أخبار مسرحية

عزيز باكوش: مسرحية “تغريبة ليون الإفريقي “للدكتور أنور المرتجي: ضرورة درء التزمت والانغلاق الحضاري ونهج سياسة حوار ثقافي بناء بعيدا عن التعصب والتشدد”

في تقديم عالم ومكثف لمسرحية ” تغريبة ليون الإفريقي” يركز الدكتور حسن المنيعي على أن العمل هو أول تجربة للدكتور أنور المرتجي في الكتابة المسرحية، وهو تحول “جميل” يتيح له تلقي الرد الفعلي المباشر من المتلقي. وعلى ظهر غلاف المسرحية نقرأ للروائي مبارك ربيع تعليقا يركز فيه على أن شخصية المسرحية “تكتنفها صعوبات” و”مطروقة من جوانب عدة”، مما يضع تحديا أمام المؤلف د أنور المرتجي .  وإذا تأكدنا أن النصين لأنور والمنيعي يتفقان على أن المسرحية عمل أدبي ذو أهمية خاصة، وأنها تتناول شخصية تاريخية محورية، لكنهما يركزان على جوانب مختلفة. فثمة يجب الإشارة إليها . إذ بينما يشير الدكتور المنيعي إلى العمل كـتجسيد تاريخي متميز لرحلة دبلوماسية عبر المسرح، رفع الروائي مبارك ربيع قيمة العمل إلى مستوى المعالجة الفكرية والروحية، مؤكداً أن المرتجي نجح في استخدام سيرة “ليون الإفريقي” كمنفذ لمناقشة وحدة الحقيقة والوحدة الإيمانية التي تتقاطع مع هموم الفكر العالمي المعاصر”.

مسرحية “تغريبة ليون الإفريقي” للدكتور أنور المرتجي صدرت ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب في العام 2012 وجاءت في 95 صفحة من القطع المتوسط .واشتملت على ثلاث فصول وهوامش نقدية . باب المحروق بفاس -من ساحة البطحاء إلى بلاد السودان- ليون الإفريقي في ضيافة البابا

 تتناول المسرحية سيرة شخصية تاريخية مغربية شهيرة تدعى الحسن بن محمد الوزان الفاسي، المعروف بـ “ليون الإفريقي” (Leon Africanus) . وتغطي فترة زمنية شكلت صفحة من تاريخ المغرب خلال نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، وبالتحديد إبان حكم السلطان محمد الوطاسي (المعروف بالبرتغالي). و تهدف المسرحية إلى بلورة ما كان يتمتع به الحسن الوزان من أخلاق إنسانية وقدرة على تجسيد الحوار الثقافي المتنور بين الشعوب على اختلاف أديانها وأجناسها، مستعرضةً حياته كرحالة ودبلوماسي أسره القراصنة ثم أُهدي إلى البابا ليصبح مسيحيا، قبل أن يعود إلى جذوره الإسلامية.”

لكن من هو ليون الإفريقي؟

إنه الحسن الوزان (ليون الإفريقي)  فهو الحسن بن محمد الوزّان الزياتي الفاسي الغرناطي  وله من الألقاب “ليون الإفريقي، يوحنا ليون الإفريقي، يوحنا الأسد الإفريقي (بعد تنصره). وُلد في غرناطة (الأندلس) . هاجرت أسرته إلى فاس  بالمغرب بعد سقوط غرناطة، وترعرع فيها. درس في جامعة القرويين 1488م، قبل سقوطها بيد الإسبان. عمل كدبلوماسي وسفير لـ السلطان الوطاسي محمد البرتغالي في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، مما أكسبه خبرة واسعة في أفريقيا وخارجها. قام برحلات واسعة شملت تمبكتو، السودان، مصر، جزيرة العرب، تركيا، وتونس.  تم أسره  من قِبل القراصنة الإيطاليين وهو في طريق عودته من تونس، ونُقل إلى نابولي ثم قُدّم كهدية إلى البابا  ليون العاشر في روما تنصّر وأُطلق عليه اسم يوحنا الأسد (ليون الإفريقي). عمل على التأليف، حيث ألّف معجما عربيا عبريا، والأهم من ذلك: كتاب “وصف إفريقيا”.

إلى ذلك تمثل شخصية الوزان  نموذجا للباحث والرحالة الذي عاش “ممزقاً بين عالمين” وهويتين، مما جعل سيرته مادة غنية للأعمال الأدبية والمسرحية مثل “تغريبة ليون الإفريقي” للدكتور أنور المرتجي.

يقول الدكتور حسن لمنيعي رحمه الله في تقديمه للمسرحية  ” عندما يلجأ رجل الأدب، لأول مرة، إلى المسرح ليساهم في إثراء ذخيرته عبر الكتابة، فهذا شيء جميل. لأن المسرح هو وسيلة تعبير تخول لكل كاتب درامي معرفة الرد الفعلي المباشر للمتلقي (قارئًا أو متفرجًا). ومن ثم، فإن وعي الدكتور أنور المرتجي بهذه الحقيقة هو الذي دفعه إلى خلق علاقة جديدة مع قرائه بعد أن عرفوه باحثًا في المجال السيميائي وناقدًا أدبيًا ومترجمًا، إضافة إلى اهتمامه بالفعل السياسي وتعدد كتاباته عن أوضاعه وأعلامه خصوصًا في المغرب.

لقد تجسدت هذه العلاقة في مسرحيته “تغريبة ليون الإفريقي” التي تقدم لنا صفحة من تاريخ المغرب خلال نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر. وتحديدًا إبان حكم السلطان محمد الوطاسي (المعروف بالبرتقالي). وإذا كان هذا الأخير هو الذي كلف الحسن بن محمد الوزان القيام بمهام سفارية أكسبته معرفة بإفريقيا وبعض البلدان الشرقية والأوروبية فإن هذه المهام هي التي ستوقعه أسيرا في يد قراصنة إيطاليين قدموه إلى البابا ” جان ليون” العاشر الذي عمل علة تنصيره وحثه على تأليف كتابه الشهير ” وصف إفريقيا” .

ويخلص الدكتور حسن المنيعي مؤكدا أن الخطاب الذي أراد” الكاتب” توصيله إلينا على لسان  بطله  هو ضرورة تخلص الشعوب من آفة التعصب والتشدد في الرأي . والعمل على درء التزمت والإنغلاق الحضاري  لنهج سياسة حوار ثقافي وديني بناء . وهذا ما تسعى إلى تحقيقه بعض الكتابات الدرامية في أوروبا كما هو الشأن مثلا بمسرحية ” ابتسامة ابن رشد”  للكاتب البلجيكي بيير دبوش .”

والمؤلف الدكتور أنور المرتجي  من مواليد  1951 بمدينة القصر الكبير في المغرب. حصل على دكتوراه السلك الثالث، ويُعد من الأسماء الثقافية المعروفة في المغرب. عمل أستاذا لمادتي اللسانيات والسيميائيات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز بفاس. انضم إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1976. باحث في السيميائيات والنقد الأدبي، وله كتاب “سيميائية النص الأدبي” (1987) ناقد في مجال السرديات (الرواية المغربية والعربية) باحث في الخطاب السياسي ومترجم.

على ظهر غلاف الكتاب نقرأ للمؤلف “

مما لا شك فيه، إن موضوع المسرحية تكتنفه صعوبات، من بينها أن الشخصية المحورية من حيث هي معطى تاريخي مطروقة من جوانب عدة بما فيها التعامل الأدبي الإبداعي”. لكن د. أنور المرتجي استطاع بجدارة أن يلمس في شخصية حسن الوزان، ما ينعكس على الإشكالية الفكرية في الوقت الراهن، لا على الفكر العربي فحسب، ولكن على الفكر العالمي عموماً، وقد استطاع أن يجد مدخله لهذه الشخصية، من منفذ البحث عن الحقيقة في جوهرها، الحق من خلال الدين أو البحث عن الحقيقة الدينية. وهو ما يبلغ أوجه في تبلور الصورة على نحو من وحدة هذه الحقيقة، باعتبارها معبرة عن الوحدة الإيمانية، مهما اختلفت المظاهر والطقوس والسمات.

وبطبيعة الحال، يضيف المرتجي “فإن هذا المنظور يتقاطع مع مفاهيم من وحدة الوجود، وعوالم من ضروب الطقوس الزهدية والتصوفية والرهبانية، بكافة الصور والألوان والأصوات عبر كونية عتيقة وراهنة ومستقبلية، وبمختلف مرجعياتها الفكرية وخلفياتها الدينية، من سماوية وغير سماوية؛ لكنه أيضاً وعلى الخصوص، يعكس قلق الراهن الفكري المتعلق بظواهر وانشغالات عالمنا وانشغالاتنا فيه.

عزيز باكوش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!