أخبار مسرحية
ليس الخروج عن المألوف يحمل بصمة المسرح

من الصعب مقاربة المسرح خارج فكرة التمرد، لأن هذا الفن لم يولد يومًا في حضن السكون، بل انبثق من رغبة الإنسان الأولى في اكتشاف المجهول، منذ لحظة إشعال النار وحتى لحظة إشعال الخشبة. وليس كل خروج عن المألوف هو تجريب، كما ليس كل زحزحة للقواعد تُنتج مسرحًا؛ فالتجريب الحقيقي ليس مجرد مخالفة شكلية، بل هو وعي يُعيد قراءة العالم عبر لغة المسرح، فيستنطق عناصره، ويهدم ويبني في آنٍ واحد.
ومن هنا تتجلى أهمية العودة إلى أسئلة البدايات: ما الذي يجعل عرضًا ما تجريبيًا؟ وكيف يتشكل هذا المفهوم عبر قرنٍ شهد الحروب والثورات والتكنولوجيا وتغير الوعي الإنساني؟
لقد مرّ المسرح بتحولات هائلة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين، وهي فترة تشكّل لحظة الانعطاف الكبرى في الفكر الجمالي، حيث أصبح التجريب ضرورة لالتقاط روح عصرٍ تتبدل فيه المفاهيم بسرعة الضوء. ومن قلب هذا الزلزال الحضاري، خرج المسرحيون ليعيدوا صياغة النص والعرض والممثل والفضاء والأداء، في رحلة بحث لا تنتهي عن معنى الوجود، وعن تلك المتعة الغامضة التي تجعل المسرح حيًا مهما تعددت وسائل الإبهار.
في هذا الخصوص كتب قاسم مطرود دراسة حول مفهوم التجريب في المسرح وهل كل عمل غير مالوف يعتبر تجريب يوضح فيها أشياء كثيرة مستعينا ببعض المخرجين والكتاب الذين عملوا علي فكرة التجريب .
ونظرا لطول هذه الدراسة سنجزئها الي جزئين : يقول
ان يكون تجريبا ، بمعني التمرد علي القواعد الثابتة، ومخلفة المألوف، وغزو المجهول ، والاتيان بالإبداع الجديد الذي يمثل إزاحة وهدم وبنيان ، ووفق هذا المنظور ، كيف يمكننا القول : هذا مسرحا ، نصا ، عرضا تجريبيا او غير ذلك اولم تكن محاولة الانسان الاولي هي تجريب بجد ذاته يوم اكتشف النار ، او لسقف ، ليبدا رجلة السكن والتدجين ، اولم تكن أيضا محاولة فك رموز السماء واعطائها اسما الالة كي تيسر عليهم سبل العيش ، انه تجريب في نسوخ مختلفة
اذ كان لزاما علينا الوقوف علي الابداع والمسرح خصوصا وحصرا منذ نهايات القرن التاسع عشر ، حتي نهايات القرن العشرين، والحق انها لفترة الخصبة والجديرة بالمناقشة .
ان يحيلنا الي الوقوف علي مشارف المشهد الحضاري والرقي النوعي في الالفية الثالثة ولنسبة الي الاخر الذي ترك الغيبيات وبواطن الكتب السمر.
أقول صعب علي وعلي غيري ان ينفرد حديثه عن النص المسرحي او الإخراج، و الأداء ، دون ان يمر بهذه العناصر الثلاثة ، مكتشفا الانتماءات التي بنت احداهما الأخرى بل لا يمكن تتجاهل التلفاز والحروب والعوامل الاقتصادية والتغييرات في الرؤي الاجتماعية وغياب البداوة وتكنلجة الحضارة وعولمة المشاعر ومعلمة الاسرار واختراق المنازل عبر الانترنت ، كل هذا يتجانس ويتداخل في موضوعة التجريب .
بل وانا أحاول الكتابة اشعر بوجود أطراف تلهث خلفي تجرني الي منطقة الحور التي تسكن وما ان افر منها اجدني واقعا في بقعة اخري قد تبتعد او تقترب من التجريب في الكتابة المسرحية.
فكيف ل اغفال تجديد تسبس الاكاري او اسخيلوس او سوفوكلس كي أصل وهذ المراد الي نهاية القرن التسع عشر وبداية القرن العشرين
ومن اين جاء برتولد رخت بنظريته الملحمية ان لم يكن لكتاب فن الشعر لأرسطو طاليس الاثر الأول، وما كتب طليس مخطوطته الخالدة ان لم تكن بين يديه المحاولات الاولي في التجريب المسرحي.
انه وبحق موضوع شائك لكنني سأضع لي مسار يسيرا واقنع نفسي بان كوننا وتاريخ الانسان بدا حقيقة في القرنين الأخرين او لنقل منذ اكتشاف البخار وكل الذي سبقه محاولات لاكتشاف المجهول.
الا نه تجريب في اشكال مختلفة مقرونة بزمنها وسعة ازاحتها وكثافة تكوينها.
ولان المسرح منجز جماعي لا يخضع للتشبيه لهذا دام خلوده رغم هجوم التلفاز والسينما وكل وسائل الملتيميديا .
وعليه ما انجزه ستانسلاسفسكي بتطوير الممثل علي المسرح او تجذير مفهوم المنظر المسرحي كعنصر أساسي في التكوين عند جوردن كريك لا ينفصل عن تهمش اللغة في مسرح للامعقول وخاصة علي يوجين يونسكو ، بل التأكيد علي وجود المخرج عند راين هارت وماير هولد او الإضاءة عند ادولف ابيا التي دفعت المؤلف المسرحي بالتفكير علي اقتحام المساحات الاوسع وعدم اعتماد النص علي الحوار المسرحي كما كان في السابق بل اعتبار الحوار عنصرا من العناصر الهامة وليس كل شيء ، ما وددت قوله ان اكتشافات المخرجين وتغير هندسة خشبة المسرح والتلاعب بمعمارها كما فعل ماير هولد في مسرحية هيلدا جايلر حين ازاح القوس المسرحي الجداري ومد الخشبة الي عمق الصالة .
لالا يدفع هذا المؤلف المسرحي بالتفكير عليا بكيفية باقتحام مساحة أوسع في عقل المتلقي. .
يمكننا القون ان غاية التجريب ان كانت له غاية هي اكتشاف الغامض، والتحرش بالمقدس. وسكر التابوات، ويم يحدث هذا يصبح قديما. وعليه ان يبحث عن نواة اخري، ينطلق منه ويبني عليها هيكله ، عله يجد بقعة ضوء في ظلمة ، فقط كذب علي المبدع التجوال في ثناياها .
الكل يحاول تشيد جسر بين المعلوم والمجهول، هكذا يشعر الانسان بانه ام جملة مجاهيل، وخاصة الفنان المسرحي المتبصر في عصره الرائي ما هو ابعد من الاخرين ، الذي يكون بحثه كثر ديمومة وعنا . وقد يستوطن في صغائر الأشياء، بحثا عن عالم الانا الواعي، والعالم اللاوعي ،عسي ن يجد تفسير لوجوده ودفاعا عن بقائه .
لهذا جرب بيكيت وهارولد بنتر الكتابة عن الصمت، باعتباره لغة ، لو بحثنا عن الاسكات الي يلفت الاخرين ، ومدي قدره للمسرح في استصراخ المتلقي ، محتجا او راضا لواقع لا يبدو عليه أي تبرير او معقولية .
ان سر ديمومة المسرح تكمن في سعة وقدرة التجريبيين الذين يدونونه بين حين بين حين واخر بدماء جديدة وانفاس محملة بالأوكسجين فما ان يمضي زمن قصير علي مكتشف حتي يبزغ مبدع اخر ، حاملا بيد معمولا وباليد الأخرى خارطة بنا ، وشلا جوهر المسرح هو البث الجمالي والفكري والانمائي بين الممثل والمتلقي ، وهذا ما توصل اليه مسرح لوين نيكولايس الذي مزج بين مسرح انتوننان ارثو غير اللفظي ونهج كريك في تحريك الكتل الموجردة وتفعيلها علي خشبة المسرح .
ان موت الاله عند نيتشه ونظرية التطور عند دارون والنظرية الشرطية عند بافلوف ، وغيرها من النظريات لتي شكلت فتحا او صدمة في عقل المبدع واكتشاف البارود واستخدامه وانتشار أشلاء البشر ، لم يكن الا صعقة الي من كانوا يستعذبون المعسول من الجمال فبالرسم كانت خطوطهم تشبه النار ، واللون الأحمر يتوزع الفضاء ،وفي الشعري وهجر الشعراء المديح ولغة الامس ، والمسرح الذي يجمع هذا وذاك كان خطابه مختلفا هو الاخر ، حيث المساحة الفارغة التي حدثنا عنها بيتر بروك ،وبع بحثنا عنها وجدتها داخل انفسنا قبل ان تكون علي خشبة المسرح .
التحرر
ل يعد ينفع المسرح تقديمه امام النبلاء ولم يعد لراء النبلاء ذلك التأثير في مسيرته مذ بداية القرن العشرين وخصة في روسيا التي كانت تختضن لوحدها حوالي 23 الف فرقة مسرحية وهذا يحيلنا الي التفكير مليا بمدي أهمية العرض المسرحي وقوة تأثير في نفوس الاخرين .
يقول كندنسكي : يجب ن تكون حواس الفنان مرهفة لالتقاط صوت الضرورة الداخلية ، ويبدو ان المسرح ومبدعيه واكبوا مرغمين جنون عصر كانت فيه المشانق سمته ، والتمثيل بالجثث برنامجه اليومي لذا بحث عن لغة جديدة وصورة صادمة تمكنه من احداث إزاحة او تأثير .
لهذا حاول يونسكو الغاء اللغة او تهميشها، لأنه شعر بعدم فاعليتها او عدم قدرتها علي التعبير عن حجم الضياع الذي يلف الانسان، وبالشكل نفسه جردنا بيكيت وجعلنا واقفين الي جانب شجرة جرداء تنتظر طوال الوقت غودو ، ذلك الشيء الذي يجهله هو نفسه ، لأنه ابن هذا العصر ، وقد حاول ان يجرب في منطقة الوعي المزدوج وعي عصري تفرضه العادات والقوانين والعسكر ووعي بالكاد تجمع شتاته انامل إبداعية .
ما يمكن تسميته بالتجريب في عالم النص هو تجريب وتجديد في الفكري الذي سبق حين غاب المنطق والمعني بعد الحرب العالمية الثانية وعند بروز الفاشية والنازية بات ملحا البحث عن منطقة اخري للتحاور الإنساني.
ويوم يبدا البحث يسير معه التجريب في خط واحد ليبدا في رجلة الاستكشاف ويسمح الانسان المبدع الخلاق لنفسه قول هذا او ذاك او صنع مخلوقات جديدة بنيتها الكلمات التي تجسد الصور المنجزة حداثويا .
ان تشيوء الحضارة والبشر واعتبار كل شيء سلعة لها ثمنها جعل ارثر ميللر يكتب نصا مسرحيا يحمل عنوان المشكلة ذاتها ، اذا حافظ وبشكل غير مسبوع علي انسانيته في المعالجة الدرامية لجميع نصوص حتي بلوغه 89 هتما ووفاته سنة 2005 وهو يتبني ذلك الموقف في جل نصوصه المسرحية وسيناريوهات أفلامه ومقابلاته لصحفية بدء عن مسرحية موت بائع متجول ، والتي هي الأخرى تجريبا لهدم الأسس الاولي للعقل التقليدي والتي حققت شهرتها عم 1948 ومرورا بالعديد من المسرحيات ومنها ” كلهم ابنائي “
في مسرحية الثمن تطرق هيلر للمفهوم الثمن في هذا النص وما هو المعطي والدلالة له في عصر خرب .
حقا ان المحور الأساس الذي بنيت عليه المسرحة هو بيع اثاث قديد لشقة قديمة والبحث عن شخص يقدر قيمته ويدفع ثمنه، ويبدو من هذه الزاوية راد المؤلف يقول بان كل شيء له ثمن علي مرور الزمن ، وهناك من يكون ثمنه باهظا ومن لا ثمن له .
ن الشفرات المستخدمة هي اثاث المنزل، أي قطع من الجماد وليس مطلوبا منها مجارات عصر لا يرحم ، وكن في لحظات ما تشعر ان لإثاثنا اروح ونبض وذكريات لأنه كان شاهدا علينا في مسيرة حياة مهمة .
لهذا الكرس ذاكرة حميمة كونه كان شاهدا علي الصراخ يوم ولدنا، وهذا الدولاب يذكرنا بدد الكرات التي احتفظ بها يوم لعبنا مع الفريق المضاد، ولا يمكن نسيان سرير النوم ، الذ عانق اجسادنا وهي تان من التعب والنعاس ، من هذا المنطلق اعتبر هيلر مدخل الأثاث مدخلا ناجحا في بناء نصه المسرحي معرجا علي الشخصيات الأخرى محاولا التجريب بغية احداث تغير .
وبعد التشيوء وتحجيم الانسان تأتي الضياعات التي عززت اغترابه في عصر يجهل مفاتيحه، بل اغترب امام نفسه، وشعر انه كائن من كوكب اخر وليس له مكان هنا وهذا دفعه لي للعزلة عن الاخرين ، وفقدان لتوازن والبحث عن زورق نجاة.
انطلاقات
وعن هذا التداعي بزغ المجرب الكبير برتولد بريخت ، الذي ارتضع هموم عصره ، عبر مدرسة بسكاتور ، وتعمقه بالفكر الماركسي والهيجلي وكيف حاول ان يوقظ الانسان عن مسرحه بغية ان لا يتألم كما يبغي عصره الذي يوزع افيونه بالمجان .
مع تجريب بريخت وفي جميع نصوصه والتي هي عروضه في الوقت ذاته كما معه علي الحد الفاصل بين ثقافة الامس المتمثلة بأرسطو وقوانينه في الدراما ودخولنا عالم جديد اسمه التغريب.
ما اريد ان أصل اليه، هو لا يمكننا ان نفرز بين مساحة التجريب بالنسبة للمجرب وبين التحولات لعصرية الكبر المتمثلة بالحروب والكوارث والأنماء او الهبوط الاقتصادي. بمعني حين تشتد عاصة التجهيل تتحرك جموع المجربين في الإيفاء والدفاع عن وجودهم الإنساني.
فلم يكن ظهور الددادية او السريالية او الملحمية كما ورد ذكرها او الوجودية او الرمزية ومسرح اللامعقول الا ليكون ردة فعل او بحث وتجريب في المناطق القفرة.
وشاهدنا حال المجربين تكون مساعيهم علي الوجود الإنساني كإشكاليه عصرة ولا اريد في هذا السياق ان اتعبكم بتناول الكتاب المسرحيين الذين باتت لمساتهم كمجربين مضيفين ي عصر يحتاج من يحركه لانهم كثر وهذا ليس محل بحث انجازاتهم الا اني اشير لهم فقط .
سعاد خليل – رأي اليوم



