أخبار مسرحية

عصام السيد يكتب: أسرار التكريم في (المسرح) العربي.. (4).. البابا شنودة وخالد جلال

بعد أن تم وضع قائمة طويلة للمكرمين في مهرجان (المسرح) العربي الذى انعقدت دورته السادسة عشر في القاهرة في العاشر من يناير 2026، وجدت اللجنة التنسيقية للمهرجان أن تلك القائمة لابد من اختصارها حسب طلب الهيئة العربية للمسرح.

وبالفعل تم اختيار قائمة أقصر مع مراعاة تكريم بعض الجهات التي أسهمت في الحركة المسرحية المصرية، وخرجت أجيال من الفنانين والكتاب والمخرجين المتميزين مثل نوادى (المسرح) بالثقافة الجماهيرية، وكذلك أشهر فرقة مستقلة تعمل بانتظام حتى الآن.

إلى جانب الهواة التي جرى اختيار الجمعية المصرية لهواة (المسرح) ممثلا عنهم، ولكن القائمة من وجهة نظرى كانت قاصرة لأنها لم تضم فرعا هاما و نشاطا متواصلا عبر سنوات هو (المسرح الكنسي).

في الحقيقة إن عمر (المسرح الكنسي) في مصر أقدم مما نتصور فالدراسات تشير إلى أن العروض الأولى للمسرح الكنسي في مصر بدأت في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين – و لكنى أعتقد أنها بدأت قبل هذ بزمن – بسبب اهتمام الكنيسة بتعليم الشباب والاطفال بوسائل فنية، وساعد على ذلك وجود قاعات داخل الكنائس تسمح بالعروض.

 وظهر (المسرح) في البداية كنشاط تربوي داخل مدارس الأحد، التابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بهدف تعليم الأطفال والشباب القصص الكتابية وترسيخ القيم المسيحية بأسلوب تمثيلي مبسط .

حيث كانت الكنيسة تتبنى عروضًا بسيطة داخل الكنائس ثم تطور الامر لاحقًا إلى فرق مسرحية ومهرجانات كنسية، ثم تبنت  طوائف أخرى النشاط  المسرحى تدريجيًا مثل: الكنيسة القبطية الكاثوليكية والكنيسة الإنجيلية (البروتستانتية).

عصام السيد يكتب: أسرار التكريم في (المسرح) العربي.. (4).. البابا شنودة وخالد جلال

نجوم (المسرح الكنسي)

كان من أبرز نجوم (المسرح الكنسي) في بدايته الأستاذ (نظير جيد) البابا شنودة الثالث لاحقا، الذى ساهم في ترسيخ فكرة استخدام (المسرح) كوسيلة تعليم ديني داخل الكنيسة، بل وكتب عددًا من النصوص الدينية والتمثيليات الكنسية التي كانت تُقدَّم للشباب والأطفال في وقت أن كان خادما في مدارس الأحد وقبل أن يصبح بابا الكنيسة.

ومن بعده جاء (الأنبا موسى) أسقف الشباب، الذى دعم بقوة نشاط (المسرح الكنسي) ضمن برامج الشباب والأنشطة الثقافية، وارتبط اسمه بتطويره في العقود الأخيرة.

خاصة عبر مهرجانات مثل مهرجان الكرازة المرقسية الذى يعد أحد أهم المنصات الداعمة للفنون – وعلى رأسها المسرح الكنسي – لما يتمتع به من تأثير تربوي وروحي وثقافي واجتماعي فاعل في بناء الإنسان وخدمة المجتمع.

ففي عام 1986 انطلق (مهرجان الشباب القبطي الأول) بحضور قداسة (البابا شنوده الثالث)، حيث قُدِّم عرض (الشاهد الصامت) من إخراج (ناجي أنجلو)، كأحد أبرز العروض الكنسية في ذلك الوقت.

واستمر النشاط المسرحي سنويًا حتى تبلور في صورته الحالية مع تأسيس (مهرجان الكرازة المرقسية) عام 2004 على يد نيافة (الأنبا موسى)، ليصبح مهرجانًا سنويًا ممتدًا داخل مصر وخارجها، ومترجمًا إلى عشر لغات أجنبية.

ويشمل التسابق داخل المهرجان جميع المراحل من الحضانة إلى الخريجين، وأيضا الفئات الخاصة من ذوى الهمم كالصم والمكفوفين، ويضع في اعتباره أيضا الحرفيين وكبار السن، ويقيم برامج لمحو الأمية وبرامج للأسرة، بما يعكس الهدف الأساسى للمهرجان وهو (خدمة كل إنسان وكل الإنسان، فى كل مكان وزمان).

ويُعد النشاط المسرحي من أكبر مسابقات المهرجان، حيث يشارك سنويًا ما يقرب من 1500 عرض مسرحي من مختلف محافظات مصر، ويتم تصعيد نحو 450 عرضًا منها بعد مرحلتين من التقييم، وصولًا إلى التصفيات النهائية المركزية، بالإضافة إلى مشاركة حوالى 50 عرض من دول المهجر.

وتشمل مسابقات المسرح تنوعًا فنيًا، مثل: (المسرح الكبير، المونودراما، المايم والبانتومايم، المسرح الأسود، الأوبريت، الحكي، مسرح الطفل، والعرائس بأنواعها المختلفة)، إلى جانب العروض المسرحية الحديثة.

عصام السيد يكتب: أسرار التكريم في (المسرح) العربي.. (4).. البابا شنودة وخالد جلال

(مهرجان الكرازة)

لم يهتم (مهرجان الكرازة) بالعروض فقط بل اهتم بالتدريب وبناء الكوادر من خلال ورش وتدريبات فنية متخصصة تقوم بها مدرسة المبدعين بأسقفية الشباب، وأيضًا رعاية الموهوبين وتكريم المبدعين، مع تصعيد العروض المتميزة للمشاركة في مهرجانات محلية ودولية، بما يرسّخ رسالة المسرح الكنسي كأداة فاعلة في خدمة الكنيسة والمجتمع والوطن .

ولكن لم تكتمل القائمة للجهات المكرمة في (المهرجان العربى) إلا بإضافة مركز الإبداع الفني، تلك التجربة الرائدة التي تم استنساخها فيما بعد عدة مرات و تحت عشرات الأسماء لكنها تحمل نفس التوجه و تحاول ان تقترب من نفس المحتوى.

وتبدأ قصة هذا المركز بعد افتتاح مسرحه بعام تقريبا عندما اقترح مديره المخرج الشاب – في ذلك الوقت – (خالد جلال) أن يتخصص المركز في التدريب على مجالات المسرح، وقدم لوزير الثقافة فاروق حسنى مشروعا متكاملا للتدريب يضم اقساما للتمثيل والإخراج و الديكور والأزياء، واختار لهم كبار الأساتذة.

وكان التدريب فى قسم التمثيل يهدف الى تخريج فنان شامل يستطيع التمثيل والرقص والغناء بنفس الجودة، الى جانب دروس في الاتيكيت والتعامل مع التصوير ووسائل الإعلام.

وبمجرد موافقة الوزير استقبل المركز الدفعة الأولى عام 2003 بعد اختبارات كثيرة، ليقدم للشباب الفائزين في تلك الاختبارات منحة مجانية للدراسة في المركز مقدمة من وزارة الثقافة ممثلة في قطاع صندوق التنمية الثقافية.  

ومنذ الدفعة الأولى التي تخرجت من مشروع المركز، شهدت الساحة الفنية أسماءً لمعت وتتابعت عقب تخرج كل دفعة ، فأصبح المركز بؤرة اهتمام شباب الفنانين الراغبين في صقل موهبتهم، وانطلقت شهرته إلى العالم العربي، فأصبح يفد إليه طلاب متدربون من كافة البلاد العربية.

وأصبحت عروض التخرج من المركز محل اهتمام النقاد و العاملين بالوسط المسرحى والجمهور، سواء كانت عروض قسم التمثيل النوعية كالرقص المعاصر التي اشرف عليها الفنانين ( ضياء شفيق ومحمد مصطفى)، أو الإلقاء الذى درسته الدكتورة نجاة علي.

عصام السيد يكتب: أسرار التكريم في (المسرح) العربي.. (4).. البابا شنودة وخالد جلال

المايسترو (عماد الرشيدي)

أو الغناء التي قادها المايسترو (عماد الرشيدي) أو معارض الديكور والأزياء التي تمت تحت اشراف (الدكتور ناجى شاكر)، و(الأستاذ صلاح مرعي)، ومن بعدهم الأستاذة (نعيمة عجمي، أو مشاريع طلاب قسم الإخراج التي أشرف عليها المخرج (عصام السيد).

كل هذه الأنشطة كانت حجرا ضخما حرك المياه في الحركة المسرحية، وفازت تلك العروض بكثير من الجوائز لكن يظل عرض (قهوة سادة) درة التاج في عروض التخرج حيث فاز بجائزة أفضل إخراج من مهرجان القاهرة التجريبي  و جائزة لجنة التحكيم الخاصة من المهرجان القومي للمسرح.

كما أنها عرضت في كثير من مسارح القاهرة والأقاليم، وقدمت خارج مصر في (الأردن، الجزائر، الإمارات، ليبيا، تونس).

أما عرض التخرج (سلم نفسك) فقد  شرفه بالحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي برفقة الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية، كما شارك طلبة مركز الإبداع الفني بدفعاتهم المختلفة في عروض افتتاح منتدى شباب العالم في دوراته الثلاث بشرم الشيخ بحضور الرئيس الذى تفضل بتكريم المخرج خالد جلال في ختام المنتدى.

ان تكريم مركز الابداع في المهرجان العربى – إلى جانب بقية الجهات – يعنى أن الجهود الصادقة لا تذهب سدى، وأن الاهتمام بالشباب وتدريبهم هدف أسمى من مجرد إنتاج عروض.

و في حالة مركز الإبداع فإن التكريم ليس فقط لصاحب فكرته ومديره ومدرب قسم التمثيل فيه الفنان القدير (خالد جلال)، بل هو تكريم لكل المواهب الشابة التي لمعت على الساحة الفنية من ممثلين ومخرجين ومهندسى ديكور ومصمى أزياء من خريجى المركز.

عصام السيد – shahrayar

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!