاص نص العمل في أعماق الميثولوجيا بمقترحات ذات أبعاد أسطورية هي الأخرى منذ المشهد الأول الذي انفتح على رقصة طقوسية طويلة ذات مدلولات عميقة ترتبط بمعتقدات أهل القرية وخضوعهم لسلطة الكهنة الذين كانوا يأخذون أموالهم وقوة عملهم ولا يتركون لهم إلا النذر اليسير، لكن الخير ينتصر في نهاية الأمر وتتحرر القرية من نفوذ هؤلاء الأشخاص بقوة الوعي الذي بدأ يتحرك في دواخلهم.
العمل اجتمعت فيه جماليات النص الشعري والمقاربات الإخراجية المميزة، حيث عمل الملا على تجسيد العتمة النفسية الناتجة عن ظلام الجهل لدى أهل القرية، والسيطرة الكهنوتية بصرياً وحركياً، من خلال سينوغرافيا خلّاقة عملت على تعميق الحالة وتحقيق المعايشة بالنسبة للجمهور، حيث اعتمد على ديكور، وأزياء توحي بالحياة القديمة مستخدماً مستويات رأسية (عالية ومنخفضة) لتعزيز فكرة التراتبية الطبقية؛ كما عمل على توظيف الإضاءة بشكل ينتمي إلى الموضوع والحالة، بحيث لعبت الظلال والأضواء دوراً محورياً؛ إذ تم التركيز على البقع الضوئية وسط مساحات واسعة من العتمة لتعكس الصراع الذي أنتجته تلك الحالة، وكذلك الحال بالنسبة للموسيقى والمؤثرات الصوتية.
كما استعان الملا بحركة المجاميع ككتلة واحدة لتعبر عن الفكرة في بعدها التاريخي والطقسي، ما أعطى انطباعاً بصرياً بقوة يعزز المفارقة الطبقية، وجاء الأداء التمثيلي من قبل الممثلين الرئيسيين ليشكل حالة جمالية خاصة حيث التناغم والهرموني، خاصة شخصية البطلة وشبح الأم، وكان الهدف الأساسي من هذه الحلول هو تحويل النص المكتوب من مجرد «حوار» إلى حالة بصرية شعورية تضع المتلقي داخل «غياهب» روح تلك الحقبة المظلمة، مع إسقاط اجتماعي غير فج أو مباشر.
علاء الدين محمود – الخليج



