أخبار مسرحية

“كارمن” برؤية ناصر عبدالمنعم: تبدأ بنهايتها ولا تصدق نبوءتها

الجسد يعمق السرد مجسدا الصراعات النفسية لأبطال حكاية أسطورية

يُعيد المخرج ناصر عبدالمنعم صياغة أسطورة “كارمن” على مسرح الطليعة برؤية قاسية تتحرر من رداء الأوبرا الرومانسي. يغوص العرض في سيكولوجية السيطرة والإغواء، مستخدما السرد الدائري ولغة الجسد لتقديم مأساة إنسانية تبدأ وتنتهي بالدم، حيث تتحول الأنوثة إلى سلاح والمسرح إلى طبقات من الكشف والغموض.

كارمن، الغجرية المتمردة، المرأة التي لا تؤمن بالحب بوصفه وعدًا أو التزامًا، بل تراه لحظة عابرة تختبر فيها قوتها وقدرتها على السيطرة. لا تبحث عن الأمان، ولا ترى في العلاقات سوى مساحة للتجربة، تعطي فيها بقدر ما يخدم مصلحتها، ثم تمضي دون ندم أو التفات.

هذه الشخصية الإشكالية، التي جمعت بين الفتنة والقسوة، ظلت واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في التاريخ الفني، وقدمت في أعمال مسرحية وسينمائية لا حصر لها، مصرية وعالمية، غير أن حضورها الأشهر والأكثر تأثيرًا ظل في أوبرا كارمن للموسيقار الفرنسي جورج بيزيه، المستوحاة من الرواية القصيرة التي كتبها بروسبيرميريميه عام 1845.

مسرحية “كارمن”، التي عُرضت مؤخرًا على مسرح الطليعة وحققت ما يقرب من 150 ليلة عرض، تقدم قراءة مختلفة لهذه الشخصية، قراءة اختار فيها المخرج ناصر عبدالمنعم أن ينحاز إلى الرواية أكثر من الأوبرا. هذا الاختيار ليس تفصيلًا عابرًا، بل قرارًا يحدد شكل العرض ومساره الدرامي. فالرواية تقدم عالمًا أكثر قسوة منذ البداية، عالمًا تمهَّد فيه الجريمة مبكرًا، وتُزرع فيه بذور العنف داخل العلاقات، بينما جعلت الأوبرا قتل كارمن نتيجة انفجار عاطفي مفاجئ بدافع الغيرة.

اعتماد الرواية هنا جعل العرض أكثر قتامة وأقل رومانسية، وجعل النهاية تبدو امتدادًا منطقيًا لمسار طويل من الدم والخيانة، لا صدمة درامية في اللحظة الأخيرة.

العرض يعتمد على الرقص الإسباني والرقص هنا ليس استعراضًا منفصلًا عن الدراما، بل جزء من السرد نفسه

يبدأ العرض بدخول كارمن إلى الحانة، بفستانها الأحمر والأسود، وردة حمراء خلف أذنها، شعرها الغجري المنكوش، وأحمر شفاه يزيد حضورها البصري قوة. منذ اللحظة الأولى، تفرض كارمن نفسها على الخشبة قبل أن تنطق بكلمة. جمالها ليس بريئًا، بل واعٍ بذاته.

في مشهد القمار، تشجع مصارع الثيران وتحذره ممن يلاعبه، وتبدو في لحظة متعاطفة ومغرية. لكن ما إن يخرج الرجل حتى تنقلب نبرتها فجأة، وتطالب بحقها فيما كسبه المقامر أثناء اللعب. هذا التحول السريع يكشف مبكرًا طبيعة الشخصية التي يقدمها العرض.

كارمن هنا لا تغوي من أجل المتعة، بل من أجل السيطرة. أنوثتها أداة، وصوتها سلاح، وهي تعرف متى تستخدم كلًّا منهما.

فلاش باك

يعتمد العرض بشكل كبير على الرقص الإسباني، الذي تقدمه بطلة العمل ريم أحمد، بتصميم د. سالي أحمد. الرقص هنا ليس استعراضًا منفصلًا عن الدراما، بل جزء من السرد نفسه. جسد كارمن يتحرك كما تفكر، بخفة حين تريد الإغواء، وبحدة حين تشعر بالتهديد.

ريم أحمد تقدم أداءً متكاملًا، تمثل وترقص وتغني وتلون صوتها، وتتعامل مع جسدها باعتباره وسيلة تعبير أساسية. هذا الدور يؤكد نضجًا فنيًا واضحًا في مسيرتها، وانتقالًا كاملًا من صورتها السابقة في ذاكرة الجمهور وهي طفلة كأصغر أبناء ونيس في مسلسل عائلة ونيس إلى ممثلة قادرة على حمل عرض كامل على كتفيها. وحصولها على جائزة أفضل ممثلة دور أول في ختام الدورة الثامنة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري جاء تتويجًا لهذا الأداء الذي جمع بين القوة والسيطرة والقدرة على التحول.

على مستوى الرؤية البصرية، يلعب الديكور دورًا محوريًا في العرض. اعتمد المخرج على تقسيم المسرح إلى طبقات متعددة، يفصل بينها ستائر، وتنتهي بطبقة من قماش الماش في الخلفية، وهو قماش باهظ الثمن تم استيراده خصيصًا للعرض. هذا القماش لا يكشف ما وراءه إلا عند تسليط الضوء عليه، فيتحول الضوء من أداة تقنية إلى أداة كشف وفضح.

ما يحدث في حياة كارمن الخاصة يظل مستترًا، لا يظهر إلا حين يُراد كشفه. بهذه الطريقة، لا يكتفي الديكور بتحديد المكان، بل يشارك في بناء المعنى، ويجعل من الخشبة مساحة تتحرك أخلاقيًا بقدر ما تتحرك مكانيًا.

يُقدَّم العرض بتقنية الفلاش باك، حيث يبدأ بمشهد مقتل كارمن داخل الحانة، ثم يعود خوزيه ليسرد الحكاية كاملة على مصارع الثيران الذي أحبها هو الآخر، وفي المكان نفسه. هذا البناء يمنح المتفرج معرفة مسبقة بالنهاية، ويجعل التركيز منصبًا على الكيف لا على ماذا حدث.

واللافت أن العرض لا يكتفي بالعودة إلى المشهد الافتتاحي في نهايته، بل يعيد تقديمه مع إدخال تعديلات واضحة في التفاصيل، حتى لا يتكرر المشهد حرفيًا فيصيب المتفرج بالملل.

يضيف المخرج لحظات جديدة ونبرات مختلفة وتفاصيل لم تكن موجودة في المشهد الأول، فيتحول الختام من مجرد تكرار إلى إعادة نظر.

هذا البناء، المعروف بالسرد الدائري، يجعل البداية والنهاية تلتقيان في المكان نفسه، لكن بوعي مختلف، بعد أن يكون المتفرج قد عرف القصة كاملة وشاهد تحولات الشخصيات.

في هذا السياق، يضيف المخرج شخصية العرافة التي تقرأ التاروت لكارمن. العرافة تخبرها بما سيحدث، وكانت كارمن تصدق نبوءاتها في السابق، لكنها هذه المرة ترفض التصديق، ولا تأخذ حذرها، ولا تتوقع أن يصل خوزيه إلى قتلها، رغم أنه قتل عشاقها وزوجها من قبل.

قراءة مختلفة لشخصية كارمن اختار فيها المخرج ناصر عبدالمنعم أن ينحاز إلى الرواية أكثر من الأوبرا

هذا الرفض لا يبدو إنكارًا بريئًا، بل امتدادًا لثقة كارمن المفرطة في قدرتها على التحكم في الرجال والمصائر، وإيمانها بأنها قادرة دائمًا على الإفلات، حتى من الموت.

ويقدم ميدو عبدالقادر شخصية الضابط خوزيه بأداء يعتمد على التحول التدريجي. يبدأ صارمًا منضبطًا، واثقًا في نفسه ومكانته، ثم يتفكك تدريجيًا تحت تأثير كارمن. تلقي له الوردة، فيخبئها بحرص شديد داخل ملابسه، حريصًا ألا يراها أحد، لكن كارمن تخرج الوردة من ملابسه بسهولة مدهشة، وكأنها كانت تعرف مكانها مسبقًا. هذا الفعل لا يُقدَّم كحيلة ذكية، بل كدلالة على ثقة كارمن المطلقة في قدرتها على الإغواء والسيطرة، وعلى يقينها بأنها ترى ضحاياها أكثر مما يرون أنفسهم.

يساعدها خوزيه على الهرب، يُسجن بسببها، ثم يخرج ليجدها وسط عصابة تهريب. يقتل زميله في الجندية، ثم يقتل زوجها دفاعًا عنها، رغم أنها تلقي بالخنجر لزوجها لا له. هذا الفعل يظل لغزًا يطارده حتى النهاية، ويكشف حجم التناقض في شخصية كارمن، التي تطلب الحماية حين تحتاجها، لكنها لا تمنح الولاء أبدًا.

ورغم كل ما فقده بسببها، يظل خوزيه يحبها حتى بعد أن قتلها. يحتضن جسدها الملقى على الأرض، في لحظة تختصر مأساة رجل لم يدرك إلا متأخرًا أنه لم يكن شريكًا في علاقة، بل أداة في لعبة أكبر منه. هنا لا يقدم العرض قصة حب، بل قصة انهيار كامل، بدأ بوهم السيطرة، وانتهى بالعنف.

رهان على السرد

شارك في بطولة العرض محمد حسيب في دور باستيا صاحب الحانة، نهال فهمي في دور ميكائيلا، لديا سليمان في دور العرافة مانويلا، عبدالرحمن الجميل، أحمد علاء، أحمد البدالي، والوجه الصاعد أحمد محمد.

وحصد العرض عدة جوائز في المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الثامنة عشرة، من بينها المركز الثاني لأفضل عرض، جائزة أفضل ممثلة لريم أحمد، جائزة أفضل استعراضات لد. سالي أحمد، وجائزة أفضل ديكور مناصفة لأحمد شربي، إلى جانب الترشيح لجائزتي أفضل إخراج وأفضل إضاءة.

ما يميز هذا العرض عن غيره من عروض “كارمن” أنه لا يراهن على شهرة الحكاية ولا على صدمتها المعروفة، بل على طريقة سردها وأدوات تقديمها. اختيار الرواية بدلًا من الأوبرا، والبناء الدائري الذي يبدأ بالنهاية ويعود إليها، واستخدام الفلاش باك، وإدخال شخصية العرافة، كلها عناصر تصب في رؤية واحدة لا تبحث عن المفاجأة بقدر ما تركز على إعادة النظر. حتى الديكور بطبقاته وقماش الماش لم يكن مجرد خلفية جمالية، بل جزءًا من السرد، يكشف ما يُخفى حين يُسلَّط عليه الضوء.

في هذا العرض، لا تُقدَّم كارمن بوصفها ضحية ولا بوصفها واعية تمامًا بما ينتظرها، بل شخصية تتجاهل الإشارات وتثق في قدرتها على السيطرة، وهو ما يقودها في النهاية إلى المصير نفسه الذي حاولت إنكاره، ويمنح العمل خصوصيته وفقًا لرؤية مخرج العرض.

د.منى لملوم – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!