“كرونولوجيا” الدراما العربية بين النجاحات والإخفاقات
متتبعو الأعمال الإبداعية يُجمعون على أن الدراما عرفت تراجعا كبيرا من حيث وتيرتها الانسيابية وحجم الموضوعات التي كانت تلامسها.

يكاد يكون هناك إجماع لمتتبعي الأعمال الإبداعية، سواء التلفزيونية أو السينمائية على صعيد الوطن العربي، على أن الدراما عرفت تراجعا كبيرا من حيث وتيرتها الانسيابية وحجم الموضوعات التي كانت تلامسها، ولعل “الريبيرتوار” التراكمي لمختلف الأعمال الدرامية منذ ستينات القرن الماضي يسجل أن مصر كانت تتصدر محصلة الإنتاج الدرامي على مدى عقود.
كانت تلك الفترة فترة زاهية في مجال الإبداع التلفزيوني والسينمائي، تزامنت مع بروز فئة واسعة من رواد الدراما آنذاك، فضلا عن كونها كانت فترة تاريخية لها بصمتها الأيديولوجية في العهد الناصري، وما تلاه من محطات عصيبة عقب النكبة والصراع العربي – الإسرائيلي الذي كان على أشده آنذاك.
هذه الحقبة بتجاذباتها الفكرية والأيديولوجية والحماس الجماهيري والحس الوطني، كلها عوامل ألهبت إلهام المنتجين والمخرجين، فوجدت إلى جانب ذلك ثلة من أهرامات وقامات من الفنانين من العيار الثقيل، لتجسيد وتشخيص الأدوار باحترافية عالية، مستمدين كفاءاتهم من قدرات مدارس ومسارح الفن التي ساهمت في صقل مواهبهم وتأهيلهم للنهوض بالمجال الإبداعي، دون تناسي حركة التلاقح والتفاعل الثقافي والإبداعي بين العديد من المدارس السينمائية، التي كانت تتصدر المشهد الإبداعي آنذاك، ولعل أبرزها المدرسة الهوليوودية في أوج عطاءاتها ونشأتها.
ويستحضر المتتبعون في هذا الشأن أبرز أعمدة الفن المصري الذين أغنوا “ريبيرتوار” الدراما المصرية بأعمالهم الخالدة، من قبيل فريد شوقي وعبدالله غيث ويوسف شعبان ومحمود عبدالعزيز وعمر الشريف ومحمود ياسين ويونس شلبي وإسماعيل ياسين ومحمود المليجي وفؤاد المهندس وأحمد بدير وسمير غانم وعادل إمام وعزت العلايلي وأحمد زكي وسعيد صالح وغيرهم، إلى جانب فنانات مقتدرات ونجمات متألقات، على رأسهن فاتن حمامة وسعاد حسني وشادية وفردوس عبدالحميد وأمينة رزق ويسرا وبوسي، وغيرهن كثيرات ممن لا يزال السجل الخالد للأعمال الدرامية يشهد لهن بعطائهن الراقي.
عقب التألق الممزوج بالريادة والتفوق التاريخي للدراما المصرية، برز صنف جديد استمد خصوصيته ومقوماته من هوية وتاريخ بلاد الشام، وأعني بذلك تحديدا الدراما السورية
وتتبادر إلى الأذهان أعمال ذات أبعاد تاريخية واجتماعية من قبيل: المال والبنون، الشهد والدموع، لن أعيش في جلباب أبي، رأفت الهجان، أرابيسك، ليالي الحلمية، ذئاب الجبل، إلى غيرها من الأعمال الدرامية الخالدة التي ستظل ذات وقع في الوجدان العربي.
وعقب التألق الممزوج بالريادة والتفوق التاريخي للدراما المصرية، برز صنف جديد استمد خصوصيته ومقوماته من هوية وتاريخ بلاد الشام، وأعني بذلك تحديدا الدراما السورية التي اتخذت منحى آخر من خلال مواقع الاشتغال، حيث فضلت المجال والامتداد الطبيعي والخيل والليل والفرسان والمعارك كتيمات وموضوعات رئيسية، عكس الدراما المصرية التي اختارت الصالونات والأبنية الكلاسيكية الفاخرة كمواقع للاشتغال.
وتتبدى بعض الأعمال في هذا الصدد من قبيل: ابتسم أيها الجنرال، الأجنحة، سنعود بعد قليل، ولاد بديعة، باب الحارة، ليالي الصالحية، سحابة صيف، سقف العالم.
وعلى رأس رواد الدراما السورية آنذاك: دريد لحام، رغدة، نادين الخوري، ناهد حلبي، عصمت رشيد، عبدالهادي الصباغ، مصطفى هلال، أيمن زيدان، سوزان الصالح، وغيرهم كثيرون.
وبالرجوع إلى الحركة الانسيابية لإنتاجات الدراما المصرية والسورية، في حقب وأزمنة مختلفة، وصفت بالفترات الزاهية المتسمة بأوج العطاء الفني في أرقى وأبهى تجلياته، يقف المتتبعون في الوقت الراهن على التراجع الكبير للفن بشقيه التلفزيوني والسينمائي منذ سنة 2011، وهو تاريخ سيبقى له وقعه الخاص في التاريخ والوجدان العربي، حيث شهدت مجموعة من الدول انتفاضات وثورات شعبية ومواجهات أفضت إلى ما أفضت إليه على المستويين السياسي والاجتماعي، إلا أن وقع تلك الانتفاضات قد كان له بالغ الأثر على مستوى الأعمال الإبداعية التلفزيونية والسينمائية، خاصة ما يتعلق بالدراما العربية، السورية منها على وجه الخصوص.
نتيجة تلك الثورات برزت مجموعة من التحولات التاريخية في جانبها الأيديولوجي والسياسي، والأنظمة الرأسمالية وتشعباتها، وهي حالة من التيه أدخلت العالم برمته في دوامة من الحيرة والارتباك، الحالة التي تحيل في نهاية المطاف على أن وتيرة الاستقرار،”سوريا نموذجا”، هي الضامن الأساسي، والبوصلة الحقيقية ولوحة القيادة واضحة المعالم لمواصلة الإبداع بمختلف تلاوينه وأصنافه، والارتقاء به إلى مراتب متقدمة جدا ومواكبة لتطورات العصر وتحدياته.
محمد باهي – صحيفة العرب



