محمد أمين بنيوب “على الدراما التلفزية المغربية أن تودع تلك القضايا المملة والغارقة في البؤس الإجتماعي”

يأتي هذا الحوار في سياق النقاش الذي يتجدد كل سنة خلال شهر رمضان، والذي يعرف عرض عدد كبير من الأعمال الدرامية والكوميدية على القنوات التلفزيونية المغربية، وما يرافق ذلك من تفاعل واسع من طرف الجمهور، بين الإشادة ببعض الأعمال وانتقاد البعض الآخر من حيث الكتابة الدرامية، والأداء التمثيلي، والمعالجة الفنية. وفي خضم هذا النقاش، يبرز سؤال مهم يرتبط بعلاقة الدراما التلفزيونية بالتجربة المسرحية المغربية، خاصة وأن المسرح راكم تجربة مهمة في مجالات الكتابة الدرامية، وبناء الشخصيات، والتشخيص، وإعداد الممثل.
من هذا المنطلق، أجرينا هذا الحوار مع الدكتور محمد أمين بنيوب، أستاذ محاضر بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، من أجل تسليط الضوء على واقع الأعمال الرمضانية، واستجلاء مدى استفادة الدراما التلفزيونية من التجربة المسرحية المغربية، وإمكانات تطوير الإنتاج التلفزيوني والارتقاء بجودته الفنية والجمالية.
1- بداية، كيف تقيمون مستوى الأعمال الدرامية والكوميدية التي عرضت خلال شهر رمضان هذه السنة من حيث الفكرة والمعالجة الفنية؟
تتطلب مسألة تقييم الأعمال الرمضانية مسحا شاملا لكل الإنتاجات الدرامية والكوميدية بمختلف أجناسها وتعدد قضاياها. الملاحظ، أن تلك الانتاجات، لم تخرج عن المألوف، بقيت رهينة مقاربات إجتماعية بسيطة، مبنية على النمطية والاجترار والتكرار، سواء في الطرح أو في المعالجة الفنية. أظن أن الخلل في هذه الإنتاجات، يكمن في ضعف كتابة السيناريو والبناء الدرامي المفكك، كما أن مدة إنجاز الأعمال الفنية تتسم بالسرعة والارتجالية، لأن أغلبها يخصص لملأ مساحات البرمجة طيلة شهر رمضان. دون نسيان تواجد أعمال، أنجزت بطريقة احترافية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر، دراما “الهيبة رأس الجبل” ودراما “يوم ملقاك” على قناة MBC5، ودراما”الدم المشروك” و”بنات للالة منانة” الذي تبثهما القناة الثانية ، و”الجرج القديم” بالقناة الأولى.
2- بحكم تخصصكم في المسرح، إلى أي حد ترون أن بعض الأعمال الرمضانية تستفيد من تقنيات المسرح في بناء الشخصيات والحوار؟
بالنسبة لي أهم عنصر تفوق في جل الأعمال الدرامية هو عنصر التشخيص، خاصة أن جل الممثلين راكموا تجارب مهمة على مستوى الركح المسرحي وساعدتهم في توصيل شخصياتهم على مستوى الدراما التلفزية.
3- ما أبرز النقاط الإيجابية أو نقاط القوة التي لاحظتموها في الإنتاجات الرمضانية هذا الموسم؟
أبرز الأعمال الدرامية التي تفوقت هي تلك التي اعتمدت فريقا فنيا محترفا وأخذت متسعا من الوقت الكافي لتدقيق منتوجها الإبداعي، في حين هناك أعمال أخفقت، هي تلك التي اعتمدت مشاريع ضعيفة، دون رؤية فنية وأنجزت بطريقة ارتجالية.
4-في المقابل، ما أبرز الاختلالات الفنية أو الدرامية التي تعتقدون أنها ما تزال تطبع هذه الأعمال؟
هناك عدد اختلالات، يمكن إجمالها في مايلي:
أولا، ليس لدينا كتاب سيناريو محترفين. فالسيناريو كتابة إبداعية وفنية محترفة. ثانيا، السيناريو ليس مجرد تقطيع تقني لقصة، بشخوص وفضاءات وأزمنة. فهو كتابة مبنية على الصورة والحركة المرئية وممثلين متمرسين على اللعب خلف الكاميرا بكل لقطاتها وأبعادها؛ ثالثا، الدراما التلفزية بحاجة لمخرجين مبدعين في الدراما التلفزية ومتمكنين من تقنياتها وأساليبها؛ رابعا، هناك ظروف وعوامل إنتاج الأعمال الدرامية المحدودة والتي تؤثر بشكل كبير في العملية الإبداعية برمتها. (كلفة ميزانية الإنتاج لاتتلائم مع حجم وشساعة العمل الدرامي).
5– لماذا برأيكم لا يحضر المسرح المغربي، بمبدعيه وخبراته، بالشكل الكافي داخل الإنتاجات التلفزيونية، خصوصا في الأعمال الرمضانية؟ وهل يشكل ذلك خسارة فنية للدراما التلفزيونية؟
للأسف..الفن المسرحي بكل مناهجه وتقنياته هو حقل فني مساعد لإنجاح وتبريز الدراما التلفزية. فبالرجوع للأعمال الدرامية التلفزية التي كانت تقدم منذ أربع عقود، كان حضور مبدعي المسرح في الدراما التلفزية قويا ودالا، بخلاف اليوم هناك تباعد ونفور بين مبدعي المسرح ومبدعي الدراما.
وخير نموذج على ذلك، التجارب المسرحية المصرية أو التونسية أو الخليجية، فهي تعتبر خزانا ملهما للدراما التلفزية، وأعمدة تفوقها فناني المسرح من مختلف مهنهم الأدبية والأدائية والفنية والتقنية.
6- هل يمكن القول إن التكوين المسرحي للممثلين ينعكس إيجابا على أدائهم في الأعمال التلفزيونية الرمضانية؟ وكيف يظهر ذلك في رأيكم؟
قضية التكوين في الفنون المشهدية أساسية في الأعمال الفنية. فالسينما والدراما التلفزية والدارما الإذاعية، تتطور وتتقدم، ارتكازا على أساليب ومناهج تكوين الممثل. ويعتبر المسرح رائدا في المجال. فأغلب الممثلين المغاربة هم آتون من الركح المسرحي وأبرز عنصر ساهم في إنجاح الدراما التلفزية المغربية هم الممثلون القادمون من التجارب الغنية في المشهد المسرحي المغربي.
7-في رأيكم، ما الفرق بين الأداء التمثيلي المتأثر بالمدرسة المسرحية والأداء الذي يعتمد فقط على الكوميديا السريعة في بعض الإنتاجات الرمضانية؟
يعتمد المسرح على فن أداء الممثل، وقوة المسرح في قوة مشخصيه. فالدراما التلفزية، يمكن أن تستثمر هذه القوة التشخيصية لدى الممثل المغربي. أما مايسمى “الكوميديا السريعة” فهي مجرد ترفيه يتم تكراره بأسلوب نمطي فج (تعواج الفم / شخصيات العروبي/ تقليد فج لللهجات المحلية..)، حوارات مرتبكة ومفككة، اللجوء إلى لغة الشارع الجافة دون إعادة بنائها دراميا. مايقدم أشبه ب”سندويتشات مضحكة” أما الكوميديا فهي صنعة وفن، تخلق الدهشة والغرابة والسخرية والإضحاك والارتجال بطرق متقونة، أداء، ولغة، وتعبيرا، وموقفا ورسالة. وتتطلب أيضا موهبة عالية ورفيعة في فن الكوميديا.
8-إلى أي مدى يمكن للمسرح أن يسهم في تجديد الكتابة الدرامية التلفزيونية والارتقاء بجودة الأعمال التي تعرض في الشاشة الصغيرة؟
لاسبيل لتطوير الدراما التفزية إلا بانفتاح المهن الدرامية التلفزية على المهن المسرحية وذلك بخلق جسور معرفية وإبداعية وتقنية حتى يتم التفاعل والتكامل بينهما. يمكن خلق دورات تكوينية حرفية في الكتابة المشهدية، ودورات تكوينية متخصصة في أجناس التمثيل من المسرح إلى التلفزة والسينما، ودورات تكوينية في اللعب الدرامي بين الركح المسرحي وشاشة التلفزة، وغيرها من الدورات في مجال التصوير والمونطاج والديكور والموسيقى.
9-في الختام، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى صناع الدراما الرمضانية من أجل الاستفادة بشكل أكبر من التجربة المسرحية المغربية في تطوير الإنتاج التلفزيوني؟
على الدراما التلفزية المغربية أن تودع تلك القضايا المملة والغارقة في البؤس الإجتماعي وأن تنفتح على الكتاب المسرحيين والقصاصين والروائيين وأن تنقل أعمالهم عبر أفلام ومسلسلات درامية. فالدراما التلفزية، فقيرة من حيث استلهام تاريخ المغرب، أو تاريخ شخوص وطنية أو تقديم سير تلفزية درامية لكتاب مغاربة وغيرها من القضايا الراهنة التي يمكن أن تشكل مادة درامية متميزة.
كوثر علاموا – milafattadla24



