محاكمة مهرجانات المسرح: هل عاد «أبوالفنون»؟

لم تعد المهرجانات المسرحية فى مصر مجرد احتفاء بالنتاج المسرحى، بل أصبحت ركيزة أساسية لدفع عجلة الحركة المسرحية المصرية للأمام، بعد أن أصبحت منصات انطلاق لكثير من التجارب المسرحية الجديدة والمؤثرة، وفرصة لتقييم وتطوير الكوادر المسرحية فى مختلف مجالات العمل الفنى.
ومع انطلاق عام جديد، تستحق المهرجانات المسرحية المصرية فى عام ٢٠٢٥ إلقاء نظرة عليها، وعلى حصاد تجاربها المختلفة، للكشف عن توجهات الحركة المسرحية فى مصر، وتطورها واحتياجاتها، وأهم السمات التى اتسمت بها فى عام مضى، من خلال نظرة نقدية لعدد من الكتاب والنقاد المسرحيين، لتضىء المستقبل فى العام الجديد.
المهرجان القومى التوجه إلى الأقاليم خطوة مهمة فى الاهتمام بالجمهور وليس النُخب المسرحية فقط
رأى الكاتب المسرحى طارق عمار أن المهرجان القومى للمسرح فى عام ٢٠٢٥ أكد أن المهرجانات المسرحية فى مصر لم تعد ترفًا أو مجرد مظهر للاحتفاء بالنتاج المسرحى على مدار العام، بل أصبحت ضرورة حتمية، لدفع الدم الجديد فى عروق الحركة المسرحية المصرية.
وقال: «أصبحت المهرجانات منصة انطلاق للعديد من التجارب المسرحية الجديدة والمؤثرة، كما أنها تمثل تعبيرًا حقيقيًا عن حالة الحركة المسرحية فى مصر، وربما يكون الجانب الأهم فى هذه المهرجانات هو كونها محفلًا مهمًا لمشاهدة وتقييم الكوادر المسرحية من مؤلفين، ومصممى ديكور وملابس وإضاءة، وموسيقيين، وشعراء، وممثلين، ومخرجين، وغيرهم من مختلف كوادر العمل المسرحى، ما يسهم فى تمهيد الدخول الفعلى لهم إلى سوق الاحتراف الفنية».
وأضاف: «كان لى شرف الوجود فى أروقة المهرجان القومى للمسرح المصرى فى دورته الثامنة عشرة، سواء كمدرب لإحدى ورشه أو كناقد أو كمدير لتحرير نشرته، أو حتى كمتسابق فى إحدى مسابقاته فى التأليف المسرحى، وهذا ما مكننى من قياس تأثير هذه الدورة والمردود الكبير لها، حيث تمثل تجربة خروج المهرجان إلى الأقاليم خطوة مهمة لإعادة تأطير فلسفته، وجعل المهرجان يتوجه نحو الجمهور بدلًا من النخب المسرحية، وهو أمر بالغ الأثر فى استعادة جمهور المسرح إلى قاعاته، مما سينعكس على نوعية وكمية العروض المقدمة».
وتابع: «مع ذلك، من الملاحظ أن بعض جهات الإنتاج قد تعمدت تقليل المخصصات المالية للعروض بهدف توفير الدعم المالى الكافى لإقامة المهرجان، وهو أمر محزن وأتمنى ألا يتكرر كثيرًا، خاصة أن جودة المهرجان وجدواه تتحددان بالضرورة بعدد العروض المنتجة وكم الإنفاق على إنتاجها».
الفضاءات غير التقليدية تجارب دون إنتاج ضخم تثبت مكانتها ضمن الكبار
أكدت الناقدة أسماء حجازى أن مهرجان «الفضاءات غير التقليدية» بالمعهد العالى للفنون المسرحية استطاع أن يثبت مكانته وسط أقدم مهرجانين بالمعهد، وهما «مهرجان المسرح العربى- زكى طليمات» و«مهرجان المسرح العالمى».
وقالت: «المهرجان لم تتوقف حدوده عند هذا الإطار، بل خرج ببعض عروضه ليمثل المعهد فى مهرجانات دولية أخرى، من بينها مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى ومهرجان إيزيس الدولى لمسرح المرأة، وغيرهما».
وأضافت: «رغم قلة الإمكانات الإنتاجية، نجح المهرجان فى البرهنة على أن الإبداع الحقيقى لا يقف عند حدود الإنتاج، فقد بدأ فى دورته الأولى كمهرجان مسرح غرفة، ثم تحرر من تلك المساحة الضيقة ليطوّر أفكاره ويستثمر فضاءات الأكاديمية المختلفة، مثل: السلم، وأسطح المبنى، والكافيتريا، والبرجولة، وقاعة الدائرى، لنشاهد من خلاله عروضًا وأفكارًا براقة، أفرزت مواهب متعددة».
وأشارت «أسماء» إلى أن من بين تلك المواهب برزت لبنى المنسى فى أولى تجاربها المسرحية «هل ترانى الآن؟»، التى قُدمت فى الدورة الثالثة للمهرجان، لتكشف عن مخرجة، ومؤلفة، ودراماتورج لديها مشروع فنى متكامل.
وواصلت: «عادت لبنى المنسى فى الدورة الرابعة من المهرجان لتقدم عرض (قبل طلوع النهار) عن نص (ليلة سعيدة يا أمى)، للكاتبة مارشا نورمان، وهى تجربة شديدة الخصوصية، قُدمت على سطح المبنى، بالتعاون مع مصمم الديكور أبانوب بحر، الذى قدّم حلولًا ذكية وبسيطة، وقدّمت (لبنى) دور الابنة، بينما جسّد عبدالرحمن الزايدى دور الأب، فى أداء متناغم، جعلنا نضحك ونبكى معهم بصدق».
وتابعت: «تجارب أخرى مميزة أكدت أن الإبداع لا يقف عند حاجز الإنتاج، منها عرض مونودراما (رحلة البحث عن حذاء)، من تأليف وإخراج وبطولة محمد السعيد، فى أولى تجاربه، وقُدم العرض أيضًا على سطح المبنى، وقد استطاع كريم معروف، مهندس الديكور، أن يستثمر تدرج البنايات فى الخلفية ليحوّل المكان إلى منطقة صناعية ببعض الموتيفات البسيطة، التى ناقش العرض من خلال كل ذلك قضايا حنين الروح، وفقدان الهوية، والتخبط الإنسانى».
وخلصت إلى أنه، وعلى مدار أربع دورات، قدّم مهرجان «الفضاءات غير التقليدية» تجارب مغايرة، وحمل آمالًا حقيقية، وأثبت دون إنتاج ضخم أن الموهبة، حين تقترن بفكرة جديدة ووعى جمالى، تجد طريقها، وتحجز لنفسها مقعدًا بين الكبار.
الثقافة الجماهيرية الدولة تدعم إتاحة الفرصة أمام الهواة.. و«مرسل إلى» أكبر دليل
شدد الناقد أحمد عبدالرازق أبوالعلا على أن مهرجانات المسرح فى مصر بحاجة إلى مزيد من الفعاليات خارج العاصمة، لكى تتاح الفرصة أكثر للجمهور ليشاهد عروضًا متباينة، غير العروض المرتبطة بالمكان.
وأوضح أن هذا الأمر سيدعم الذائقة الفنية لدى الجمهور، وهو هدف مهم، لأن المهرجانات ضرورية لإتاحة الفرصة أمام الجمهور ليتعرف على التجارب المختلفة، كما أنها ضرورية أيضًا للمشاركين فيها من الهواة، لتفعيل مبدأ تكافؤ الفرص.
وقال «عبدالرازق»: «مهرجانات المسرح المتنوعة فى الثقافة الجماهيرية تُعد تتويجًا لنشاط عام كامل، ويجتمع حولها آلاف الشباب، يدعمهم بعض المحترفين فى عناصر تسهم فى جودة أعمالهم، وحين نقدم أعمالًا جيدة فى مهرجانات الثقافة الجماهيرية، فهذا أمر ضرورى، لإثبات أن الهواة قادرون على الصمود والتعبير عن مواهبهم، ودليل أيضًا على دعم الدولة لهم، ليس فقط فيما يتعلق بإنتاج العروض، ولكن أيضًا فى تقديمها للجمهور العام، الذى لم يشاهدها فى مواقعها». وأشار إلى أن ذلك يتيح مساحة أكبر للمشاهدة، والتعرف على تجارب الهواة، مؤكدًا أنه ضد فكرة التسابق فى المهرجانات المسرحية، خاصة مع عروض المحترفين، لأن الهدف الأساسى الذى يجب أن يسعى الجميع لتحقيقه هو الوصول للجماهير، ودعم عنصر الفرجة، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة أمام النقاد والمتخصصين والجمهور لإبداء وجهة نظرهم تجاه العروض المُشاركة، ليتحقق التطور.
وواصل: «مع مسرح الثقافة الجماهيرية فالأمر يختلف، لأنه مسرح للهواة، حتى ولو شارك فيه بعض العناصر الاحترافية، لأن العنصر الرئيسى فى هذا المسرح هو الممثل، الذى يحتاج إلى دعم ومساندة وتشجيع، والمهرجانات تتيح له تحقيق هذا الهدف، والتسابق يكون حافزًا لتطوير المنتج المسرحى».
وأكمل: «الدليل على ذلك هو أن عرضًا مثل (مرسل إلى) لفرقة السنبلاوين المسرحية استطاع الوصول إلى مهرجان المسرح العربى فى دورته السادسة عشرة، ليتنافس مع عروض فرق احترافية جاءت من كل أنحاء الوطن العربى، فقط لأن مهرجان الثقافة الجماهيرية أتاح له فرصة الظهور».
التجريبى العروض المبهرة «استثناء» فى 2025.. وإقبال على الورش والندوات
قالت الكاتبة نسرين نور إن القاسم المشترك بين كثير من العروض فى عام ٢٠٢٥ كان انشغالها بأسئلة الإنسان المعاصر، مثل: العزلة، والخوف، والذاكرة، والجسد المحاصر، والبحث عن معنى فى عالم سريع التفكك.
وأشارت إلى أن اللافت هو كون تلك القضايا لم تُقدَّم عبر حكايات مباشرة، بل من خلال شذرات ومواقف وصور مفتوحة على التأويل، وهو ما جعل التلقى فعلًا نشطًا، لا استهلاكًا سلبيًا للعرض.
وأضافت «نسرين»: «من موقع المشاركة فى اللجنة الإعلامية للمهرجان الدولى للمسرح التجريبى أتيحت لى فرصة المتابعة اليومية الدقيقة لفعالياته المتعددة، بين عروض مسرحية، وورش تدريبية، ومحور فكرى ثرى بالنقاشات والأسئلة، وإن كانت العروض المسرحية بشكل عام ليست أمتع ولا أفيد ما يقدمه المهرجان هذا العام أو الأعوام الماضية، لكن يظهر بعض العروض المبهرة كطفرات واستثناء من قاعدة».
ولفتت إلى أن تلك المساحة القريبة من تفاصيل المهرجان التجريبى كشفت عن أنه لم يعد مجرد توصيف شكلى بل ممارسة مستمرة للاختبار، ومحاولة دائمة لإعادة التفكير فى ماهية المسرح ووظيفته، معتبرة أن قرار وزير الثقافة، الدكتور أحمد هنو، كان حكيمًا حين قرر تغيير اسم المهرجان ليشمل عروضًا جيدة، دون اشتراط أن تكون تجريبية.
وواصلت «نسرين»: «على مستوى العروض المسرحية التى تابعتها، بدا واضحًا أن الجسد أصبح مركزًا أساسيًا للخطاب المسرحى فى عدد كبير من التجارب، سواء عبر الأداء الحركى، أو الاشتغال على الإيماءة والصمت، أو تفكيك العلاقة التقليدية بين الممثل والنص، كما أن بعض العروض راهن على الصورة، بوصفها نصًا بصريًا مستقلًا، مستخدمًا الضوء والفيديو والمؤثرات الصوتية لا كزينة تقنية بل كعناصر درامية أصيلة».
وتابعت: «فى المقابل، فضّلت عروض أخرى التقشف الشكلى، مكتفية بجسد الممثل والفراغ، لتضع المتلقى أمام تجربة تأملية قاسية أحيانًا لكنها صادقة فى طرحها».
وقالت: «أما المحور الفكرى، الذى قمت بتغطيته ضمن عملى الإعلامى، فقد شكّل أحد أعمدة المهرجان الأساسية، فالنقاشات لم تتوقف عند توصيف العروض، بل ذهبت إلى عمق الأسئلة النظرية المتعلقة بمفهوم التجريب ذاته، وحدوده، وتحولاته، وطُرحت إشكاليات العلاقة بين المسرح والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعى، ومستقبل الممثل فى ظل وسائط رقمية متسارعة، إلى جانب إعادة التفكير فى دور الناقد، وهل لا يزال يمتلك أدوات كافية لقراءة هذه التحولات الجمالية».
ولفتت «نسرين» إلى أن أهم ما ميّز ندوات المهرجان هو تداخل الخبرات بين مشاركين من أجيال مختلفة وخلفيات ثقافية متنوعة، ما جعل الحوار حيًا ومفتوحًا، بعيدًا عن الأحكام النهائية، وكان واضحًا أن المهرجان لا يسعى إلى تقديم إجابات جاهزة بقدر ما يحرّض على الشك والسؤال، وهو جوهر أى ممارسة تجريبية حقيقية». وفيما يتعلق بالورش التدريبية فقد مثّلت مساحة عملية مكمّلة للعروض والنقاشات، لأن الورش لم تكتفِ بنقل تقنيات، بل عملت على تفكيك مفاهيم الأداء والإخراج والدراماتورج، ودعت المشاركين إلى إعادة النظر فى أدواتهم، وفى علاقتهم بالجسد، والفضاء، والزمن المسرحى.
وأشارت إلى أن الإقبال الملحوظ من الشباب عكس الحاجة الحقيقية إلى ذلك النوع من الاحتكاك المباشر بالتجارب المختلفة، مضيفة: «عام بعد عام تعتبر الورش بمدربيها الأجانب المختارين بعناية أكثر محاور المهرجان فائدة للمتلقى وأكثرها إقبالًا».



