أخبار مسرحية

“كوميديا الجنائز”.. رواية تكتب من جديد سيرة المسرح التونسي

الشاعر والكاتب التونسي سفيان رجب يفتح عوالم ما وراء العلبة الإيطالية.

من النادر أن نقرأ رواية تونسية تبني عوالمها على عوالم الفنون الأخرى مثل المسرح. فرغم ما للمسرح التونسي من انتشار عربي وعالمي وحركيّة راسخة لعقود فإن الروايات لم تدخل إلى تلك العوالم الثرية لتسائل التاريخ والإنسان قبل الفنان.

في روايته الجديدة “كوميديا الجنائز” يفتح الشاعر والكاتب التونسي سفيان رجب عوالم ما وراء العلبة الإيطالية، حيث المسرحيون التونسيون يخوضون تجاربهم الحياتية والفكرية قبل الفنية.

تستنطق الرواية المسكوت عنه في المسرح التونسي، خاصة وهي تستعيد شخصية مهمشة رغم أهميتها المؤسسة في تاريخ الفن الرابع، هي حبيب المسروقي، كما تستعيد جيلا من الرواد وتربط حركية المسرح في القرن الماضي بحركيته اليوم، إذ تجسّر المسافة بين الأزمنة والأحلام والأجيال في نسيج سردي مشتغل بعناية.

يقول سفيان رجب لـ”العرب” إن “كوميديا الجنائز” ليست مهداة إلى روح حبيب المسروقي فحسب، إنّما تستحْضرُ في جزء من أحداثها موته التّراجيديّ، وهو المُنتحرُ في المسرح، بعد أنْ وضع كومة من الثّلج وصعد فوقها إلى مشنقته، وظلّ الحبلُ في عنقه، حتّى ذاب الثّلج. فكان موته شبيها لحياته حدثا ضاجّا بالرمزية والتمرد وعلامة على ذات لم ترض أبدا بتأبيد الواقع.

سفيان رجب يستنطق المسكوت عنه ويحوّل الخشبة وما خلفها من شخصيات إلى فضاء سردي نابض بالأسئلة والتمرد

تتحدّث الرّواية عن ثلاثة مسرحيّين شبّان، بعد الثّورة التّونسيّة بسنة، تحديدًا في صائفة 2012، خلال أحداث الشّغب التي قامت بها مجموعة من السّلفيّين بتواطؤٍ من حكومة الإخوان، إذ طالت أياديهم معرض للفنّانين التّشكيليّين في قصر العبدليّة بالمرسى، ثمّ خرّبوا السّفارة الأميركيّة في بداية خريف تلك السّنة، تتشابكُ أحداث الرّواية مع أحداث تلك الصّائفة، وتنتقلُ المسرحيّة التي يتدرّبُ عليها هؤلاء المسرحيّون الشّبّان من الخشبة إلى الحياة.

وأتقن رجب على غرار رواياته السابقة المزج بين التاريخ العام والتواريخ الفردية، مستنطقا الجانب الهامشي والمعتم من هذا التاريخ التونسي الذي ما زال يرزح تحت ثقل التناسي وعدم التثمين.

ويضيف رجب أن “الرّواية في جزء آخر منها تؤرّخ لتاريخ المسرح التّونسيّ، لكوابيسه وأحلامه، وهي الرّواية الأولى، على حدّ اطّلاعي على المشهد الرّوائيّ التّونسيّ، التي تحدّثت عن المسرح التّونسيّ، ولا أتحدّث عن الشّخصيّات المسرحيّة، إنّما عن محاولة تأريخ المسرح روائيًّا، وهي مهمّة قاسية جدًّا، تتحرّكُ داخل متناقضات كثيرة، وتطلّب الأمرُ منّي طاقة كبيرة لتحويلها إلى نسيج سرديّ متماسك وإلى طقس روائيّ”.

لم يكتب رجب روايته إلا بعد جهد كبير في البحث والتنقيب في تاريخ المسرح، ولم يكتف في ذلك بالكتب والمصنفات بل حاور عددا من المسرحيين من مختلف الأجيال، أناروا له ما حدث خلف خشبة المسرح من حياة متقطّعة وصراعات وهواجس وأحلام واندفاعات أدت إلى حالة صدام فني وجمالي وفكري مع المنظومات القديمة ومهدت الطريق لظهور المسرح التونسي الجديد.

وتقوم رواية “كوميديا الجنائز” على تعدّد الأصوات، إذ نقرأ الأحداث بأكثر من عين لأكثر من شخصية تتناوب السرد، يقول الكاتب “لقدْ حاولت أنْ أكون أمينًا في التّعبير عن تلك الأصوات المختلفة، رغم تقاربها الشّديد، إذْ أنّها تمثّل جماعة مسرحيّة تُسمّى ‘عائلة الأنوف الحُمر’، تبدو خارجيًّا ذات أحلام وأفكار مشتركة، وهو ما يعقّد عمليّة تحديد الاختلافات الصّغيرة في تلك الشّخصيّات”.

ويلفت إلى أنّ مرحلة البحث الرّوائيّ قادته إلى مجالس المسرحيّين، واستفاد كثيرًا من ملاحظاتهم وتوجيهاتهم، واستمع إلى مشاغلهم، وفتح عينيه على مناطق معتمة في المسرح التّونسيّ، فعاد إلى مشاهدة أبرز الأعمال المسرحيّة، وقراءة كتب كثيرة تتعلّق بالفنّ المسرحيّ، تنظيرًا وتأريخًا، متابعا “يمكنني القول إنّني خلصتُ إلى نتيجة مُرضيّة، طبعًا يحتاج الأمرُ إلى تأكيد النّقّاد الذين سيطّلعون على الرّواية”.

وجدير بالذكر أن هذه هي الرواية السّابعة لسفيان رجب، وقد صدرت أخيرا عن دار مسكلياني للنشر والتوزيع بتونس. ويعتبرها صاحبها، في قوله لـ”العرب”، فاصلة في تجربته الرّوائيّة، لأنّه استفاد من تجاربه السّابقة، يقول “حاولتُ التّوفيق بين متانة البناء الفنّي وبين التعبير التّلقائيّ عن الشّخصيّات، ليس سهلًا على الرّوائيّ كتابة رواية متعدّدة الأصوات، مع الحفاظ على إيقاع الرّواية ونسيج الأحداث. الرّوائيّ، وهو يكتب، يكاد يتحوّل إلى فرقة من الممثّلين، ويصبح الأمر أشدّ قسوة حين تكون الرّواية عن مجموعة من الممثّلين”.

ثمّة شخصيّة محوريّة في الرّواية، وهي شخصيّة الإمبراطور، صحافيّ متقاعد وكاتب مسرحيّ، لمْ يكتب سوى مسرحيّة يتيمة لمْ تعرف طريقها إلى المسارح، تلك المسرحيّة ستتحوّل في حدّ ذاتها إلى شخصيّة أخرى، وستكون عقدة مهمّة في نسيج الرّواية، فشخصيّاتها ستتحوّل أقنعة لشخصيات الرّواية وستذوب في ملامحهم وفي لغتهم وتصوّراتهم للمسرح والحياة. وللإشارة فإن هذه الشخصية حقيقية قد تصادفك في تونس العاصمة بتصرفاتها المرحة وتتقبلها بصدر رحب، بكل ما تحمله من سخرية وتمرد على التكلّس.

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!