أخبار مسرحية

كارول عبود… «الوحشة»!

أن تُزاحَ الخشبة نحو تخوم القلق البيروتي، وأن تُعاد صياغة العزلة الإنسانية بنبض محلي متحرّر من أسر الترجمة، هو التحدّي الوجودي الذي خاضه المخرج اللبناني جاك مارون في عرضه الأحدث «الوحش» على خشبة مسرح «المونو».

والعرض مُستند إلى نص الكاتب الأميركي جون باتريك شانلي (Danny and the Deep Blue Sea) الحائز جائزتي «الأوسكار» و«بوليتزر»، وجاء بترجمة ذكية من أرزة خضر، فلم يكن مجرد استعادة لتجربته الأولى التي انطلقت عام 2019 في محترفه الخاص، بل جاء بمثابة ولادة متجدّدة لنص ينتمي إلى جماليات «مسرح الجيب» النفسي، مُحمّلاً بجرعة مكثّفة من العنف الحميمي.

بوصلة الخشبة وانضباط الأداء

 

في هذا الفضاء المشحون، يكفي أن تُطِلّ كارول عبود حتى تستعيد خشبة المسرح اللبناني توازنها الداخلي وعمقها الصارم. إنها لا تؤدّي الأدوار التي تُسند إليها في المسرح أو التلفزيون والسينما باحترافٍ فحسب، بل تتحوّل إلى بوصلة أدائية تضبط الإيقاع كلّه. فهي تتعامل مع أي نص بوصفه طبقات جيولوجية غائرة، تغوص في تفاصيلها لتُذيب الفواصل تماماً بين وعيها الشخصي والتركيبة السيكولوجية للشخصية.

ولقد نجحت، بخبرتها ومراسها الطويل، في تفكيك المتن الخفي والمسكوت عنه داخل الحوار. ففي المسرحيات النفسية المعقّدة، كمسرحيّة «الوحش»، لا تسكن الحقيقة في الكلمات المنطوقة بقدر ما تقبع في المساحات الصامتة بين السطور.

من هنا، تبرز عبود قارئةً دقيقة للمشاعر المكبوتة والمضطربة عبر تفاصيل بالغة الحساسية: من نظرة عين مكسورة تختزل خراب ماضٍ عائلي، إلى تردّد محسوب في النطق، أو تأرجح في الجسد يعكس وطأة الصراع الداخلي، وصولاً إلى ذلك الصمت الواعي والمُثقل الذي ينطق بزخم عاطفي يتجاوز صخب الحوار نفسه.

تفكيك التناقضات والجسد السيكولوجي

 

تجنّبت عبود ببراعة السقوط في فخ الاختزال الأُحادي أو تقديم «بيرتا» كأنموذجٍ كرتوني لامرأة مأزومة. بل على العكس، فتّشت عن مكمن القوة في ذروة انكسار الشخصية، وعن تجلّيات الإنسانية في أوج قسوتها، ما جعل الشخصية كائناً إنسانياً ملتبساً يستدرّ التعاطف بقدر ما يثير النفور.

ولأن العقد النفسية لا تقبع في العقل وحده، فقد طوّعت عبود لغتها الجسدية السيكولوجية، فجعلت من إيقاع سيرها، وتسارع أنفاسها، واضطراب حركتها العفوية مرآةً تكشف أثر الثقل النفسي في الجسد نفسه، محوّلة الأداء إلى تجربة حسية وبصرية متكاملة قائمة على صدق عضوي بعيد عن الادّعاء والميلودراما.

ويجسّدُ تميّز كارول عبود قدرتها على قيادة انفعالاتها بحذر شديد، إذ تحافظ على توتر مكتوم يشدّ المتفرج ويجعله متوجساً باستمرار، ليأتي الانفجار العاطفي متناغماً تماماً مع اللحظة الدرامية وفي خدمة النص. إنها هنا مؤلّفة ثانية للشخصية. تنطلق من الهيكل النفسي الذي رسمه «شانلي» لتعيد تشكيله بخبرتها وجرأتها في تعرية الهشاشة الإنسانية.

السينوغرافيا المتوحّشة والمواجهة الثنائية

 

على المقلب الآخر، قدّم جاك مارون رؤية بصرية تعتمد على سينوغرافيا متوحّشة كأنها كيانٌ ضارٍ يلتهم مقاعد المسرح، مُلغياً بذلك المسافة الآمنة مع المتفرجين ومصادر حميميتهم ليقذف بهم مباشرة في قلب الحدث. ففي تلك الحانة القاتمة التي يلتقي فيها المنبوذان، «بيرتا» و«داني»، مصادفةً ليتكاشفا بالخوف والضغينة، ظنّ الوحشُ أنه يقتحم ملاذاً، ليجد نفسه فريسةً محاصرة في غرفة نوم «بيرتا».

هذه السينوغرافيا المشحونة بالحركة تتفكّك وتتبدل تدريجاً أمام أعين المشاهدين عبر رؤية إخراجية متناغمة مع قسوة المكان ومزاجه النفسي، إذ يدمج المخرج لوحة راقصة تولد من رحم مناخ الحانة العام، فلا يشعر المتلقّي بغرابتها إلا حين يكتشف أن الحانة قد انصهرت لترسم ملامح غرفة نوم «بيرت» الضيقة، حيث تشتعل الرغبات الدفينة والبوح الحميمي والاعترافات الكابوسية. وفي هذه المساحة الخانقة، أثبت مارون قدرة فائقة على تطويع النص وإدارة الممثّل بإحكام.

وكان الممثّل دوري السمراني، الخرّيج المتميز من محترف مارون، على قدر هذه المواجهة التمثيلية الشرسة، إذ نجح في الصمود أمام الحضور الطاغي لكارول عبود، مانحاً شخصية «داني»، الرجل العنيف والمقهور والمشحون بالخوف، حضوراً خاماً وواقعياً، خصوصاً في تجسيد صراعه اللاشعوري المتمثّل في حلمه الغريب بفستان الزفاف الأبيض.

بين حانة العزلة وغرفة الاعتراف، تتحوّل مسرحية «الوحش» إلى تجربة مسرحية تتجاوز حدود العرض التقليدي نحو مواجهة نفسية مكثّفة مع هشاشة الإنسان وعنفه الداخلي، ليرسّخ هذا العمل جاك مارون مخرجاً بارعاً في الواقعية النفسية، ويؤكد كارول عبود ممثّلة تمتلك قدرة نادرة على تحويل الهشاشة الإنسانية إلى مادة حيّة نابضة على الخشبة.

ادهم الدمشقي – الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!