عندما يتكلم الفن سياسة

في شهر رمضان يحلو للفن أن يرتدي رداء السياسة من خلال بعض الأعمال الدرامية، وذلك استغلالاً للفن باعتباره الوسيلة الأكثر تأثيراً في الرأي العام بكل طبقاته الاجتماعية، بصرف النظر عن مستويات المشاهدين التعليمية أو الاقتصادية، وباعتباره الأداة الأجدى لتشكيل الوعي الجمعي وإطلاع الناس على المخفي والمعلن تجاه القضايا القومية والوطنية والصراعات الإقليمية.
التوظيف السياسي للفن ليس اختراعاً جديداً، ولكنه قديم متجدد. مسرح وليم شكسبير (1564- 1616) كان سياسياً بامتياز، وظف قدراته الإبداعية لتسليط الضوء على أشكال للاستبداد والصراع على العرش والاغتيال السياسي وهي قضايا عبّرت عنها العديد من مسرحياته مثل «ماكبث» و«هاملت» و«يوليوس قيصر» و«أنطونيو وكليوباترا» و«الملك لير» بلغة مسرحية بليغة ظلت خالدة في الوجدان الإنساني وتناولها المسرحيون حول العالم وفي مختلف العصور بمعالجات ورؤى مختلفة.
السينما الأمريكية كانت وستظل أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ولعلها من أكثر الأدوات التي جعلت من الولايات المتحدة حلماً للشباب حول العالم، وقدمت الولايات المتحدة في صورة القوة التي لا تقهر ومركز الكون وأن تدميرها هو تدمير للكوكب، وأنها الحامية للعالم من قوى الشر المعادية للحضارة الغربية، ولعل كلمات الرئيس روزفلت «السينما مكون اقتصادي واجتماعي مهم في المشروع القومي الأمريكي»، كانت هي الأكثر اعترافاً بدور الفن في تصدير قيم الإمبراطورية خارجياً وصناعة التفوق الأمريكي.
الفن العربي أيضاً يرتدي رداء السياسة من وقت لآخر، ومن أكثر الأزمات التي صرخ الفن في وجهها وحاول عبر أعمال مختلفة فضحها وكشف نوايا عناصرها الإجرامية أزمة التطرف والعنف والإرهاب، وكان أحد الأسلحة التي تصدت بها مصر لهذه الآفة، وقبل ثورة 30 يونيو/ حزيران قدم الفن المصري الكثير من الأعمال المناهضة للإرهاب والارهابيين منها «الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام» و«الإرهابي».
وأشار عدد من الأعمال إلى جماعة الاخوان باعتبارها المصدر الرئيسي لتفريخ الإرهاب مثل مسلسلي «العائلة» و«الجماعة»، وبعد 30 يونيو أصبحت مصر حريصة على تقديم أعمال فاضحة للجماعة وأشقائها من الجماعات الإرهابية، وقدمت في هذا الصدد أعمالاً مهمة مثل «الاختيار» بأجزائه الثلاثة، و«هجمة مرتدة» و«القاهرة – كابول» ولجأت للتاريخ بحثاً عن جماعات القتل والترهيب التي استوحت منها جماعات معاصرة نهجها مثل «الحشاشين»، وفي رمضان الحالي تتناول الدراما رحلة واحد من أخطر رجال الجماعة منذ شبابه وحتى القبض عليه عام 2020 مع الإرهاب وهو محمود عزت المرشد الحقيقي والخفيّ لجماعة الإخوان بعد ثورة 30 يونيو، والذي يتمحور حوله مسلسل «رأس الأفعى» وهو اللقب الذي أطلق عليه نتيجة الدور التخريبي الذي لعبه لتدمير مصر وتخريبها انتقاماً من خلع شعبها للحكم الإخواني.
وبجانب محمود عزت العقل المدبر للجماعة الإرهابية يكشف المسلسل سيرة شخصيات قيادية فيها كانت تلعب وتقود وتخطط في الظل، وهي التي تحرك القيادات المعروفة إعلامياً، ويضيء على دور ضباط الأمن الوطني في تعقب هؤلاء العناصر وإحباطهم للكثير من العمليات التي كان يمكن أن تضاعف أعداد ضحايا الإرهاب لولا اليقظة الأمنية، والمسلسل يعد واحداً من أهم الأعمال التي تعرض في الموسم الحالي.
وسيظل الصراع العربي الإسرائيلي مادة خصبة للتناول الفني سواء من خلال الدراما أو السينما، وقد وثقت أعمال مختلفة ستظل خالدة في الوجدان العربي، بطولات مخابراتية وعسكرية مصرية مثل «رأفت الهجان» و«جمعة الشوان» و«دموع في عيون وقحة»، و«فارس بني جواد» و«الطريق إلى إيلات» و«الممر» و«الرصاصة لاتزال في جيبي» و«أبناء الصمت».
وإذا كان الفن المصري ركز عبّر تاريخه على فصول الصراع المصري الإسرائيلي، فقد قام هذا العام بتوسيع الدائرة، ويتم حالياً عرض المسلسل الأهم وهو «صحاب الأرض» الذي يتمحور حول الحرب الإسرائيلية على غزة ويتناول الوضع الإنساني لسكان غزة في ظل الحرب التي امتدت لعامين، وهو المسلسل الي أثار استياء وغضب إسرائيل وتفرد قنوات وصحف إسرائيلية مساحات لديها لتناول ومناقشة حلقاته بشكل يومي. المسلسل يجمع بين مشاهد توثيقية حقيقية ومشاهد تمثيلية وقد أحيا صور بعض من مآسي الحرب الظالمة رغم أنها لم تغادر الذاكرة العربية.
محمود حسونة – الخليج



