“فاوست” الإيراني يبحث عن معنى الوجود بعد انتحاره
الكاتب المسرحي عباس نعلبنديان يطرح أزمة الإنسان المعاصر

ملخص
تستعرض مسرحية “ماذا لوظفر فاوست بقدر من الولاء” للكاتب الإيراني عباس نعلبنديان رحلة “ص. ص. م” في البرزخ بعد موته، بحثاً عن صفقة مع الشيطان ضمن رؤية وجودية عبثية. النص يجمع بين الثقافة الإسلامية والتراث العالمي في بناء مسرحي غير تقليدي يعكس عبثية الحياة.
اهتمّ المسرح الشرقي بأسطورة “فاوست”، ففي العالم العربي ظهرت أكثر من ثلاثين معالجة مسرحية لهذه الأسطورة، منها “عبد الشيطان” لمحمد فريد أبو حديد، و”أشطر من إبليس” لمحمود تيمور، و”سليمان الحكيم”، و”نحو حياة أفضل” لتوفيق الحكيم، و”دموع إبليس” لفتحي رضوان، و”فاوست الجديد” لعلي أحمد باكثير، و”عقد مع الشيطان” لمحمد سالم، وصولاً إلى “فاوست والأميرة الصلعاء” لعبد الكريم برشيد، و”ليلة فاوست الأخيرة” لعصام عبد العزيز.
وتأتي مسرحية الإيراني عباس نعلبنديان “ماذا لو ظفر فاوست بقدرٍ من الولاء”، (سلسلة المسرح العالمي – الكويت، ترجمة شيرين خيري)، لتندرج ضمن الرؤية الشرقية لأسطورة “فاوست”. تظهر فيها ملامح من الثقافة الإسلامية لدى مؤلفها، ولا سيما ما يتعلق بتصوّر حياة البرزخ، العالم غير المرئي الذي تستقر فيه الأرواح بعد الموت انتظاراً ليوم البعث. منطقة رمادية ينطلق منها بطل المسرحية “ص. ص. م” في رحلته للقاء “فاوست” في جنة عدن والبحث عن الشيطان من أجل عقد صفقة معه.
تستحضر المسرحية التصور الإسلامي للجنة، بأنها تجري فيها أنهار من اللبن، غير أن نعلبنديان يكسر هذه الصورة المثالية، ويجعل أهلها يشتاقون إلى الماء. يصورها عالماً رتيباً يبعث على الملل، يكرر سكانه الأفعال ذاتها، ويبحثون عن أي شيء يبدد رتابة الحياة، على رغم أنهم يعيشون في نعيم وارف الظلال، غارقين في متع لا حصر لها؛ “- المساعد: دعني أخبرك، اجتمع نفر من المشايخ الملالي وكانوا يقرؤون ما اعتادوا قراءته. – السيد ص. ص. م: آه! هل يقرؤون هناك أيضاً ما اعتادوا قراءته؟ – المساعد: نعم سيدي، أجل يا سيدي؛ فالإقلاع عن العادات يورث المرض” (ص)58.
جذور فارسية
ومن المشاهد التي تكشف عن الخلفية الدينية لمؤلف المسرحية ما يتعلق بالمقارنة بين النار والتراب، وهي مقارنة تتكرر في أكثر من موضع. ويحرص عباس نعلبنديان على إبراز التضاد بين العنصرين، فالنار تمثل المادة التي خُلقت منها الشياطين، والتراب مادة البشر. ليتشكل صراع بين العنصرين حول الأفضلية. تتفاخر النار بنقائها الدائم وقدرتها على التطهير، فيما يفتقد التراب هذه القدرة. ويمكن ردّ هذا التصور إلى خلفية دينية أقدم من الإسلام، ترتبط بتراث الفرس الديني القديم، وبخاصة الديانة الزرادشتية التي قدّس أتباعها النار وعدّوها عنصراً من عناصر الطهارة، وربطوها بالإله الفارسي أهورامزدا، الذي يرد ذكره أيضاً في المسرحية.
وتأتي هذه المنافسة لتقدم وظيفة مهمة في ما يتعلق بالصراع الفاوستي يقف فيه الإنسان بضعفه الأرضي، في مواجهة قوى تتجاوز طبيعته، ساعياً إلى تجاوز حدوده ولو كان الثمن عقد صفقة مع الشيطان.
النزعة الوجودية
وتمتد تناصات نعلبنديان إلى الثقافة الإنسانية العالمية، بما يخدم النزعة الوجودية التي يبثها في ثنايا المسرحية، والتي تتخذ في كثير من مواضعها بعداً عبثياً. ففي هذا السياق يحضر دون كيخوتة، بطل رواية ميغيل دي ثيربانتس، المعروف بصراعاته العبثية مع طواحين الهواء، كما يستحضر شخصية يهوذا الإسخريوطي، ليقلب صورتها التقليدية، ويجعله من أهل الجنة، زاعماً أن كل ما قيل عنه لم يكن سوى مسرحية معدة سلفاً، لا تعكس حقيقة الواقع.
ويمتد الاستدعاء الثقافي كذلك إلى الميثولوجيا الإغريقية، عبر شخصية بروميثيوس، حامي البشر وصديقهم، الذي سرق النار المقدسة من جبل الأولمب وأهداها إلى الإنسانية، فكان ذلك إيذاناً ببداية الحضارة غير أن نعلبنديان يتخذ موقفاً نقدياً من هذه الحضارة، يرفض المسار الذي آلت إليه، متمنياً لو أن البشرية بقيت في حالتها الأولى قبل اندفاعها في طريق التقدم الصناعي والعلمي.
ويعبر عن هذا الموقف بوضوح على لسان شخصية “ص. ص. م”، في حواره مع الشيطان مفيستوفيليس؛ “يا له من قرن بغيض هذا الذي يمر بنا! ماذا كان سيحدث لو لم يحدث اكتشاف المحرك البخاري؟ لو لم يقل ذلك الرجل المجنون في نفسه: لماذا سقطت التفاحة على الأرض ولم ترتفع في الهواء؟ لو لم يجرؤ أحد على القول إنني وأمثالي من البشر لسنا سوى إخوة لوحوش الغابة البشعة؟ لو لم تكن هناك كهرباء، ولو لم تكن هناك صناعة… أوه، يا له من وقت سعيد، يا سيد مفيستوفيليس، لو كنا نعيش في تلك الأيام الخوالي” (ص81).
يرى في التقدم العلمي سبباً إضافياً لاغتراب الإنسان الوجودي، فكلما ازدادت قدرته على السيطرة على الطبيعة، ازداد ابتعاداً عن براءته الأولى وعن بساطة الحياة القديمة. وظهرت هذه النظرة النقدية للعلم بكثرة في الأدبيات الغربية، ولا سيما بعد الحربين العالميتين، حين اهتزت الثقة بالعلم بعد أن استخدم في إنتاج وسائل دمار غير مسبوقة. وكانت الثقافة الغربية قد شهدت قبل ذلك تراجعاً في اليقين الديني، الأمر الذي أسهم في نشوء نزعات فكرية وأدبية تشكك في معنى الوجود نفسه، فظهرت اتجاهات فنية وأدبية منها مسرح العبث، الذي عبر عن شعور الإنسان الحديث باللاجدوى والاغتراب. وقد مهدت هذه التحولات الفكرية لاحقاً لظهور ما يعرف بتيار ما بعد الحداثة، الذي اتسم بنقده للسرديات الكبرى، ومنها الإيمان المطلق بالتقدم والعقلانية العلمية.
كذلك تظهر رموز أخرى من الأساطير اليونانية مثل ميداس وأطلس. وفي المشهد الثاني من الفصل الثاني يستحضر عباس نعلبنديان مجموعة من الصور المعلّقة خلف مكتب الشيطان مفيستوفيليس، تضم شخصيات من عصور وثقافات مختلفة، من بينها نيكولو مكيافيلي، وجنكيز خان، وأتيلا الهوني، وأنوشيروان العادل، ونادر شاه، وآغا محمد خان القاجاري، وفريدريك نيتشه، والحجاج بن يوسف الثقفي، وجوزيف ستالين، وماركيز دي ساد، ودراكولا، وتيمورلنك، وماكسيميليان روبسبير، إلى جانب عدد من الباباوات وغيرهم.
تنتمي هذه الأسماء إلى أزمنة وثقافات متباينة، فبعضها ارتبط في الذاكرة التاريخية بالعنف والقسوة، بينما عرف بعضها الآخر بالعدل. ومن بين هذه الشخصيات أنوشيروان، أحد أشهر وأقوى ملوك الإمبراطورية الساسانية (حكم 531–579م)، والذي ارتبط اسمه بالعدل، وعرف برعايته للفلسفة والعلوم وبلغت بلاد فارس في عهده أوج قوتها.
يقدم نعلبنديان بهذه الصور تاريخ السلطة البشرية، فيلتقي الطغاة والفلاسفة والكتاب والقادة في فضاء واحد، فالتاريخ كله بخيره وشره من وجهة نظر المسرحية يقع ضمن نطاق التجربة الشيطانية التي تحكم العالم.
أسئلة فلسفية
تمتلئ المسرحية بأسئلة وجودية وعبثية حول معنى الحياة وجدواها، وهي أسئلة يبدو أنها كانت تشغل مؤلفها عباس نعلبنديان نفسه، الذي أنهى حياته منتحراً عام 1989. كتب على علبة سجائره قبل موته “أتمنى ألا يأتيني أحد اليوم أو غداً”، ويجد هذا المصير صداه داخل المسرحية نفسها، إذ يلقى بطلها “ص. ص. م” المصير ذاته، فيتحرك في أحداثها كما لو كان شبحاً بعد انتحاره، مدفوعاً بشعور عميق بعدم الجدوى. وللتعبير عن هذه الحالة النفسية المضطربة وما تموج به من انفعالات، يعتمد نعلبنديان على المونولوغات الطويلة التي تكشف أعماق الشخصية. يأتي المشهد الأول من المسرحية في صورة مونولوغ طويل يعبر عن حالة الخراب النفسي التي تستولي على البطل، الذي لم يعد قادراً على التمييز بين الواقع والحلم. يقيم في مكان مظلم، يشكو سوء حظه وعبثية الحياة: “ألا يمكن أن تفتح نافذة مشرقة على قصري الممتلئ بظلمتي؟ هل العالم فقط هكذا؟ هل الموت والحياة مجرد معاناة مستمرة واضطراب لا نهاية له للروح؟ آه يا أيتها الطبيعة، يا أمّ الحياة، هل يمكنني التحدث مع أحد غيرك” (ص22).
ونلاحظ أن البطل في هذا المونولوغ ينادي الطبيعة لا الإله، يبحث عن مصدر بديل للمعنى بعد أن خاب أمله في المعرفة الدينية والعلمية معاً. وتكشف عن نوع من التمرد على المؤسستين، العلمية في كراهيته للتقدم التكنولوجي، والدينية في سعيه إلى عقد صفقة مع الشيطان. وحين يفشل في عقدها يدخل في صراع مع الشيطان، ويعيره بطرده من الجنة: “كم أنت مراوغ عديم الضمير، لذلك طُردت من النعيم” (ص87). يشتعل الصراع بينهما، ليفضي في النهاية إلى خواء وجودي عميق لـ” ص. ص. م” ليعود إلى وحدته ويأسه: “استسلمت لهذا الطريق السيئ عبثاً، وعدت واجماً يائساً شريداً؛ غادرت بقلب مفعم بالأمل والروح السعيدة، وعدت بوجه متجهم وقلب مكسور” (ص94).
بناء غير تقليدي
ومن حيث البناء الدرامي، لا تعتمد مسرحية نعلبنديان على النمط التقليدي للحبكة المسرحية القائمة على بداية ووسط ونهاية واضحة، ويظهر في حواراتها تداخل الموضوعات، فنجد بعض الشخصيات تتحدث في مسألة معينة، بينما ينصرف الطرف الآخر إلى مسألة مختلفة تماماً. يجري الحوار في مسارين منفصلين، مثلما هي الحال في الاشتباك البدني الدائر بين “فاوست”، و”دون كيخوته” بالسيوف، فيما “ص. ص. م” يسترجع ذكرياته المؤلمة. كذلك الانتقالات بين الأحداث تظهر بصورة غير منطقية عبر قفزات مفاجئة من موضوع إلى آخر من دون تمهيد درامي واضح. هذا الأسلوب تقنية مقصودة، تنتمي إلى تقاليد مسرحيات العبث التي تعمل على تجسيد لا منطقية الحياة وتفكك المعنى في العالم المعاصر.
والصراع داخل المسرحية يتخذ طابعاً تأملياً أكثر منه درامياً، يركز على الأبعاد النفسية وعلى الداخل أكثر من العناصر الخارجية، وتبلغ هذه الرؤية العبثية ذروتها في نهاية المسرحية، حين يدعو “ص. ص. م” كلاً من “فاوست” و”دون كيخوته”، و”يهوذا الإسخروطي” من الجنة إلى العالم البرزخي. فيخبرونه أنهم وجدوا حيلة للقضاء على الملل الأبدي في الجنة من خلال لعبة الغميضة، التي يمارسونها بجدية كاملة، وينظرون إليها على أنها اختراع جدير بالاحتفاء؛ في إشارة إلى أن البحث عن الخلاص نفسه أصبح نوعاً من اللعب.
عبدالكريم الحجراوي – إندبندنت عربية



